قراءة في مواقف المرشح الديمقراطي بايدن من قضايا الشرق الاوسط

ملخص تنفيذي:

يشترك المرشح الرئاسي الديمقراطي جو بايدن مع الرئيس الأمريكي ومرشح الحزب الجمهوري لانتخابات ٢٠٢٠ دونالد ترامب في خاصية، اعتماد كليهما على غرائزه وميوله الخاصة في قضايا السياسة الخارجية، والاعتداد الكبير بالنفس، وعدم الايمان كثيرا بعمل المستشارين وقراءاتهم وتقديراتهم مهما بلغ شانهم الأكاديمي او خبراتهم العملية، مع فارق، ان بايدن مدع كبير بانه خبير في الشؤون الخارجية وعلى معرفة شخصية بقادة العالم، منذ ان بدا حياته في الكونغرس في العشرينات من عمره ثم نائبا للرئيس باراك أوباما. لكن القراءة الدقيقة لخطاب بايدن وبرنامجه الانتخابي ومقالاته التي تشرح توجهاته المستقبلية في حال فوزه في السباق الى البيت الأبيض، تشير الى انه سيعيد الاعتبار للسياسة التقليدية في عملية صنع القرار، وانه سيعمل على اصلاح العطب الذي اصاب السياسة الخارجية الامريكية على يد ادارة ترامب، كما وسيعيد الاعتبار والفاعلية لوزارة الخارجية وتعزيز دورها في ادارة السياسة الدولية، وانهاء الفوضى والتدخلات من مراكز وشخصيات مختلفة في إدارة الشأن الدولي. كما ان بايدن ومستشاريه في الحملة الانتخابية يتقاطعون عند قضية جوهرية، وهي انه لمواجهة الصعود الصيني والتهديدات المختلفة، فان الإدارة الجديدة ستعمل على إعادة ترميم التحالفات التقليدية مع أوروبا وكوريا الجنوبية واليابان وحلف الناتو، والعودة الى كافة الاتفاقيات والمنظمات الدولية التي همشها ترامب او انسحب منها، اتفاقيات التجارة، واتفاقية المناخ. كما انه لن يبتعد كثيرا عن المسار الذي بدأه أوباما وأكمله ترامب في الخروج من مستنقع الحروب الخارجية، وإعادة الجزء الاكبر من القوات الامريكية المنتشرة في العالم الى البلاد. في الشرق الاوسط، والصراع العربي الإسرائيلي تحديدا فانه سيكون أكثر حذرا من سابقيه وسينهج “عكس ” السياسات التي عمل بها ترامب ، وسيمارس ضغوطا على إسرائيل لوقف اية إجراءات تنهي حل الدولتين، والدفع باتجاه عودة التفاوض مع الفلسطينيين. اما بخصوص العالم العربي فان بايدن والمجموعة المحيطة به إضافة الى الديمقراطيين في الكونغرس، فهم يكنون عداء معلنا للسعودية ومصر بشكل خاص ويعتبرونها أقرب الى إدارة ترامب، مرفقا بموقف حاسم من حرب اليمن ودعوة صريحة الى وقفها وسحب الغطاء الأمريكي عن السعودية وحلفائها في تلك الحرب. وحول التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة يرى بايدن ، انه سيعمل على إبقاء قوات محدودة بهدف ومهمة واضحة وهي محاربة تنظيم داعش في سوريا والعراق، ولتامين الممرات المائية لحركة ناقلات النقط من التهديدات الإرهابية والإيرانية. إن نظرة بايدن الدولية للعالم أقرب ما تكون إلى الطابع الدولي التقليدي، الذي أعقب الحرب الباردة. فبينما كان يجادل دوماً ضد استخدام القوة أثناء إدارة أوباما (حيث عارض التدخل في ليبيا، وكان يجادل ضد أي تورط كبير في سوريا، وكان يحث على توخي الحذر بشأن الغارة التي قتلت أسامة بن لادن)، فقد يتردد كثيرًا في الانجرار إلى أي صراع عسكري، وقد يكون أكثر انفتاحًا من ترامب وسلفه أوباما في الاعتراف بالفوائد الاستراتيجية للاحتفاظ بالوجود العسكري الأمريكي المحدود في المنطقة لتأمين النفوذ.

في الملف الفلسطيني:

بعض الوقائع الضرورية لفهم التوجهات القادمة.
– بايدن مرشح تيار القيادة التقليدية للحزب الديمقراطي بالتالي هو يمثل مواقفها غالبا.
وفي الشأن الفلسطيني تحديدا ينطلق من تأييد حل الدولتين ضمن حرص مسبق على مصالح اسرائيل وبما يحول دون فرض ضغوط كبيرة عليها. وسبق ان عرف نفسه بانه صهيوني.

– تخلو حملة بايدن الى حد كبير في مواقعها العليا المسيطرة من مؤيدي التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي وأنصار المرشح السابق بيرني ساندرز بالتالي تعبر حملته عن مواقف مركز الحزب الديمقراطي وليس التيار التقدمي المؤيد للحقوق الفلسطينية في الحزب.

– اختيار بايدن من قبل مركز الحزب الديمقراطي جاء لاعتقاد مركز السياسات انه قادر على جلب اصوات البيض من كبار السن وهي اصوات تذهب غالبا للحزب الجمهوري وهذه الفئة غالبا متدينة وغير مثقفة بالسياسة الخارجية ومواقفها تقليدية تجاه تأييد اسرائيل.

– حجم الجالية الفلسطينية رغم تقدم أساليب عملها وتوفر اطرها التنسيقية، الا ان ذلك لا يؤهلها ان تكون لاعبا رئيسيا مستقلا، بل لدورها الفاعل في إطار المؤسسات الاسلامية والعربية وداخل أطر اليسار الاميركي والتيار التقدمي في الحزب الديمقراطي. وهي مجموعات تلتقي على فكرة واحدة او مجموعة أفكار ولا رابط تنظيمي بينها ولها اجندات واهتمامات مختلفة وأحيانا متعارضة، في المسائل الداخلية والخارجية.

جديد بايدن:

ردد المرشح الرئاسي الديمقراطي في اكثر من مناسبة واخرها يوم الاثنين ٢٠ يوليو، في لقاء مع الجالية المسلمة انه سيعمل على إقامة دولة فلسطينية باعتبار هذا الحل يظل حاسما وضروريا لبقاء دولة إسرائيل، دون توضيحات حول جغرافيا وحدود هذه الدولة ولا ذكر للقدس او اللاجئين او مستقبل المستوطنات. كما أن الوثيقة الانتخابية للمرشح الرئاسي الديمقراطي تخلو من تعريف الأراضي الفلسطينية بانها محتلة. وقد كرر توني بلينكن كبير مستشاري بايدن والمرشح الابرز ليكون وزيرا للخارجية في الثاني من يوليو بحضور ممثلين عن الجالية العربية والفلسطينية، كرر الثوابت التي يتبناها الحزب والمرشح الرئاسي بايدن من القضية الفلسطينية:
– استئناف المساعدات للسلطة الفلسطينية بما يشمل التنسيق الامني ولوكالة الغوث بما لا يتعارض مع القوانين.
– اعادة فتح البعثة الفلسطينية في واشنطن والقنصلية الامريكية في القدس.
– ستعمل الادارة على حل للأوضاع الانسانية بغزة. وهذه خطوة لم تذكر في اللقاءات السابقة.
– أكد ان بايدن ضد ضم اجزاء من الضفة الغربية بما في ذلك غور الأردن والمستوطنات إذا ما انتخب رئيسا لكنه لم يصل لحد القول انه لن يعترف بالضم.
– أكد ان بايدن ضد حركة مقاطعة اسرائيل لكنه سيقف ضد محاولات تجريمها باعتبار ذلك حق كفله الدستور.. ويعتبر هذا الموقف تطور مهم لكنه يبدو محاولة لاستمالة للناشطين في الحملات المؤيدة للحقوق الفلسطينية. وأهمية هذا التصريح تنبع من أن ٣٠ ولاية أصدرت قوانين تعاقب المؤسسات التي تقاطع لإسرائيل.

– أشار الى ان نوايا إدارة الديمقراطيين القادمة، تجاه القضية الفلسطينية ستكون على ثلاث مراحل.
الاولى (ولم يحدد وقتها) عنوانها “ “ doing no harm او مرحلة منع الطرفين من تنفيذ اي خروقات للوضع القائم.
المرحلة الثانية: مرحلة بناء الثقة بين الطرفين واستعادتها
المرحلة الثالثة العودة للمفاوضات.
– رغم محاولاته التقاطع مع منافسه السابق بيرني ساندرز وتأييده للتيار اليهودي الأمريكي الليبرالي في منظمة جي ستريت الا ان بايدن لا يوفر فرصة للتأكيد انه مدافع قوي عن الدولة اليهودية، ففي لقاء له في مجلس العلاقات الخارجية في الكونغرس قال ” يجب على القادة الفلسطينيين انهاء التحريض وتمجيد العنف، وان يبداوا في إقناع شعبهم بشرعية إسرائيل كدولة يهودية في الوطن التاريخي للشعب اليهودي.

– يبدو أن صعود بايدن في استطلاعات الرأي والصعوبات السياسية التي يواجهها ترامب نتيجة لجائحة فيروس كورونا والأزمة الاقتصادية المصاحبة لها قد دفع البعض في الحكومة الإسرائيلية إلى النظر للأشهر المقبلة، خاصة قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، على أنها فرصة للعمل بسرعة للاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الضفة الغربية قبل أن تتدخل إدارة بايدن لكبح جماحهم.

الملفات العربية:

السعودية والخليج واليمن:

لقد تزايدت المواقف السلبية لبايدن والعديد من الديمقراطيين صراحةً بشأن الحرب في اليمن، والحد من مبيعات الأسلحة للمملكة العربية السعودية في ظل استمرار هذه الحرب. وقد أبلغ بايدن مجلس العلاقات الخارجية: “سوف أنهي دعم الولايات المتحدة لهذه الحرب المأساوية، التي تقودها السعودية في اليمن، وأطلب إعادة تقييم علاقتنا مع المملكة العربية السعودية”. واثناء مناظراته مع منافسيه على مرشح الرئاسة داخل الحزب الديمقراطي، أشار بايدن إلى قادة المملكة العربية السعودية على أنهم “منبوذون” وقال إن “قيمة المردود الاجتماعي في حكومة السعودية الحالية قليلةٌ جدًا”. ومع ذلك، فقد لخص لمجلس العلاقات الخارجية الحاجة إلى استمرار العلاقة مع الرياض، إذا تم تغييرها. اما بلينكن مرشح بايدن للخارجية قال ان الادارة القادمة ستعيد فتح ملفات حرب النفط وقتل خاشقجي وانتهاكات حقوق الانسان في السعودية خاصة تجاه المعتقلات.

ما تضمنته التعليقات، يشير الى اننا أمام مرشح للرئاسة يقدم اقتراحات مختلفة في السياسة الخارجية، لضمان مشاركة الجيل الشاب في الحزب الديمقراطي، الذي كان سببا في سقوط هيلاري كلينتون في الانتخابات السابقة، بعد الاستنكاف عن التصويت او التصويت العقابي لصالح ترامب، الذي كان اكثر وضوحا في نقده للمؤسسة السياسية في واشنطن.
ومع ذلك، يمكن القول ان الموقف من بعض دول الخليج، وخاصة السعودية، وبدرجة أقل الإمارات، باتت حلبة للصراع في المعركة الانتخابية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بين الأمميين، الذين يؤمنون بالدور الدولي للولايات المتحدة، وبين أنصار “أمريكا أولاً” الجمهوريين. وسوف تصبح هذه المهمة ملحةً أكثر في سياق رئاسة بايدن. لكن تهديدات الإرهاب الدولي والهيمنة الإيرانية وغيرها من المخاوف المشتركة توفر أساساً صلباً لإعادة إحياء الشراكة، إذا تم إعادة تقييم وتصويب العلاقة من جديد.

تحظى قضية الحرب في اليمن بإجماع داخل الكتلة الديمقراطية في الكونغرس، بالصراع الدائم من اجل وقف الدعم الأمريكي للسعودية في حربها، بحجة اثارها الإنسانية الجسيمة.

يقول أندرو بيتس، المتحدث باسم حملة بايدن، أن ” الرئيس المرشح يعتقد أن الوقت قد حان لإنهاء دعم الولايات المتحدة للحرب في اليمن وإلغاء الشيك الفارغ الذي منحته إدارة ترامب للمملكة السعودية لإدارة هذه الحرب”. وترد عبارة في بيان الديمقراطيين الانتخابي أن “الاولوية ستكون للضغط على جميع الاطراف لوقف الحرب وفترة مساعدات انسانية والعودة الى طاولة مفاوضات بين الأطراف المتصارعة “.
هنا تجدر الملاحظة، ان الدبلوماسية السعودية عملت باجتهاد خلال الأشهر القلية الماضية، وأحرزت تقدما ملموسا في التواصل مع قيادات الديمقراطيين في الكونغرس وطاقم المستشارين في حملة بايدن بهدف توضح المواقف السعودية، بعد التغيير الملموس في استطلاعات الراي لصالح المرشح الديمقراطي.

في الخلاصة: على الرغم من بعض مصادر التوتر المحتملة بعد المواقف السلبية والعدائية المعلنة من بايدن وطاقمه الانتخابي تجاه السعودية على وجه التحديد، لكن ذلك لا يمنع من أن تجد دول الخليج نفسها منسجمة، أو حتى أكثر انسجامًا، مع رئاسة بايدن مما ستكون عليه في ولاية ثانية لترامب، الذي بات يوصف في الدوائر الخليجية بانه قد يفاجئك بانقلاب مواقفه في أية لحظة.

مصر:

تميزت مواقف بايدن اثناء خدمته في ظل أوباما كنائب للرئيس بعلاقاته الوطيدة مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وقال عقب اجباره على التنحي ” إن الولايات المتحدة خسرت صديقا وحليفا مخلصا ” وهو من المشاركين في الرؤية للامن القومي الأمريكي التي شارك في المصادقة عليها، والتي ميزت بين الإسلام الراديكالي والأخر “المدني” الإخواني . ولهذا لم يكن غريبا ان يكون في طاقم حملته الانتخابية قيادات وازنة من الجمعيات الإسلامية القريبة من الاخوان المسلمين. كما ان الديمقراطيين يحسبون مصر انها أحد ثغرات سياسة إدارة ترامب الخارجية. في هذا السياق يمكن فهم المواقف المتشنجة للديمقراطيين من النظام المصري. في لقائه مع الجالية العربية والمسلمة مطلع يوليو، أكد توني بلينكن، انه سيعاد تعريف العلاقة مع نظام السيسي على اساس احترامه لحقوق الانسان وانه لن يكون نظاما مفضلا، مشيرا لوصف ترامب للسيسي باعتباره “دكتاتوري المفضل “وقال انه لن يكون مفضلا عند بايدن. كما وجه بايدن تحذيرًا واضحا للرئيس المصري، بالقول لن يكون هناك “شيكات فارغة أخرى لـ “ديكتاتور ترامب المفضل “.
لكن حسابات الرئاسة ومسؤولياتها تختلف عن شعارات الحملة الانتخابية، فالسياسة الأمريكية تجاه مصر تحكمها اعتبارات عملية جيواستراتيجية، فهي من أكبر أربع دول افريقية بعدد السكان، واستقرارها مصلحة إقليمية ودولية وله تداعيات خطرة ليس اقلها اعتبارات الامن الإسرائيلي، حيث تحافظ القاهرة على سلام بارد وايجابي مع تل ابيب، ولهذا من غير المرجح ان يذهب أي ساكن للبيت الأبيض مذهب الاخلال بتوازن العلاقات الامريكية المصرية.

سوريا:

ليس مبالغة القول إن مستقبل بشار الأسد كرئيس، يعتمد على نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة. إذا فاز ترامب بولاية ثانية، فمن المرجح أن تستمر إدارة ترامب في حملتها القصوى للضغط على طهران، مع الحفاظ على عقوبات صارمة على البلاد وإجبارها على تركيز مواردها على اقتصادها المتدهور ووقف ضخ الاموال لحليفها في دمشق. أما إذا فاز جو بايدن، فمن المحتمل أن تعود الولايات المتحدة بدورها نحو الدبلوماسية، والأهم من ذلك، الدخول معها في صفقة جديدة. كجزء من هذه العملية، يفترض أن ترفع إدارة بايدن بعض العقوبات الاقتصادية على إيران، مما يسمح لها مرة أخرى بتوزيع مواردها في الخارج. ما يعني أن نظام الأسد سيتعزز، وسيتقوض نظام العقوبات الأمريكية المفروض على سوريا وبالتالي إعادة الاقتصاد السوري إلى مسار الاستقرار بدعم إيراني، وإعادة امساك الأسد بزمام السلطة إلى أجل غير مسمى.

تجدر الإشارة ان الفقرات المتعلقة بسوريا في البيان الانتخابي وكذلك في اللقاءات مع الجاليات العربية والمسلمة في أمريكا، لا تتحدث عن اسقاط نظام بشار بل “منعه من تنفيذ اي مجازر جديدة”. ولم يتحدث جو بايدن قط عن انسحاب امريكي من سوريا بل تحدث عن استمرار المشاركة او الارتباط (Engagement ) في سوريا لمنع عودة داعش ، و” ان سياسة ترامب تحد من قدرتنا على نزع فتيل الحرب وإيجاد تسوية سياسية دائمة هناك “.

في الخلاصة: ان ما يحكم رؤية الحزب الديموقراطي ومرشحه الرئاسي، هو الموقف من ايران والنفوذ الروسي ، مع الاخذ بالاعتبار العلاقة المميزة لتيار قوي في الحزب يمثله طوني بلنيكن الذي شغل منصب نائب وزير الخارجية في عهد اوباما مع الحركة الكردية حيث وصفهم ب “حلفاء امريكا الذين قاتلوا داعش ونفذوا مهمة عظيمة بأقل خسارة أمريكية.

العراق:

تَعرض بايدن لانتقادات متكررة للافتراض بأنه صاحب اقتراح تقسيم العراق إلى دول شيعية وسُنية وكردية، ولكن أنصاره يعدون ذلك مبالغة، وتشويه لما دعا إليه بالفعل، وفي مقالة راي له نشرتها صحيفة الواشنطن البوست عام ٢٠٠٧، كان قد اشترك في تأليفها مع الصحفي والمعلق ليزلي إتش جيلب (Leslie H. Gelb)، أوصى بايدن بـ “التقسيم الليّن” للعراق، على غرار عملية التقسيم في البوسنة، بحيث ترتبط هذه الكيانات بحكومة مركزية ضعيفة في بغداد. رغم الضجة والاستهزاء التي قوبلت به الفكرة في حينه، إلا أن المفهوم الأساسي قد وجد لاحقاً أنصاراً له في العراق والمنطقة. ويمكن القول إن التوجه الفيدرالي، كان حقيقة واقعية، وبالأخص في المناطق الكردية والشيعية، التي تتمتع عملياً بالحكم الذاتي او اللامركزية الإدارية، في حين أنها اسمياً جزء من دولة عراقية موحدة.
أما السؤال الأكبر الذي ستتم مناقشته خلال هذه الحملة، وتحدده الإدارة المقبلة، فسيكون موضوع استمرار تواجد الجيش الأمريكي في العراق. لا شكَّ أن كلاً من بايدن وترامب يتفقان على إنهاء ما بات يعرف ب ” الحروب المستمرة بلا نهاية ” وقد يحاول كل منهما التنصل من دعمهما الموثق رسمياً للغزو الأمريكي للعراق في عام ٢٠٠٣. لكن وعلى الرغم من أن ترامب قد دعا مرارًا وتكرارًا إلى انسحاب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، إلا أنه لم يسعَ إلى تنفيذ هذه السياسة. وفي المقابل، قال بايدن إنه لا يؤيد الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من الشرق الأوسط، ويفترض أنه لن يميل إلى خفض الوجود العسكري الأمريكي في العراق إلى الصفر.

إيران، الحصار والملف النووي:

حظي الموضع الايراني بالتركيز الشديد في الحملات الدعائية لكلا المرشحين بايدن وترامب، أكثر من كل الملفات الأخرى المتعلقة بالشرق الاوسط. لخص بايدن امام مجلس العلاقات الخارجية في الكونغرس خطته القادمة تجاه ايران بالقول ” ان ترامب تخلى عن خطة العمل المشتركة الشاملة مع ايران، وهي صفقة اعاقت مسارات طهران لامتلاك الاسلحة النووية، لكنه لم يضع خطة قابلة للتحقيق ” وأوضح انه يريد صفقة اكثر قوة تكون نقطة انطلاق وسيعمل على توسيع قيودها النووية، واذا امتثلت طهران لالتزاماتها النووية فسيعمل على إعادة الخطة الشاملة جنبا الى جنب مع الحلفاء الاوروبيين وقوى عالمية أخرى لتوسيع القيود النووية للصفقة “.

في هذا الإطار، يبدو أن جيك سوليفان (Jake Sullivan) أحد كبار مستشاري بايدن للسياسة الخارجية، والذي كان أيضًا أحد مهندسي الاتفاق النووي الرئيسيين، كان أكثر وضوحا، إذ تحدث عن الحاجة إلى نهج يتجاوز الضغوط القصوى على إيران، وأنه لا يعتقد بأن العقوبات ستكون مجدية من دون إجماع وتعاون دولي، إلا أنه يقر بأن حملة “الضغوط القصوى” لترامب كان لها أثرٌ كبير: “لقد كانت العقوبات مجديةً للغاية بالمعنى الضيق، في خلق مصاعب اقتصادية لإيران”. ويلاحظ، في الوقت ذاته، أن هذه العقوبات الفعالة لم تكن “عصًا سحرية” ولم تجد حلولاً لخلافات الولايات المتحدة الجوهرية مع إيران.

يُعد هذا الطرح مؤشراً قويًا على أن معسكر بايدن يذهب إلى ما هو أبعد من خطاب حملة “العودة لإحياء ” خطة العمل الشاملة المشتركة”، ويعمل على تقييم الوضع الراهن ، بما يشمل تحليل الاثار الحقيقية الذي تركته العقوبات ، ويرى انها ربما افتقرت إلى المكونات الدبلوماسية والسياسية اللازمة لترجمة مثل هذا النفوذ المتحقق إلى مكاسب استراتيجية. يقول سوليفان إن الخطوة التالية ستكون “تأسيس شيء على غرار “خطة العمل الشاملة المشتركة”، ولكن البدء فوراً بعملية التفاوض على اتفاق لاحق”. وبعبارة أخرى، فإن سياسة بايدن ستسعى إلى إعادة الارتباط بالاتفاق النووي، وتتطلع أساساً إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى اتفاق اقوى بجداول زمنية مطولة.

من جهة أخرى، لا يوجد حتى الآن مؤشر على الكيفية التي سوف تسعى بها إدارة بايدن لمواجهة تصرفات إيران التوسعية في المنطقة، ولا سيما دعمها للميليشيات الطائفية المسلحة في الدول المجاورة مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن، على الرغم من أن هذه القضية أصبحت أكثر إلحاحًا ودمويةً منذ الانتخابات الأخيرة.

في الخلاصة، لم تكن دول الخليج سعيدة بنتائج حملة ” الضغوط القصوى ” الامريكية على إيران في عهد ترامب ولا بخطة العمل الشاملة المشتركة في عهد أوباما، لأن هذه السياسات لم تسفر عن تخفيف التوترات في المنطقة ولم تؤدي الى تحسنٍ في السلوك الإيراني. ويتملك دول الخليج شعور بخيبة الأمل من الولايات المتحدة طيلة سنوات الازمة، وقد تعزز هذا الشعور مع عدم القدرة على التنبؤ بسياسات الإدارة في واشنطن. في حين يدعو بعض الديمقراطيين إلى المضي قدما في فك الارتباط الأمريكي بمشاكل المنطقة، إلا أن هنالك إشارات من بايدن ومستشاريه على أن إدارته ستعامل الشرق الأوسط كمنطقة ذات أهمية مستمرة للولايات المتحدة، وقد تسعى إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية قاسية على ايران للتخفيف من التوترات وتعزيز الاستقرار.
للمزيد من المصادر ذات الصلة:

-https://s3.amazonaws.com/media.hudson.org/Transcript_Discussing%20the%20Future%20with%20Jake%20Sullivan.pdf
-https://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2007/10/02/AR2007100201824.html

– https://www.thenational.ae/opinion/comment/how-will-president-joe-biden-deal-with-the-middle-east-1.995637

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.