كيدال تسقط مجدداً: حين تتحوّل مالي إلى ساحة لتصفية الحسابات الكبرى
ورقة سياسات
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
ملخص تنفيذي:
-الهجمات ضد مالي تهدد استقرار البلد وتنذر بمفاعيل عدوى قد تتمدد صوب بلدان الصحراء.
-الفصائل المهاجمة تتفق على إضعاف المركز في باماكو -لكنها تعمل وفق أجندات داخلية وربما خارجية متناقضة.
-التطوّر يهدد التوازنات الإقليمية بين دول الجوار، وتعيد رسم مصالح الدول الكبرى في المنطقة.
تقديم:
في الخامس والعشرين من أبريل، لم تكن مالي أمام موجة عنف عادية، بل أمام اختبار وجودي يطرح سؤالاً جوهرياً: هل لا تزال الدولة المالية قادرة على الإمساك بزمام السلطة في مواجهة تحالف ميداني غير مسبوق بين قوى ذات أجندات متباينة؟ فقد شنّت جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجمات متزامنة متعددة الجبهات طالت العاصمة باماكو ومحيطها ومدناً في الشمال والوسط ككيدال وغاو وموبتي، فيما أعلنت جبهة تحرير أزواد في اليوم ذاته استعادة كيدال التي كانت استعادتها عام 2023 تُمثّل أبرز إنجازات المجلس العسكري وركيزة شرعيته أمام الرأي العام.
ما يجعل هذه الهجمات مفصلية أنها لم تستهدف مواقع عسكرية نائية بل ضربت قلب منظومة القيادة؛ إذ لقي وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا حتفه إثر استهداف مقر إقامته في كاتي، وأُصيب رئيس الاستخبارات ورئيس هيئة الأركان بجروح خطيرة، فيما غاب رئيس المجلس العسكري أسيمي غويتا عن المشهد العام في لحظة حرجة بالغة الدلالة. ثم جاء الانسحاب الروسي من كيدال بموجب اتفاق يضمن خروجاً آمناً ليُضيف إلى المشهد بُعداً استراتيجياً يتجاوز الميدان المالي نحو إعادة تقييم موسكو لرهاناتها في أفريقيا.
لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن تراكمات أسابيع سبقته؛ فالحصار المفروض على طرق الإمداد وإعادة تموضع المقاتلين الروس وتصاعد الضغط العسكري على المحاور الرئيسية كانت مؤشرات على عملية ممنهجة تستهدف إرباك مركز القرار قبل الضربة الكبرى. وقد نجحت هذه العملية في تحقيق ما لم تستطعه سنوات من الصراع المتقطع: إثبات أن المجلس العسكري لا يحتكر القوة، وأن الشمال والوسط وتخوم العاصمة يمكن أن تُستنزف في وقت واحد.
المعطيات:
-في السادس والعشرين من أبريل، أعلن المتمردون الطوارق اتفاقاً يسمح بانسحاب الفيلق الأفريقي الروسي من كيدال، تاركين المدينة كاملةً تحت سيطرتهم في أعقاب حصار واشتباكات. وقد انسحب الروس بموجب اتفاق آمن فيما بقي الجيش المالي متحصناً في بعض المواقع قبل انسحاب جزئي، وسط تقارير عن حرق معسكرات وخسائر في الأرواح والمعدات. وأكد الفيلق الأفريقي الروسي أن انسحابه جاء بتنسيق مع القيادة المالية مع استمرار عملياته في مناطق أخرى، مشيراً إلى تعرض مواقعه لهجمات شارك فيها نحو ألف مقاتل مدعومين بعربات مدرعة وطائرات مسيّرة، ومُلمّحاً إلى دور محتمل لمدربين أوكرانيين في محاولة لربط الصراع بمنظومة التوترات الروسية الغربية الأوسع.
-في مواجهة هذا الواقع، اعتمدت السلطة المالية خطاباً مزدوجاً يجمع بين التأكيد على أن الوضع تحت السيطرة والدعوة إلى الهدوء واليقظة، غير أن هذا الخطاب يصطدم بحقيقة موضوعية لا يمكن إخفاؤها: فالهجمات وصلت إلى تخوم العاصمة، وتعدد الجبهات يوحي بضعف حقيقي في القدرة على حماية المجال الوطني.
-دولياً، أدانت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي الهجمات، وطالبت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة رعاياهما بالتزام منازلهم، فيما دعت مصادر دبلوماسية إلى تنسيق دولي أوسع في مؤشر على أن الأزمة تجاوزت قدرة باماكو وحدها على إدارتها. وإقليمياً، اكتفى تحالف دول الساحل بالدعم الدبلوماسي دون تقديم دعم عسكري مباشر، وهو ما يكشف عن محدودية فعالية ترتيبات التعاون الأمني القائمة وانغماس دولتي التحالف الرئيسيتين، النيجر وبوركينا فاسو، في تحديات أمنية داخلية ضاغطة.
الفصائل المسلحة: اتفاق ظرفي وأجندات متباينة:
تتصارع في الساحة المالية تيارات متعددة تجعل الصراع عصياً على القراءة الأحادية. فجبهة تحرير أزواد تمثّل التيار الانفصالي الطوارقي الساعي إلى إعادة رسم العلاقة بين الشمال وباماكو، سواء عبر حكم ذاتي واسع أو عبر فرض وقائع تقود إلى الانفصال لاحقاً. وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين تمثّل التيار الجهادي المرتبط بشبكات تنظيم القاعدة الإقليمية الذي يسعى إلى تقويض الدولة وبناء نفوذ أمني وعقائدي عابر للحدود. وتنشط إلى جانبهما قوى أصغر ومجموعات محلية متداخلة مع شبكات التهريب والتحالفات القبلية المسلحة.
ويرى المحللون أن التناقض بين هذه الفصائل حقيقي في المآلات النهائية، فيما اتفاقها على إضعاف المركز ظرفي تكتيكي. وتتغذى جماعة نصرة الإسلام من الامتداد الإقليمي لشبكات القاعدة ومن هشاشة الحدود في الساحل، في حين تستفيد جبهة تحرير أزواد من كل فراغ أمني ومن كل توتر بين باماكو وشركائها الخارجيين بما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة والضغط.
التحليل:
تتجاوز هذه التطورات حدود الاختراق الأمني لتكشف عن تحوّل بنيوي في موازين القوى يسير على ثلاثة مسارات متزامنة:
- تفكك داخلي في بنية سلطة الدولة، وتراجع ملموس في فاعلية الحلفاء الأمنيين الخارجيين، وبروز قدرات فنية واستخباراتية متقدمة لدى المهاجمين تكشف عن اختراق عميق في بنية الدولة ودعم خارجي على صعيد العتاد والتدريب.
-يرى عدد من المحللين أن المجلس العسكري فقد مشروعيته رمزياً قبل أن تتفكك قدراته ميدانياً؛ فمنذ انقلاب 2020 قدّم نفسه ضامناً وحيداً للأمن في مواجهة الفوضى وبنى شرعيته على سردية استعادة السيطرة. وما جرى يهدم هذه السردية من جذورها: العاصمة تُقصف، ووزير الدفاع يُغتال، وكيدال تسقط من جديد، والقائد الأعلى يغيب في مكان مجهول.
-تمتد الارتدادات الإقليمية الأخطر نحو دول الساحل الأخرى، خاصة النيجر وبوركينا فاسو، حيث يُرجَّح أن نموذج الهجوم المتعدد الجبهات سيجد أرضاً خصبة في ظل الهشاشة السياسية والأمنية العميقة.
-أما موسكو، فوصفت انسحاب الفيلق الأفريقي من كيدال بأنه تكتيكي ومنظم، غير أنه يحمل دلالة استراتيجية عميقة؛ فلأول مرة منذ انتشارها في أفريقيا تتلقى موسكو ضربة تُضطر معها إلى التراجع والتفاوض مع الخصم. وقد عرضت الجماعات المسلحة المالية على روسيا موقف الحياد مقابل الكف عن استهداف الفيلق الأفريقي، مما يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستمرار في دعم نظام تتراكم مؤشرات انهياره، أو فتح قنوات جديدة مع الأطراف المنتصرة ميدانياً بما يعني ضمنياً القبول بتغيير موازين القوى على الأرض.
-البُعد المغربي الجزائري: الصحراء في قلب المعادلة:
لا يمكن قراءة التطورات المالية بمعزل عن ديناميكيات التنافس المغربي الجزائري المتجذّر، الذي بات الملف المالي يتقاطع معه بصورة مباشرة.
فالجزائر التي تشترك في حدود طويلة مع مالي وطالما سعت لدور وساطة عبر اتفاق الجزائر عام 2015 الذي أنهاه المجلس العسكري، تجد نفسها أمام تحديات متزامنة: تصاعد خطر تدفق اللاجئين والأسلحة عبر حدودها الجنوبية، وتحرك السكان الطوارق داخل أراضيها بما يهدد استقرارها الداخلي، وتراجع نفوذها الدبلوماسي في الساحل في لحظة كانت تطمح فيها إلى تعزيزه. وتدفع هذه التطورات الجزائر إلى تعزيز وجودها الحدودي مع الحرص على عدم الانجرار إلى تصعيد مباشر يُعقّد علاقاتها الدولية بما في ذلك مع موسكو.
في المقابل، أعرب المغرب بوضوح عن إدانته للهجمات وتضامنه الكامل مع الدولة المالية ومؤسساتها وشعبها، مجدداً دعمه لاستقرار مالي ووحدتها الترابية. وتقرأ مصادر مغربية مراقبة هذا الموقف في ضوء المستجد الاستراتيجي المتمثل في اعتراف باماكو مؤخراً بمغربية الصحراء، وهو ما شكّل نكسة للجزائر ويجعل الرباط تراقب تطورات مالي من منظار مصلحة مزدوجة: الحرص على استقرار حليف استراتيجي، ومنع أي تحولات تصب في خانة المشروع الجزائري في المنطقة. ويتوافق الموقف الإماراتي مع الموقف المغربي في إدانة الهجمات ورفض جميع أشكال العنف والتطرف التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار.
خلاصة واستنتاجات:
**تمتد تطورات مالي إلى دول الصحراء، مشجعة الجهاديين في بوركينا فاسو والنيجر، ما يثير هواجس الفوضى والإرهاب اللاجئين.
**يغير الطوّر التوازنات الجيوستراتيجية بتعزيز النفوذ الروسي-الصيني مقابل تراجع غربي، وإعادة تشكيل تحالفات الساحل بعيداً عن ECOWAS، مما يعمق الاستقطاب حول الموارد والأمن، ويفتح باب صراعات أوسع.
**تعني التطورات بالنسبة للجزائر ضرورة إدارة مخاطر أمنية مباشرة مع الحفاظ على دورها الإقليمي كوسيط محتمل، لكن مع تحديات متزايدة في ظل الفراغ الأمني الناتج عن الانسحاب الروسي.
**تهدد التطورات بدخول مالي موجة جديدة من اللايقين بسبب تناقض أجندات الفصائل المسلحة وعدم وضوح علاقاتها بالاجندات الإقليمية والدولية.
**رغم حالة الفوضى التي تتسم بها تطورات مالي، فإن تداعياتها المباشرة على بقية دول الصحراء ما زالت عسيرة التوقع.
**لم يظهر أن ضعف الحكومة العسكرية في مالي يعزز من نفوذ فرنسا التي طرد نفوذها من المنطقة قبل سنوات.
**رغم انسحاب القوات الروسية من كيدال، إلا أن مالي وبقية دول الصحراء ما زالت تحتاج إلى خدماتها الأمنية.
**تظهر التطوّرات استعادة الولايات المتحدة لتوازن قوى في المنطقة مقابل نفوذ روسيا والصين وضعف النفوذ الأوروبي.
**يضع المغرب سياق التطورات في مالي داخل واقع اعتراف مالي بمغربية الصحراء، ما يعزز قراءة متأنية تأخذ بعين الاعتبار موقع مالي في خارطة المنطقة وتوازناتها.
**يتطابق موقف الإمارات مع موقف المغرب لجهة إدانة الهجمات التي استهدفت مالي ورفضها لجميع أشكال العنف والتطرف والإرهاب التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار.