قرار حكومة نتنياهو بشأن الصلوات الرمضانية:

تصريحات مضلّلة أكثر منها “مطمئنة”

أمير مخول، الباحث في مركز تقدم للسياسات
تقديم:
اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي يوم 5 اذار/مارس بأنه قد حسم موقفه لصالح توصيات كلّ من الجيش وجهاز الامن العام “الشاباك” بصدد دخول المصلين للأقصى المبارك خلال شهر رمضان وحصريا خلال الاسبوع الاول من الشهر ليتاح اعادة تقييم الوضع. وقد حذر الجيش كما الشباك ووزير الامن وبشكل قاطع بأن توتير الاجواء في المسجد الاقصى، سوف يؤثر على وضع الحرب على الجبهتين الجنوبية والشمالية، إذا ما اشتعلت الاجواء في الضفة الغربية وفي الداخل الفلسطيني واستدعت وحدات الجيش. كما شدد الجيش على اهمية عدم توتير العلاقات مع الاردن المشرفة على المسجد الاقصى، وباعتبار العلاقة مع الاردن كما مصر ذخرا استراتيجيا وفقا للجيش، وشدد الشاباك على الضرورة الامنية في عدم إحداث مواجهة من قبل الدولة مع فلسطينيي48 مواطني اسرائيل. اعتبر وزير الامن القومي المسؤول عن جهاز الشرطة وحرس الحدود أن قرار نتنياهو يعرض امن اسرائيل للخطر وخضوع “لإملاءات الارهاب”.
قراءة:
يتحدث نتنياهو في تصريحاته عن دخول المصلين من بين الفلسطينيين العرب مواطني الدولة، اذ تميز المفردات الاسرائيلية ما بين “فلسطينيي المناطق [المحتلة اي الضفة الغربية من دون القدس التي تخضع لقانون الضم الاحتلالي]” وبين فلسطينيي48 الذين تطلق عليهم تسمية “عرب اسرائيل”. بناء عليه فإن القرار الحكومي لا يعني دخول المصلين من انحاء الضفة الغربية ولا يعني “احترام حرية العبادة”. كما وصرح نتنياهو بأن هذه الحرية متاحة لجميع الاديان فقط بسبب اسرائيل.
لم يتحدث نتنياهو كما رشح في الايام الماضية عن “مصادرة صلاحيات وزبر الامن القومي بن غفير” بشأن دخول المصلين والقرار باقتحام الاقصى عند الضرورة، وفعليا لم تتم مصادرة صلاحيات ونفوذ الوزير الذي يشرف على قوات الشرطة وحرس الحدود في مدينة القدس، وله كامل الصلاحيات الدستورية في هذا الصدد بما فيه منع المصلين من الوصول الى المسجد الاقصى واصدار الاوامر بوضع الحواجز في شوارع المدينة ومداخلها.
تقوم الاطراف الوسيطة بشأن الصفقة والتهدئة قيد التفاوض، بإدماج موضوع اداء الصلاة في المسجد الاقصى خلال شهر رمضان في إطار جهودها لنزع فتيل التصعيد الخطير من ايدي المسؤولين الاسرائيليين المعنيين بالدفع الى افتعال الصدام الدموي بما يخدم مخططاتهم بروح “خطة الحسم” من لدن الصهيونية الدينية. ونتيجة للضغوطات الدولية والعربية وحصريا الاردنية والمصرية فقد قام منسق شؤون المناطق المحتلة بزيارة عاجلة الى مصر يوم 7/3/2024 بهذا الصدد وفي موضوع جهود عقد الصفقة والاوضاع الكارثية في غزة.
تعتبر هذه اول مرة منذ تشكيل الحكومة يجاهر فيها نتنياهو بتصديه بشكل مباشر لبن غفير، حيث كان موقف الجيش والشاباك حازما في هذا الصدد، وبعد ان طلب نتنياهو من رؤساء الجيش والشاباك والشرطة التوجه بتوصية مشتركة الى الحكومة. وكان وزير الامن قد توجه كتابيا الى رئيس الحكومة وكابنيت الحرب في هذا الصدد محذرا من إشعال الاوضاع في الاقصى وحصريا خلال شهر رمضان، مما سينقلب على اسرائيل ويغير اولويات الحرب. ذكر نتنياهو بأن بن غفير توجه له عشية الانتخابات الاخيرة واقترح ان يتنازل عن التنافس للكنيست مقابل موافقة نتنياهو السماح لليهود بالصلاة في الحرم. وبدوره قد رفض ذلك قطعيا.
يدرك نتنياهو كما كل التحليلات بأن بن غفير لن يستقيل من الحكومة بسبب الخلاف حول اتاحة المجال للفلسطينيين مواطني اسرائيل بأداء شعائر شهر رمضان في الاقصى. في المقال يدرك بن غفير بأنه قد كسب سياسيا، اذ انه تمسك بموقف المعارضة لحكومته في شأن يهمّ جمهوره، وفي المقابل وفي حال حصلت مواجهات واقتحامات بتحريك منه فإنه سيقوم بدور “الواعظ” بمعنى “لقد حذرتكم”، وهو يسعى الى استغلال حالة الحرب لمضاعفة قوته السياسية سعيا وراء طموحاته للسيطرة على الليكود بعد نتنياهو والتنافس على رئاسة الحكومة.
بلورت المؤسسة الاسرائيلية ومعها الاعلام مؤخرا رواية مفادها ان حماس ليست معنية بالصفقة وان قرارها هو استغلال الموقف الدولي وحصريا الامريكي الضاغط على اسرائيل في مسألة الحالة الانسانية الكارثية في غزة من اجل دفع الامور للمواجهة في الاقصى وفي سياق شهر رمضان باعتبار ذلك وفقا للإعلام الاسرائيلي سيدفع الى زج الفلسطينيين في الضفة والقدس والداخل نحو مواجهة شعبية مفتوحة مع اسرائيل، كما سيحرك الشعب العربي والعالم الإسلامي، ويضمن زيادة المساعدات الدولية بالغذاء والادوية الى غزة. وفقا لهذه الرواية فإن اسرائيل تحمّل الجانب الفلسطيني مسبقاً المسؤولية عن اية توترات، ويأتي ذلك بعد حملة متواصلة في السنوات الاخيرة وتعاظمت خلال الحرب على غزة وتهدف الى “شيطنة” الشهر الفضيل، ودمغ سلوك المصلين الذين يقيمون الشعائر الدينية بالإرهاب.
أبرزت مواقع الصحف العبرية مقالات وتحليلات تحريضية على فلسطينيي48 مواطني إسرائيل وحصريا على لجنة المتابعة العليا وهي التنظيم الكياني لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني وعلى الحركة الاسلامية (الشمالية) المحظورة اسرائيليا، بما فيه تحذيرات من تكرار هبّة الكرامة من ايار/مايو 2021، والدعوات الى تشديد سياسة الكبت والقبضة الحديدية وحتى تحريض الميليشيات التي اقامها حزب عوتسما يهوديت في المدن الساحلية والمختلطة وكذلك “وحدات الاستنفار” التي قام الوزير بن غفير بتوزيع السلاح على نحو تسعمائة منها، ويندرج ضمن مهامها “التعاطي مع قلاقل السور الواقي2” (وهو التسمية العبرية لهبّة الكرامة) لترويع الفلسطينيين مواطني الدولة واعتبارهم جبهة معادية في زمن الحرب. وقد وصفها قائد منطقة القدس السابق في الشرطة بأن “بن غفير يسعى الى اشعال نار هائلة لا يمكن اطفاؤها”.
الخلاصة:
• تصريحات نتنياهو لا يمكن اعتمادها بأنها مطمئنة بل مضللة، ويتحمل وحكومته كامل المسؤولية جراء كل تصعيد مرتقب.
• من الضروري فلسطينيا وعربيا عدم الركون الى تصريحات نتنياهو “التطمينية”، اذ تحمل الكثير من الفجوات وتنتهك حرية العبادة لسكان الضفة الغربية وتسعى الى دقّ الأسافين بين الفلسطينيين من جانبي “الخط الاخضر”.
• من الاهمية بمكان اعتبار مسألة الانتهاكات الاسرائيلية للمسجد الاقصى ولحرية العبادة بأنها احتلالية ومنع تحويلها اسرائيليا الى حرب دينية.
• التحريض الدموي على فلسطينيي48 مواطني اسرائيل يندرج ضمن هدف تقويض مجمل مَواطن قوة الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.