قمة خليجية طارئة في جدة: أزمة أمن وموقف وقرار
تقدير موقف — مركز تقدم للسياسات
تقديم
رصد المراقبون تعدداً واختلافاً في رؤى دول مجلس التعاون الخليجي تجاه إيران ومستقبل العلاقة معها، على الرغم من تعرّض كافة الدول الأعضاء لاستهدافات عسكرية إيرانية. وقد أشعل هذا الواقع نقاشاً مبطناً وعلنياً بشأن مستقبل استراتيجيات الأمن الجماعي، بعد أن ثبت أن الخطر الإيراني واقع داهم لا احتمال كامن. غير أن ما زاد المشهد تعقيداً عشية انعقاد القمة هو إعلان الإمارات انسحابها من منظمة أوبك+، وهو قرار لا يمكن قراءته بمعزل عن مناخ التباين الخليجي المتصاعد، ويُضيف إلى جدول أعمال جدة بُعداً اقتصادياً يتشابك مع البُعد الأمني في رسم صورة مجلس التعاون اليوم.
المعطيات:
في الثامن والعشرين من أبريل 2026، عقد قادة دول مجلس التعاون الخليجي قمة تشاورية في جدة تمحورت حول تنسيق المواقف تجاه التحديات الإيرانية وسلامة الملاحة في مضيق هرمز والسعي نحو منظومة أمن خليجية أكثر تماسكاً. وقد جاءت القمة بعد أيام قليلة من إعلان الإمارات انسحابها من أوبك+، في خطوة وصفها المراقبون بأنها تعبير عن أولوية المصلحة الوطنية الإماراتية على حساب التنسيق الجماعي، وتزامنت مع مطالبة الإمارات برفع سقف إنتاجها النفطي بما يتجاوز حصتها المتفق عليها داخل المنظمة، في ظل خلافات متراكمة مع الرياض حول سياسات الإنتاج.
تظهر مواقف الدول الست تبايناً واضحاً يعكس أجندات وطنية وأولويات مختلفة؛ إذ تتبنى الإمارات والبحرين موقفاً أكثر تشدداً وتريان في إيران تهديداً وجودياً يستوجب ردعاً قوياً، فيما تسعى السعودية والكويت إلى سياسة متوازنة تجمع الردع بالدبلوماسية، بينما تميل عُمان وقطر إلى الوساطة والحوار بحكم تجربتهما السابقة. ويتجلى الموقف الإماراتي المتشدد في تغريدات المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي الدكتور أنور قرقاش، التي انتقد فيها انخفاض مستوى موقف مجلس التعاون مقارنة بأحداث سابقة كأزمتي الكويت والبحرين، ووصف إيران صراحةً بالعدو، وأعلن استعداد الإمارات لاتخاذ أي خيارات للدفاع عن أمنها دون انتظار.
وفي السادس والعشرين من أبريل، كشف تقرير لموقع أكسيوس عن إرسال إسرائيل منظومة دفاع جوي متقدمة مع فريق تشغيل إلى الإمارات خلال التصعيد الأخير، بناءً على تنسيق رفيع المستوى. وعلى الرغم من تباين مواقف دول المجلس وتفاوت حدة القصف الإيراني عليها، فإن جميعها ظلت متفقة على الأقل على المستوى المعلن على عدم الرد وعدم المشاركة في الحرب على إيران. وقد صدر تبرم خافت غير رسمي من غياب استراتيجية دفاع أمريكية مسبقة عن دول الخليج، في حين أثنت الروايات الرسمية على الدور الأمريكي وكفاءة منظومات التسليح الأمريكية في التصدي للهجمات الإيرانية.
التحليل:
يُشكّل انسحاب الإمارات من أوبك+ عشية القمة مدخلاً تحليلياً لا يمكن تجاهله؛ فهو من جهة يكثّف دلالة التباين الخليجي الداخلي ويُظهره بوضوح في الساحة الاقتصادية قبيل أن تتصدره الساحة الأمنية، ومن جهة أخرى يعكس فلسفة إماراتية أشمل تقوم على تقديم حرية الحركة الاستراتيجية على منطق الإجماع المؤسسي سواء في النفط أو في الأمن. وبهذا المعنى لا يبدو الانسحاب من أوبك+ حادثةً اقتصادية معزولة، بل إعلاناً عن نهج دولة تعيد رسم أولوياتها بصورة مستقلة في لحظة إقليمية ضاغطة.
وتضع بعض جهات البحث تقرير أكسيوس في خانة المغرضة ذات الطابع الإسرائيلي، الهادفة إلى التدخل في النقاش الخليجي الداخلي بشأن مستقبل الأمن الجماعي وترسيخ العامل الإسرائيلي بوصفه أمراً واقعاً قابلاً للتعميم. في المقابل تُقرّ هذه الجهات للإمارات حقها في اللجوء إلى كل الخيارات المتاحة للدفاع عن نفسها، وترى أن توظيف بنى تحتية عسكرية إسرائيلية لا يتعارض مع اتفاقيات أبراهام المعلنة.
وتخشى مصادر خليجية من أن الهلع الأمني قد يدفع دول المجلس إلى انتهاج استراتيجيات دفاعية متفرقة وربما متعارضة، مما يُضعف مفهوم الوحدة الاستراتيجية الذي يقوم عليه المجلس. وهذه المخاوف باتت أكثر واقعية في ضوء الانسحاب الإماراتي من أوبك+، الذي يُقدّم نموذجاً عملياً لمسار الاستقلالية الاستراتيجية التي قد تتبعه دول أخرى في ملفات مختلفة. في المقابل يرى معلقون أن إبراز التباينات بصورة علنية ظاهرة صحية تعرفها منظمات إقليمية ناجحة كالاتحاد الأوروبي، وأن من شأن تعويم النقاش إنضاج استراتيجية تجمع بين المركزية والتعدد وبين الخيارات العسكرية والدبلوماسية.
وترى جهات بحث أنه رغم انتهاج دول المجلس استراتيجية تعدد الشراكات الدفاعية منذ سنوات، تبقى الولايات المتحدة المرجع الأول للدفاع والأمن الخليجي، وأن التجربة الكويتية عام 1991 أثبتت غياب أي بديل قادر على ملء هذا الدور. بيد أن النقاش الخليجي الداخلي قد يُحفّز واشنطن على مراجعة استراتيجيتها الدفاعية للمنطقة بما يُخفف من قلق الخليجيين ويعزز الثقة المتبادلة.
وتلفت مصادر عسكرية خبيرة إلى أن دخول أوكرانيا على خط التعاون الدفاعي مع دول الخليج فتح السوق أمام تقنيات الحروب الحديثة الرشيقة، وأن التجربة الأخيرة تستدعي الاستعداد لحقبة تكون فيها دول المنطقة طرفاً في منظومة ردع تعتمد الأدوات الهجومية وسيلةً دفاعية. كما ستتطور الشراكات العسكرية مع روسيا والصين مع وعي خليجي بطابعها التجاري البحت، لا سيما أن الصين تمتلك في الوقت ذاته شراكات عسكرية مع إيران وأخرى أمنية مع إسرائيل. وفي المحصلة ستظل استراتيجيات الدفاع الخليجية رهينة طبيعة النظام الإيراني المقبل وشكل الاتفاق الذي ستبرمه واشنطن مع طهران، مما يجعل إدراج الهواجس الخليجية على طاولة المفاوضات ضرورةً استراتيجية لا خياراً.
خلاصة:
**تعقد قمة جدة في لحظة تحوّل حقيقية تتشابك فيها أربعة مسارات متوازية: أزمة ثقة داخلية بين دول المجلس حول نموذج الأمن الجماعي، وتصدع في منظومة التنسيق الاقتصادي كشفه الانسحاب الإماراتي من أوبك+ بجلاء، وسؤال مفتوح حول حدود الشراكة مع إسرائيل ودلالاتها الإقليمية، وتساؤل مشروع حول مدى كفاية المظلة الأمريكية.
**بين هذه المسارات الأربعة تقف دول الخليج أمام خيار استراتيجي مصيري: إما تعزيز التنسيق المركزي الموحد في الأمن والاقتصاد معاً، وإما الانزلاق نحو استراتيجيات متفرقة تبدأ بالنفط ولا تنتهي عنده، مما قد يُفضي إلى إضعاف المجلس في اللحظة التي يحتاج فيها أكثر من أي وقت مضى إلى صوت واحد وموقف متماسك.