قضية اللاجئين في أوروبا ومقاربة السلطوية الجديدة: الليبرالية فى مواجهة حقوق الإنسان

شكلت قضية اللاجئين  الأجانب اختبارا قاسيًا لكل المنظومة الليبرالية السياسية والقيمية  الاوروبية  التي ظلت احدى عوامل  التوحيد الرئيسة  ، بعد اختفاء التهديد العسكري الذي مثلته الكتلة السوفييتية. ومع تدفق ملايين اللاجئين إلى أوروبا من مناطق الصراع المختلفة في اسيا وافريقيا والشرق الاوسط ، انفجرت معه خلفيات  ثقافية وعرقية محمولة على روافع جديدة لتجمعات وأحزاب وحركات اجتماعية، غرفت من معين الفكر اليميني المتطرف الذي اعتقد العالم انه تجاوزه مع كوارث  ومأسي الحرب الكونية الثانية. وقعت المانيا وهولندا والنمسا تحت وقع صدمة نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة بصعود أحزاب وتيارات جديدة بلا برامج فكرية أو سياسية جدية على حساب أحزاب الاشتراكية الديمقراطية واليسارية، وسحبت من قاعدتها الاجتماعية التقليدية، العمالية والطبقة الوسطى المستنيرة . وجاءت نتائج الاستفتاء البريطاني على خلفية موضوع اللاجئين الأجانب لصالح خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي، لتشير إلى  أن مسارًا عالميًا بملامح قومية وشعوبية ضيقة يخط طريقه، على حساب قيم إنسانية واخلاقية شكلت الإطار القانوني والثقافي لمرحلة ما بعد الحرب.

أولا- تصاعد السلطوية وارتفاع وتيرة الخطاب الشعبوي:

مثل البعد الهوياتى دور محوري فى مسار تاريخ البشرية، وكان السبب الأساسى فى بعض الصراعات والحروب الدولية، ولا يقتصر الأمر على الهوية الوطنية فقط بل يمتد إلى الهويات العرقية و الدينية والطائفية. وبهذا البعد يمكننا إدراك العديد من القرارات الدولية ومتابعة مسار العلاقات بين الدول، فحينما يشعر الإنسان بالتهديد فإن يعود إلى إنتماءاته الأولية، وكان العالم يدرك أن هذا الأمر متعلق بالدول النامية ذات الثقافة السياسية المتوسطة أو البدائية فقط، ولكن مؤخرًا لوحظ أن حتى الدول التى قطعت شوطًا لا بأس به فى تبنى قيم الإيدلوجية الليبرالية والتعددية الثقافية، لا تزال تعود إلى قواعدها الاولى فى لحظات شعورها بالخطر. ويعتبر تصويت الأمريكيين لترامب فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية من أبرز الأمثلة، فقد عمل ترامب على إرسال رسائل للرجل الأبيض مفاداها أن الولايات المتحدة ستكون كما كانت سابقًا، يسيطر عليها الرجل الأبيض، بعدما شعر الرجل الأبيض لأول مرة إنه أصبح أقلية أو بدون إمتيازاته المعتادة.

فقد بدأت شعوب العالم تتقبل الديمقراطية الليبرالية  كأساس للحكم، عندما وجدت أنها تحقق لها مصالحها، فدوما يروج إليها على أنها الوجه الأخر للرأسمالية، التى تساعد على تحقيق الأمن، والاستقرار، والتنمية، وتضمن الحريات الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. وذلك بجانب جوهرها القيمى والأخلاقى، فقد غازلت هذه الإيدلوجية القيم الأساسية التى رأى العالم مأسى الحروب العالمية بسبب غيابها، فهى تتضمن احترام الاقليات، والتعددية الثقافية والعرقية، وتضمن الحريات المدنية والسياسية. هذا ما جعل العالم ينظر لها بإيجابية، خاصة فى ظل سياق عالمى داعم لانتشارها، حيث انتصار الكتلة الغربية على المعسكر الاشتراكي ، والترويج بأن السلام العالمى لن يحدث إلا فى ظل دول تسير على النمط الغربى الليبرالى، بإعتبار أن الدول السلطوية هى الأكثر قابلية لإشعال الحروب والصراعات.

ولكن فى السنوات الأخيرة ظهرت تحديات قوية فى مواجهة الدول القومية الحديثة، كتزايد الفاعليين الدوليين من غير الدول، وتفاقم موجات الهجرة واللجوء، الأمر الذى ترتب عليه ضعف فعالية الدول فى ممارسة أدورها التقليدية. وعلى إثر ذلك رفض قطاعات واسعة من المواطنين فىى الدول الديمقراطية الليبرالية الراسخة الشكل المعاصر للدولة، ونبذت النخب الحاكمة التى تدير النظام العالمى، خاصة فى ظل إدراكهم أن هناك دول سلطوية قد حققت الجزء الأكبر من الوعود التى وعدت الليبرالية، لا سيما دولة الرفاه، مثل الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وحتى روسيا فى عهد بوتين.

وكانت هذه هى الفرصة الكبرى لجماعات اليمين المتطرف والشعبويين الجدد، لشن حملات مناهضة للنخب السياسية التقليدية، ولشكل النظام الدولى التى شكلته هذه النخب. وكانت الوسيلة الأهم التى اعتمدوا عليها هى “الخوف”، الخوف من مزاحمة اللاجئين للمواطنين فى الوظائف، الخوف من العمليات الإرهابية، الخوف من تغيير الثقافة الأوروبية المسيحية، الخوف من أسلمة أوروبا، الخوف من تغيير البنية الاجتماعية، الخوف من إستهلاك ضرائب المواطنين فى غير محلها، الخوف بشكل أعم من الهزيمة والفشل.

ثانيا- أزمة اللاجئين وتحدى أوروبا الكبير:

منذ 2011، شهدت منطقة الشرق الأوسط اضطربات وصراعات عديدة، عقب اشتعال احتجاجات وانتفاضات شعبية ضد بعض الانظمة العربية، وقد شهد البعض تفككا شبه كامل للدولة كسوريا واليمن وليبيا، ونتيجة لهذا شهدت سواحل القارة الأوروبية أعلى معدلات لتدفق اللاجئين. فقد أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين أن ما يقرب من 5 مليون لاجئ سورى، منهم ما يقرب 2 مليون لاجئ فى المانيا وحدها.

لم تكن قضية اللجوء والهجرة أزمة ضخمة بالمعايير الأوروبية والعالمية إلى أن وصل اليمين المتطرف إلى أجهزة الحكم فى أوروبا وأمريكا، وهدد عرش الانظمة السياسية القائمة، بل يكاد يعصف بتماسك الاتحاد الأوروبى نفسه، وزادت التخوفات من احتماليات انتهاء النظام العالمى الذى تشكل منذ سقوط الاتحاد السوفيتي. ومن ثم بدأت النظم السياسية الأوروبية تتعامل مع الموقف بشكل أكثر براجماتية، وتحاول التوفيق بين إيمانها بحقوق الانسان وبين استقرار النظام العالمى والأنظمة السياسية، ولكن فى الأغلب ما تأتى على حساب البعد القيمى والأخلاقى لهذه المقاربة.

خاصة أن هذه المقاربة بها عناصر أخرى تدفع تجاة طرد اللاجئين، أكثرها أهمية هى العمليات الإرهابية التى قامت بها الجماعات الإسلامية الرديكالية كداعش، مثل حادث تشارلي إيبدو والتفجييرات التى حدثت فى عدة عواصم أوروبية، ولا يقل الجانب الاقتصادى والمالى أهمية، فبحسب بعض تقديرات صندوق النقد الدولي، أنفقت الحكومة الألمانية فقط قرابة ٢٠ مليار يورو في سنة ٢٠١٦ على اللاجئين من أموال دافعى الضرائب، والتى يدفعونها فى مقابل الحصول على خدمات خاصة بهم، وبمقاربة غاية فى النفعية فإن المواطنين ينتخبون من يحقق مصالهم أكثر ولهذا يمكننا النظر لماذا إزادت الأصوات لأحزاب اليمين المتطرف فى معظم الدول الأوروبية والأمريكية.

وخلال هذا السياق تتشكل ردود أفعال النظم السياسية الليبرالية الكبرى القائمة، فهذا الاتجاة المعارض لتواجد اللاجئين جعل قادة الدول الغربية يتخذون مواقف متذبذبة من نظام بشار الأسد على وجه الخصوص، فالجميع أصبح يدين جرائم النظام السورى ولكن موقف هذه النظم من رحيل بشار أصبح غير واضح خاصة أن الدولة السورية مصيرها مجهول وقد تسيطر عليه الجماعات الإسلامية الإرهابية.

ثالثا- الاتفاق الأوروبى الجديد واختبار إنسانية النظم الغربية:  

من الواضح أن الاتفاق الذى عقدته دول الأتحاد الأوروبى مع تركيا لا يكفى لايقاف تدفق اللاجئين أو تنظيم دخولهم، فهذا الاتفاق وإن كان مشكوك فى مدى جدوى تنفيذه، إلا إنه قام بتحويل اليونان إلى سجن كبير للاجئين لإنهم أصبحوا غير قادرين على العبور إلى أوروبا، ولم يتبقى لهم سوى إيطاليا من خلال السواحل الليبية. وأصبحت الدول الأوروبية الكبرى فى حاجة إلى محاولة إرضاء دول المواجهة الواقعة على سواحل البحر الأبيض المتوسط، وذلك حتى لا ينفك عقد الاتحاد الأوروبى، خاصة وأن ايطاليا بعد فوز حكومة اليمين المتطرف بقيادة أحزاب الرابطة اليميني المتطرف، وحركة النجوم الخمس اليمينية الشعبوية. إذ ترى هذه الأحزاب أن الاتحاد الأوروبى أصبح أداة للهيمنة الاقتصادية الالمانية على دول أوروبا، وأن ألمانيا أكثر من أستفادت منه اقتصاديًا ولابد من أن تتخذ الدول الضعيفة موقفًا جادًا من ألمانيا.

ففىى الوقت التى تحصد فيه ألمانيا ما يقرب 70 مليار يورو فائض تجارى من صادرتها لدول الاتحاد الأوربى فقط، تغرق روما في مديونية ثقيلة بلغت 133%، ولهذا لا تريد روما استقبال اللاجئين وترغب فى طردهم إلى المانيا، حيث ترى أن الحكومة الألمانية المسئول الأول عن جذب هؤلاء اللاجئين، بالإضافة إلى كونها القوة الأقتصادية العظمى فى أوروبا. وبالتالى فالحكومة الإيطالية مستمرة فى  تصديرها للاجئين إلى ألمانيا وباقى دول أوروبا، وهذا قد يؤدى بدوره إلى احتمالية غلق بعض الدول حدودها ، مما يهدد الجوهر  والأساس الذى قام عليه الاتحاد الأوروبى وهو حرية الحركة، وقد يمهد إلى تفكك الاتحاد الاقتصادى والسياسى برمته.

وقد دفع الوضع الداخلى الالماني إلى عقد مفاوضات مع حكومة ايطاليا ، حيث ترى روما بشكل أكثر منطقية أنها لن تتحمل فاتورة اللاجئين وحدها لمجرد أن لظروف طبيعية وجدت على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وفى المقابل يرى زيهوفر أن حكومة روما تنتهك اتفافية دبلن التى تضع قواعد وشروط اللجوء، حيث تقوم روما بالسماح فيما يعرف ب ” الهجرة الثانوية” ، أى يقوم اللاجئ بتسجيل نفسه فى روما ويقوم بالتجول فى أوروبا حتى يصل إلى مرساه الأخير.

ويتوقف مدى نجاح الاتفاقية الجديدة على مدى تقاسم الأعباء ما بين الدول الأوروبية، حتى لا تتحمل دول السواحل الجنوبية  العبء الأكبر بمفردها. وكانت النتيجة النهائية للمفاوضات بنود أقل إنسانية وأكثر استفادة للجانب الأوروبى، فإيطاليا ستتوقف عن الهجرة الثانوية لدول أوروبا ومنها ألمانيا، وفى المقابل سيتم اجراء عملية انتقاء أو تصفية، بإنشاء مراكز لتجمع طالبى اللجوء فى دول الشرق الأوسط وأوروبا، وسيتم الاختيار ما بين اللاجئين، فمن يتم الموافقة عليه يتم توزيعه على الدول الأوروبية التى تقبل استقبالهم ، ومن يتم رفضه يبقى خارج الاتحاد الأوروبى.

وبالتالى سيتم توزيع أعباء اللاجئين على دول الاتحاد الأوروبى وليست ايطاليا  ودول السواحل فقط، ولن تستقبل روما مراكب إنقاذ اللاجئين الغير شرعيين مرة أخرى، بل ستعيدهم إلى ليبيا أو دول الشرق الأوسط بشكل عام . كما أعلن وزير الداخلية الألمانية هورست زيهوفر، في  10 تموز/ يوليو 2018، عن ما يسمى “الخطة الشاملة للهجرة”، التى جوهرها بناء “نظام حدودي جديد” على الحدود الألمانية-النمساوية لمنع دخول طالبي اللجوء الذين تختص دول أخرى في الاتحاد الأوروبي بإجراءات لجوئهم.

الخلاصة:

باتت قضية اللاجئين عنوانا مركزيا  في الجدل السياسي والفكري في القارة الاوروبية ، وسببا رئيسا في الازمات الحكومية وصعود اليمين القومي الجديد . جاء صعود دونالد ترامب الى سدة البيت الابيض بافكاره الشعبوية اليمينية المعادية للهجرة واللاجئين ، ليساهم في تغذية التيارات اليمينية الاوروبية . ترافق ذلك مع تصاعد موجة ما بات يعرف ب “الاسلاموفيوبيا ” او العداء للمسلمين ، ما يهدد حياة ما يقرب من 25 مليون مسلم اوروبي . لكن الاخطر ان هذه الموجة اليمينية حملت معها تهديدا لكل المنظومة الليبرالية بما فيها الحريات الفردية في التعبير والتفكير والحق في الخصوصية الشخصية وحرية التنقل ، واستسهال تجاوز القوانين بذريعة الحفاظ على الامن من التهديدات الارهابية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.