كيان في غزة …. أفق المشروع الاسرائيلي

ورقة سياسات

أكرم عطالله

مقدمة : ظل الإسرائيلي مسكونا بهاجس الديمغرافيا منذ أن أقام دولته في فلسطين ، يفيق كل صباح يمارس واجبه اليومي في عد العرب واليهود ، وتتحول نتائج تلك الأعداد الى سياسة تصنعها الدوائر الفكرية وتنفذها دوائر القرار.

التحيل: أرقام الديمغرافيا و” أغلية عربية بين النهر والبحر” في الادبيات السياسية الإسرائيلية حكم على الدوام بفكرة مركزية قوامها أن ذلك سيضع اسرائيل أمام خيارين كل منهما أسوأ من الآخر، فإما أن تستمر الأقلية بحكم الأغلبية هذا يعني أن يتم توصيف اسرائيل كدولة عنصرية على نمط جنوب أفريقيا وتصبح دولة منبوذة أو أن تسلم الأقلية الحكم للأغلبية هذا يعني نهاية الحلم الذي أقيمت من أجله وبالتالي أشعلت الأضواء الحمر في تل أبيب في ثمانينات القرن الماضي لتنشغل مراكز الفكر بالبحث عن الحل.
كان مركز جافي للدراسات الاستراتيجية والذي أصبح اسمه منذ 2006 “معهد دراسات الأمن القومي “يقدم وصفة الحل وهي بالتخلص من قطاع غزة واخراجه من اسرائيل ومن حسابات الأرقام هذا يضمن استمرار السيطرة على الضفة وضمان أغلبية اسرائيلية مريحة لعقود في المناطق التي تبقى تحت الحكم الاسرائيلي “اسرائيل والضفة الغربية والقدس ” وقد أصدر المركز رؤيته في كتاب ” الدولة الفلسطينية ” حيث يتم التخلص من غزة واعطاؤه للفلسطينيين ليقيموا دولتهم فيه.
لم يكن معهد جافي وحيدا في رؤيته وقد تحولت تلك الرؤية الى برنامج عمل للسياسة في اسرائيل وأصبح التخلص من قطاع غزة أولوية لدى المؤسسة التي رأت في قطاع غزة منطقة ينبغي تركها لعدة أسباب:
– منطقة لا تشكل خطرا أمنيا فلا مرتفعات ولا جبال تطل على اسرائيل .
منطقة قليلة المساحة وتنعدم فيها الثروات الطبيعية والمياه –
منطقة تقع بين اسرائيل ومصر التي تم توقيع اتفاق سلام معها –
– منطقة غير مسيطر عليها انجابيا وتتميز بالكثافة السكانية حيث العدد الكبير لأفراد الأسرة “بلغ ذروته في الثمانينات بعد فتح فرص العمل في اسرائيل “وأن أغلب سكانها من اللاجئين الذين هاجروا من القرى المحيطة ذوو الثقافة القروية انجابيا.
– -لا تربط في الوعي اليهودي بأيه رابط قومي أو ديني بل تحتفظ الذاكرة المتخيلة بقصة شمشون ودليلة الغزية القوية التي جردته من قوته ما يشبه اللعنة
تحول هذا الى برنامج عمل وفي اطاره كانت اسرائيل تبحث عمن يخلصها من القطاع فعرضته على رئيس البلدية الأشهر رشاد الشوا الذي اعتذر بعد مشاورة ياسر عرفات لكن ظروفا محلية واقليمية كانت طرأت لتتحول هذه السياسة الاسرائيلية إلى واقع منها :
-الانتفاضة الفلسطينية وتأكيد ضرورة الفصل بين الشعبين وبالذات مع قطاع غزة الذي أنتج هذه الانتفاضة هذا يسهل قبول الأمر لدى الرأي العام الاسرائيلي .
– الثانية ،حرب الخليج الأولى والتي انتهت بإنهيار التماسك العربي ووقوف منظمة التحرير الى جانب العراق وتعرضها لحصار مالي وسياسي كبيرين لتلتقط اسرائيل الظرف وتعرض عليها في لحظة ضعفها قطاع غزة الذي تتلقفه المنظمة لذا فإن اتفاق أوسلو “غزة أريحا “هو اتفاق غزة أما أريحا فقد أضيفت كمسألة هامشية لكن مضمونه كان التخلص من غزة.
وفي موازاة الحكم الفلسطيني الوليد في غزة كانت اسرائيل أكثر سخاء وتعطي أبعد من رموز سلطة ليست دولة حيث سمحت بإنشاء المطار وهو رمز سيادي في اطار سعيها لتكريس السلطة بغزة وبالتوازي كان المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية ينفلت بسرعة لم يشهدها منذ احتلالها كأنه يلاحق الزمن لقطع الطريق على آمال الفلسطينيين التي بلغت ذروتها آنذاك وما بين السخاء في غزة والنهب في الضفة كان المشروع الاسرائيلي قد بدأ يخطو أولى خطواته على الأرض.
الضفة الغربية كما أشارت محاضر هيئة الأركان الإسرائيلية مباشرة بعد احتلالها كان جنرالات الأمن يحددون حدود اسرائيل بنهر الأردن ولأسباب أمنية ودينية قومية ولأن الزيادة الديمغرافية لا تسير في الضفة بتسارع غزة كان لا بد من جهود مكثفة لإستكمال السيطرة عليها في الفسحة التي يوفرها التخلص من غزة.
أدرك عرفات أن النوايا الاسرائيلية بعدم القبول باقامة دولة في حدود الرابع من حزيران وأن كل ما لدى الاسرائيليين ليس سوى دولة في غزة التي جاء شمعون بيرس للقائه في مقره فيها ليعرض عليه الأمر وأبلغه الملك حسين عن توافق أميركي اسرائيلي على غزة وقد كانت محاولة حل الدولتبن تنتهي بوضوح في كامب ديفيد عام 2000 عندما أيقن الأمر، ليحاول تحقيق اتفاق جديد مستعينا بالميدان.
حين زاد القلق على الضفة تمركز فيها عرفات في ذروة الانتفاضة رافضا أن يبقى في غزة ويقطع عليه الاسرائيلي الطريق وهذه عجلت بالقضاء عليه كما ورد في كتاب ايلان هالليفي “رجل في الظلال “رئيس الموساد السابق الذي أفرد فصلا في مذكراته عن إنهاء عرفات ثم تبعه خليفته الرئيس عباس آنذاك الى الضفة.
كانت الولايات المتحدة قد طلبت تدخل دول إقليمية لإقناع الحركة الاسلامية المعارضة لاتفاق أوسلو بالمشاركة في الانتخابات التي سبقها صراعا كان يتصاعد بين الكتلتين الأكبر في العمل السياسي الفلسطيني حركتي فتح وحماس وقد عمقت نتائج الانتخابات هذا الصراع بينهما وعجلت من الصدام المسلح والذي انتهى بطرد السلطة من غزة وحصرها ككيان في الضفة فيما غزة التي أصبحت تحت حكم الحركة الاسلامية ، كانت تبلور نظامها الخاص فيما يشبه الكيانية الخاصة.
من الأهمية للعودة هنا ما كتبه مستشار شارون لشؤون الاستخبارات عاموس غورين في صحيفة يديعوت أحرونوت عام 2001 إذ قال ” عندما يموت عرفات تتفكك السلطة بعد صراعات داخلية بين أجهزة السلطة والمنظمات المتطرفة تنتهي بهزيمة السلطة ويؤدي ذلك الى إقامة ثلاث أو أربع مناطق حكم ذاتي سيكون ممكنا التوصل معها الى اتفاقيات طويلة المدى”.
اللافت هنا هو التاريخ فقد رحل عرفات عام 2004 بينما ما قاله مستشار شارون عام 2001 قبل ثلاث سنوات أي أن اسرائيل كانت تعرف مسبقا ما سيحدث بغزة بالتفصيل وهذا ليس مصادفة وبالإمكان المغامرة بالقول أنها جزء من هندسة اسرائيلية لما آلت اليه الأوضاع لمشروع كان يؤرق المؤسسة منذ أكثر من عقدين ولا يمكن تبرئتها من الانقسام الذي حصل والذي كان من نتائجه تبلور ما يشبه الكيانية الفلسطينية في غزة حينها يمكن القول أن الفلسطينيين جميعهم تم استدراجهم للمشروع الذي شكل يوما هاجسا للدولة.
وضعت اسرائيل كل امكانياتها للحيلولة دون توحد الفلسطينيين ليس لأن انقسامهم أزاح عنها عبء قضيتهم بل لأن هذا المشروع بات الحل الأمثل للخطر الوجودي الذي تمثله تمثله الديمغرافيا وأهميته للأمن القومي الاسرائيلي وإذا كانت حركة حماس وميليشياتها المسلحة تشكل تهديدا أمنيا لإسرائيل فإن استمرار فصل قطاع غزة الذي تديره الحركة يبعد الخطر الوجودي هكذا يمكن وصف المعادلة القائمة والتي تديرها اسرائيل.
شنت اسرائيل عددا من الحروب ضد القطاع كانت هي المبادرة لمعظمها في اطار نظريتها بجز العشب تلك الحروب كانت تتحرك في اطار تلك المعادلة “إضعاف القوة العسكرية لمعالجة الخطر الأمني وفي نفس الوقت الحفاظ على الوضع السياسي القائم لمعالجة الخطر الوجودي” وهذا ما يفسر شن الحرب ضد القوة المسلحة كتائب القسام والمساعدة في توفير المال لبقاء ادارة السكان من قبل الجهاز المدني لحركة حماس .
خلال السنوات الماضية حاولت اسرائيل تطويع غزة ودفعها للموافقة على شروط تؤهلها للذهاب نحو الانفصال على شكل تهدئة طويلة تؤهل لإنفصال تام وتتوج المشروع بكيان سياسي للفلسطينيين في غزة يترافق مع تآكل الكيان السياسي في الضفة ليس فقط بفعل غياب الأفق السياسي بل وأيضا بسبب الرغبة الاسرائيلية التي ترى في الضفة مشروعا اسرائيليا لا يحتمل وجودا سياسيا للفلسطينيين ، إذ يجري اضعاف الوجود السياسي من قبل اسرائيل في الضفة وحتى بدفعهم لإضعاف أنفسهم من خلال السلوك المحلي وحين تحملت اسرائيل كلفة أمنية في الآونة الأخيرة ارتفعت بعض الأصوات الأمنية التي تطالب بتعزيز السلطة لكن ذلك لم يحدث بل عملت اسرائيل بشكل معاكس لإضعافها من خلال الإغتيالات والاقتحامات.

الخلاصة :
– أن حركة حماس ارتكبت خطأ تاريخيا باستدراجها نحو طرد السلطة من غزة لينفصل القطاع فيسقط حيث تفكر اسرائيل ككيان منفصل .
– أن الفلسطينيين كانوا ضحية مشروع اسرائيل المنظم والتفكير المحكم وسياقاته في ضوء غياب الفكر السياسي لديهم.
– ليس لدى اسرائيل ما تقدمه سوى كيان في غزة وأن العملية السياسية التي بدأت في اوسلو بغزة وصلت نهايتها منذ سنوات وأن مآلات الصراع الفلسطيني وفصل المنطقتين سرّعت في نهايتها لصالح مشروع اسرائيل في غزة .
– بإخراج قطاع غزة من معادلة الديمغرافيا تراجع الخطر الوجودي عن اسرائيل.
التقديرات تشير الى ان انسداد احتمالية عودة الوحدة بين الضفة وغزة ، وتوحيد الكيانية الدولاتية تحت الاحتلال ، يعزز من إمكانية دفع إسرائيل وقوى إقليمية ودولية نحو تعزيز الشكل الدولاتي في غزة واستدراج قوى فلسطينية تشارك حركة حماس في تصدر المشهد السياسي والإداري في غزة دون يعني ذلك الموافقة على قيام الدولة الفلسطينية في غزة ، كل ذلك تحت ستار حل المشكلة الإنسانية لما يزيد على مليوني فلسطيني في غزة ، اما الضفة الغربية والقدس فلها تصور آخر للحلول في السيطرة على الأرض والإدارة الذاتية للسكان ، حتى تنجز إسرائيل تصورها النهائي لمستقبل هده المنطقة الحيوية، سياسيا وأمنيا وتوراتيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.