قراءة في ورقة الدكتورة غانية ملحيس.
“حركة فتح ومسارها التاريخي: من التأسيس إلى انسداد الحامل السياسي وإمكان إعادة التأسيس”
محمد مشارقة. مركز تقدم للسياسات
ملخص تنفيذي:
في إطار متابعتنا الدائمة والمستمرة لأعمال الباحثة السياسية الفلسطينية الدكتورة غانية ملحيس، والتي تمثل إسهاماً نوعياً متميزاً في إثراء الفكر السياسي العربي والفلسطيني المعاصر، نقدم هذه القراءة النقدية التحليلية لورقتها البحثية الصادرة في الحادي والعشرين من نيسان عام 2026، والتي تعالج مسار حركة فتح منذ تأسيسها قبل ستة عقود، مروراً بمحطاتها التاريخية المصيرية، وصولاً إلى لحظة الانسداد الراهنة التي تعيشها الحركة والنظام السياسي الفلسطيني بأكمله.
تتميز منهجية الدكتورة ملحيس بالجرأة الأكاديمية والدقة التحليلية، حيث لا تكتفي بسرد الوقائع التاريخي، بل تتجاوزه إلى تفكيك البنية السياسية التي حكمت مسار الحركة، معتمدة إطاراً تحليلياً ثلاثي الأبعاد يقوم على العلاقة الجدلية بين “الفعل التحرري” و”التنظيم” و”الحامل السياسي”. وهذا الإطار يمثل ابتكاراً مفاهيمياً نوعياً يضيف إلى أدوات التحليل السياسي الفلسطيني والعربي عموماً.
تشخّص الورقة أزمة حركة فتح ليس كتراجع ظرفي في الأداء، بل كأزمة بنيوية تعبر عن انسداد أعمق في نمط تشكل السياسة الفلسطينية ذاتها، حيث تحولت الحركة تدريجياً من فاعل تحرري ينتج الفعل والشرعية، إلى جهاز إداري يدير واقعاً مفروضاً، ويعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه.
غير أن هذه القراءة، رغم إشادتنا بقوة التشخيص التحليلي لدى الباحثة، تختلف معها جوهرياً في نقطة مركزية تتعلق بإمكانية إعادة تأسيس حركة فتح أو إحيائها من جديد. حيث ترى الدكتورة ملحيس أن الخروج من الانسداد قد يمر عبر تحول داخلي في بنية الحركة وإعادة تأسيس حامل سياسي جديد، نقدر أن حركة فتح، بتركيبتها الراهنة وإرثها التاريخي، تجاوزت نقطة اللاعودة، وأصبحت غير قابلة للإصلاح أو الإحياء. فالحركة لم تخفق فقط في أداء دورها التحرري، بل تخلفت عن فهم تقيدات الواقع المعاصر فكريا وسياسيا وتنظيميا، وغرقت في سلطة تحت الاحتلال، وتحولت إلى جزء من آلية إدارة الأزمة بدلاً من أن تكون جزءاً من حلها.
وعليه، فإن أفق إعادة التأسيس لا يمكن أن ينطلق من داخل فتح أو من خلال محاولة إصلاحها، بل يتطلب تجاوزها بالكامل، والبناء على الفعل المجتمعي المكثف من خلال صيغ تنظيمية جديدة، تستوعب دروس الماضي دون أن تكرر أخطائه، وتستجيب لتحديات الحاضر دون أن ترتهن لقيود سلطة مشلولة تحت الاحتلال.
– المنهج والأطر المفاهيمية المتميزة:
تمثل الدكتورة غانية ملحيس نموذجاً للباحثة السياسية الجادة التي تمتلك أدوات تحليلية رفيعة، وقدرة على المزاوجة بين العمق النظري والمعرفة التفصيلية بالواقع السياسي الفلسطيني. وما يميز هذه الورقة بشكل خاص هو تجاوزها للسرد التاريخي الخطي، والانتقال إلى التحليل البنيوي الذي يكشف عن القوى الفاعلة والصراعات الكامنة خلف الأحداث.
فالإطار التحليلي الذي ابتكرته الباحثة، القائم على ثلاثية “الفعل التحرري – التنظيم – الحامل السياسي”، يمثل إضافة نوعية إلى الأدبيات السياسية الفلسطينية. فهو يتجاوز المقاربات التقليدية التي تركز على الشخصيات أو الأحداث، إلى مقاربة ترى في السياسة حقلاً للصراع بين فاعلين مختلفين على تعريف الشرعية وامتلاك حق التمثيل. هذا الإطار يصلح لأن يُعمم على تحليل تجارب تحررية أخرى في العالم العربي والعالم.
كما تستحق الباحثة الإشادة على جرأتها في مقاربة مواضيع حساسة، مثل نقد أداء السلطة الفلسطينية، وتحليل تداعيات اتفاق أوسلو بوصفه نقطة تحول بنيوي، وكشف آليات إعادة إنتاج الانقسام من قبل الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين على حد سواء. هذه الجرأة، المقترنة بالدقة الأكاديمية، هي ما يجعل من أعمال الدكتورة ملحيس مرجعاً مهماً لكل من يهتم بالشأن الفلسطيني.
– نقاط القوة في التحليل:
1. تفكيك العلاقة بين الفعل والتنظيم والحامل السياسي:
تبرع الباحثة في تتبع كيف أن العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة لم تكن ثابتة، بل خضعت لتحولات جوهرية عبر المراحل التاريخية المختلفة. ففي مرحلة التأسيس، كان الفعل التحرري هو مصدر الشرعية، والتنظيم كان حاملاً لهذا الفعل. لكن مع مرور الزمن، وخاصة بعد أوسلو، انفصل التنظيم عن الفعل، وتحول الحامل السياسي من بنية جامعة إلى جهاز إداري مقيد تحت الاحتلال.
2. قراءة الفاعل الاستعماري كقوة هندسة بنيوية:
لم تقع الباحثة في فخ اختزال دور الاحتلال في مجرد عدوان عسكري، بل حللت كيف أعاد الكيان الصهيوني تشكيل البنية السياسية الفلسطينية عبر أدوات متعددة: المقايضة الوظيفية (ربط استمرار المؤسسات بأداء وظائف أمنية)، وهندسة الجغرافيا (عزل القدس وتكريس الانقسام)، والاغتيال السياسي وتجريف النخب، والتحكم المالي كأداة تدجين. هذه القراءة المتقدمة لدور الاحتلال تمنح الورقة عمقاً استراتيجياً.
3. كشف تناقضات مرحلة أوسلو والسلطة:
تقدم الورقة قراءة نقدية لاتفاق أوسلو لا تقتصر على ما هو معروف من انتقادات، بل تتعمق في تحليل الآليات التي غيّرت بنية الحامل السياسي. فتشير الباحثة إلى أن الاتفاق لم يكن مجرد ترتيبات مرحلية، بل عملية “احتواء جغرافي” للحركة، ونقل مركز الثقل من الخارج (الذي كان خزاناً للثورة) إلى الداخل (الذي أصبح ساحة محصورة تحت سيطرة الاحتلال). هذا التحليل يصب في اتجاه تأكيد أن فتح لم تعد حركة تحرر، بل أصبحت جزءاً من منظومة إدارة الاحتلال.
4. تحليل مرحلة الانقسام كنتاج بنيوي:
تتجاوز الورقة القراءة السطحية للانقسام الفلسطيني التي تختزله في صراع على السلطة، إلى تحليل أعمق تراه نتيجة طبيعية لمسار طويل بدأ مع تحويل السلطة إلى بديل عن الحامل السياسي. وتشير إلى أن الانقسام تجذر بفعل الرعاية الإسرائيلية والدعم الإقليمي والدولي لطرفي النظام السياسي الفلسطيني ومنع وحدته.
– حول إمكانية إعادة إحياء حركة فتح:
رغم قوة التشخيص الذي تقدمه الدكتورة ملحيس لأزمة حركة فتح، فإننا نختلف معها جوهرياً في نقطة مركزية تتعلق بإمكانية إعادة تأسيس الحركة أو إحيائها من جديد. فبينما تترك الورقة الباب مفتوحاً أمام احتمال تحول فتح واستعادتها لدورها (وإن كان ذلك مشروطاً وشاقاً)، نقدر أن حركة فتح، بتركيبتها الراهنة وإرثها التاريخي وبنيتها القائمة، تجاوزت نقطة اللاعودة، وأصبحت غير قابلة للإصلاح أو الإحياء للأسباب التالية:
أولاً: تخلف فتح عن فهم تقيدات الواقع المعاصر:
لم تعد حركة فتح قادرة على قراءة الواقع الفلسطيني المعاصر بتحولاته المعقدة. فالحركة لا تزال أسيرة خطاب سياسي وتنظيمي تشكل في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لا بل ليس مبالغة القول انها ظلت نتاج مرحلة الحرب الباردة ، بينما تغير العالم وتغيرت أشكال الصراع وموازين القوى. فحركة فتح اليوم تتصرف وكأن الزمن توقف، وكأن أدواتها التنظيمية وسياساتها لا تزال صالحة لمواجهة تحديات لم تعد تشبه ما كانت عليه قبل عقود. هذا التخلف المعرفي والاستراتيجي يجعل أي محاولة لإصلاحها مجرد إنعاش لجسد ميت سريرياً.
ثانياً: غرق فتح في سلطة تحت الاحتلال:
لقد تحولت حركة فتح، من خلال سيطرتها على السلطة الفلسطينية، إلى جزء لا يتجزأ من نظام إدارة الاحتلال غير المباشر. فأجهزتها ومؤسساتها وقياداتها أصبحت مرتهنة للتفاهمات الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل، وأصبحت السلطة أداة لإدارة الشعب الفلسطيني نيابة عن الاحتلال، لا أداة لتحريره. هذا الغرق في المستنقع السلطوي جعل من المستحيل على فتح أن تستعيد دورها التحرري، لأن مصالحها البيروقراطية والوظيفية باتت مرتبطة باستمرار الوضع القائم، وليس بتغييره.
ثالثاً: فتح كجزء من المشكلة لا كجزء من الحل:
في قراءتنا، نرى إن حركة فتح لم تعد مجرد حركة عاجزة عن حل الأزمة الفلسطينية، بل أصبحت جزءاً من تكريسها واستدامتها. فمن خلال إدارتها للانقسام، واحتكارها للتمثيل السياسي دون مساءلة، وارتهانها للتمويل الخارجي، واستمرارها في نهج المفاوضات العقيم، تساهم فتح في إعادة إنتاج شروط الهزيمة الوطنية. وعليه، فإن أي مشروع لإعادة التأسيس لا يمكن أن ينطلق من داخلها، بل يجب أن يتجاوزها بالكامل.
رابعاً: فتح لم تعد تملك أدوات الفعل التحرري:
لقد جردت عقود من التواجد تحت الاحتلال حركة فتح من أدوات الفعل التحرري الحقيقي. فأجهزتها الأمنية تنسق مع الاحتلال، وقادتها منشغلون بإدارة شؤون البقاء اليومي (رواتب، تصاريح، تنسيق)، وبنيتها التنظيمية متصلبة وعاجزة عن التعبئة الشعبية. والحركة التي كانت يوماً ما تعرف كيف تقود انتفاضة وتنظم مقاومة، أصبحت اليوم تعرف فقط كيف تدير أزمة وتتفاوض على ترتيباتها.
– أفق إعادة التأسيس خارج فتح:
إذا كان موقفنا أن فتح تجاوزت نقطة اللاعودة، فإن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه: من أين يبدأ أفق إعادة التأسيس؟
1. البناء على الفعل المجتمعي المكثف:
تتفق مع الدكتورة ملحيس في أن الفعل المجتمعي المكثف، الذي تجلى بوضوح بعد السابع من تشرين الأول 2023، هو المصدر الحقيقي للشرعية وأساس أي مشروع تحرري جديد. غير أننا نختلف معها في أن هذا الفعل يمكن أن يُحتضن أو يُوجَّه من خلال إصلاح فتح. بل نرى أن أي حامل سياسي جديد يجب أن ينبثق من هذا الفعل نفسه، خارج الأطر التقليدية، ومن خلال صيغ تنظيمية جديدة لم تُختبر بعد.
2. صيغ تنظيمية جديدة غير حزبية:
يتطلب واقع الاحتلال والتعقيدات الفلسطينية الراهنة ابتكار صيغ تنظيمية جديدة تتجاوز النموذج الحزبي التقليدي. قد تكون هذه الصيغ أقرب إلى شبكات العمل المجتمعي، أو مجالس وطنية موقتة، أو تحالفات سياسية مرنة قائمة على برنامج وطني حد أدنى. المهم أن تكون هذه الصيغ قادرة على الجمع بين الفعل السياسي والفعل المجتمعي، وبين المقاومة وبناء المؤسسات، وبين التمثيل والمساءلة.
3. استعادة البعد القومي والعالمي للقضية الفلسطينية:
ساهمت فتح، عبر تحولها إلى سلطة محلية تحت الاحتلال، في تقليص القضية الفلسطينية من قضية قومية وعالمية إلى قضية إدارية وخدماتية. وبالتالي فان أي مشروع لإعادة التأسيس يجب أن يعيد القضية الفلسطينية إلى حجمها الطبيعي كقضية تحرر وطني ترتبط بقضايا الحرية والعدالة والأخلاق في العالم، وأن يبني تحالفات إقليمية ودولية تتجاوز الإطار الفلسطيني الضيق.
4. تجاوز الانقسام من أعلى لا من خلال أطرافه:
لا يمكن تجاوز الانقسام الفلسطيني من خلال المصالحة بين فتح وحماس، لأن كلا الطرفين جزء من إنتاج الانقسام واستدامته. بل يتطلب تجاوزه بناء إطار وطني جديد يتجاوز كليهما، ويستند إلى قوى المجتمع الحي (النقابات، اللجان الشعبية، المخيمات، الكفاءات المستقلة)، ويعيد تعريف التمثيل الوطني من جديد.
الخلاصات :
**نقدر عاليا التشخيص التحليلي لدى الدكتورة غانية ملحيس، وبمنهجيتها المبتكرة في تفكيك بنية السياسة الفلسطينية، لكننا نختلف معها جوهرياً في إمكانية إعادة إحياء حركة فتح التي تجاوزت نقطة اللاعودة.
**نؤكد أن حركة فتح، بتخلفها عن فهم تقيدات الواقع المعاصر، وغرقها في سلطة تحت الاحتلال، وتحولها إلى جزء من آلية إدارة الأزمة، أصبحت غير قابلة للإصلاح أو الإحياء، وأي محاولة في هذا الاتجاه هي إهدار للطاقة والزمن.
**إعادة التأسيس تتطلب تجاوز فتح وليس إصلاحها: أفق الخروج من الانسداد لا يمر عبر فتح، بل عبر تجاوزها بالكامل، والبناء على الفعل المجتمعي المكثف من خلال صيغ تنظيمية جديدة تستوعب دروس الماضي دون أن تكرر أخطائه.
** المطلوب اليوم ليس إصلاح حركة قديمة، بل ابتكار صيغ تنظيمية جديدة (شبكات، مجالس موقتة، تحالفات مرنة) تتجاوز النموذج الحزبي التقليدي، وتستجيب لتحديات الحاضر دون أن ترتهن لقيود سلطة مشلولة تحت الاحتلال.