قراءة في رد حماس على ورقة باريس:

ثوابت مبدئية ومرونة تكتيكية

نهاد ابو غوش- مركز تقدم للسياسات

تقديم:

يمثل الرد الذي قدمته حركة المقاومة الاسلامية (حماس) ومعها كل فصائل المقاومة في قطاع غزة نموذجا للجمع بين المرونة التكتيكية التي تستجيب لمطالب الوسطاء وتدخلاتهم وتتأثر بالحاجات اليومية الماسة لأكثر من مليوني إنسان يعيشون أوضاعا كارثية على المستوى الإنساني، وبين الحفاظ على الثوابت الاستراتيجية التي تضع الرد في سياق معركة وطنية كبرى، أرادها الاحتلال مقتلة على طريق تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتنفيذ مخططات الإبادة والتدمير والتهجير. أرادتها المقاومة مدخلا لفرض الحضور الفلسطيني القوي في معادلة الصراع، والتمسك بالأهداف الوطنية في وقف العدوان والانسحاب الشامل من قطاع غزة، ورفع الحصار، والإفراج عن العدد الأكبر الممكن من الأسرى الفلسطينيين، ثم في ربط القضايا الملحة للكل الفلسطيني (القدس والأقصى والأسرى) مع القضايا الملحة في غزة لتقدم بمجموعها، في الشكل والمضمون، ردا وطنيا فلسطينيا اكثر من كونه ردا غزيا أو حمساويا.
التحليل:
عمد بنيامين نتنياهو إلى إظهار التشدد لدفع حماس إما إلى تليين موقفها بشكل جوهري، أو رفض الصيغة المقترحة في اتفاق باريس، فكرر أهداف الحرب كما يرسمها هو : القضاء على حماس، وعلى التهديد الذي تشكله غزة، واستعادة الأسرى والرهائن، وشدد على مواصلة الحرب ورفض الانسحاب، ومواصلة العمليات البرية في خانيونس وتوسيعها إلى رفح، ثم شككت إسرائيل في قدرة حماس على اتخاذ موقف موحد وادعت وجود خلافات بين الداخل والخارج، فجاء رد حماس، لا ليدحض هذه المزاعم فقط بل ليقدم ردا وطنيا شاملا يحظى بإجماع فصائل المقاومة، ويخاطب القضايا الأكثر أهمية لدى كل فئات الشعب الفلسطيني.
تطلّب الوصول إلى هذا الموقف إبداء قدر من المرونة التي تجلت في قضيتين اساسيتين، فقبل الحرب كانت حماس تطرح شعار “لا مفاوضات تحت النار” وتشترط وقفا كاملا لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط 6 أوكتوبر، فاعادت الحركة صياغة المطلبين كهدفين يتم الوصول لهما بعد نهاية المراحل الثلاث للهدن وليس شرطا مسبقا لأي اتفاق. القضية الثانية التي قُدّم فيها تنازل محسوب هي عدد الأسرى، فلم تشترط الحركة تبييض السجون وفق قاعدة “الكل مقابل الكل” المقبولة لدى قطاع واسع من الإسرائيليين، بل باتت تتحدث عن الإفراج عن جميع الأسرى من النساء والأطفال والمرضى وكبار السن (فوق 50 عاما) ثم تسمية 1500 أسير من بينهم 500 تسميهم حماس من ذوي الأحكام العالية. وثمة بون شاسع بين هذه الصيغة وبين ما تطلبه إسرائيل التي تريد تكرار صيغة المفتاح الذي طبق في الهدن المؤقتة (3 اسرى فلسطينيين مقابل كل أسير إسرائيلي مدني) لكي يسري المعيار عينه على الأسرى الجنود. واشترطت حماس اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لضمان عدم إعادة اعتقال الأسرى المفرج عنهم وفق هذه الصفقة على نفس التهمة التي اعتُقلوا عليها، لتجنب انقلاب إسرائيل على الصفقة كما جرى عند صفقة شاليط.
من المنطقي الافتراض أن هذين التنازلين قدمتهما حماس بتاثير، وربما بضغط من الوسطاء، أملا في حصول اتفاق حيث أن إسرائيل هي الأخرى تتعرض لضغط وإغراءات من الجانب الأميركي، ولعل العامل الأكبر الذي دفع حماس إلى إبداء هذه المرونة هو الواقع الكارثي الذي يعيشيه أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع، المحرومين من كل مقومات الحياة الإنسانية، والذين يعانون من كل صنوف العذاب من تشريد وجوع وعطش وامراض وقتل وترويع.
شملت الورقة المقدمة من حماس وبموافقة كل فصائل المقاومة تفاصيل الاحتياجات الإنسانية الملحة وأبرزها إعادة إعمار وتشغيل المستشفيات والمخابز (إسرائيل أخرجت 29 مستشفى عن الخدمة من أصل 31 مستشفى عاما) ومواد الإغاثة والدواء والبيوت المؤقتة (60 ألف كارافان و200 ألف خيمة) وهي بمقدار ما تلامس المتطلبات الأكثر إلحاحا لأكثر من مليوني فلسطيني في غزة، بمقدار ما تذكر بفظاعة جرائم الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل فحرمت كل هذه العدد من الناس من سقف يأويها بعد ان دمرت بشكل كلي أو جزئي نحو 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، إلى عودة النازحين إلى أماكن سكناهم الرئيسية تكريسا، إلى رفع القيود الإسرائيلية عن حركة المسافرين عبر معبر رفح الذي هو معبر فلسطيني مصري، والنص على مسؤولية منظمات الأمم المتحدة وبخاصة الأونروا عن مهمات إعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية.
أبرزت ورقة حماس مطلب وقف الاعتداءات والاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، وهذا المطلب هو مطلب للشعب الفلسطيني كله وليس لذلك الجزء المحاصر والمستهدف بالحرب في قطاع غزة، علما أن الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة وخاصة في القدس والمسجد القصى كانت من أهم اسباب عملية طوفان الأقصى كما قالت الحركة في بياناتها وإعلانات قادتها، هذا البند والتفاصيل التي وردت بشأن الأسرى تؤكد وحدة الشعب الفلسطيني ومقاومته لسياسات وإجراءات الاحتلال، بما في ذلك محاولات تجزئة الساحات والتعامل مع كل تجمع فلسطيني وفق شؤونه الحياتية وقضاياه المحلية بمعزل عن القضايا والمهمات الوطنية الجامعة.
اختتمت ورقة المقاومة في الاستجابة لاتفاق باريس الإطاري بالدعوة لمشاركة قوى دولية في ضمان الاتفاق وهي مصر وقطر الموجودتين فعلا، بالإضافة إلى روسيا وتركيا والأمم المتحدة وهو أمر من المستبعد موافقة الأميركيين والإسرائيليين عليه، في ظل الحرب الأميركية الأطلسية على روسيا واستعداء اسرائيل للأمم المتحدة ومنظماتها كافة، ولكنها تبقى إشارة مهمة إلى أهمية الأدوار الإقليمية والدولية لهذه الأطراف.
خلاصة
• من المتوقع أن يتعرض الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي لمزيد من الضغوط الخشنة والناعمة (كالضغط الأميركي على إسرائيل المقرون بالإغراءات والوعود)، وسوف تزداد هذه الضغوط أكثر مع امتداد تاثيرات هذه الحرب وتداعياتها على العالم بأسره، كما في تاثيرها على طرق الملاحة الدولية، وعلى الانتخابات الأميركية، وعلى التجاذبات السياسية الداخلية في بريطانيا، إلى جانب تعاظم الخشية لدى أوساط سياسية وامنية واكاديمية من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى إطلاق موجات جديدة وشديدة من التطرف في ظل صمت العالم عما يحصل في غزة، وعجز النظام الدولي عن إنقاذ الضحايا في فلسطين.
• إزاء ذلك وعلى أهمية الحنكة السياسية والقدرة على صياغة الخيارات والتكتيكات، يبقى القول الفصل للميدان وموازين القوى الموضوعية، وهي في الجانب الفلسطيني تتمثل في قدرة المقاومة على الصمود وإفشال كثير من مخططات الحرب الإسرائيلية، واحتفاظها بأهم أوراق المعركة وهم الأسرى وخاصة العسكريين منهم.
• كان يمكن لهذه المعركة أن تكون اقل ألما للفلسطينيين وأكثر نجاعة في تحقيق منجزات لو توحد الموقف الفلسطيني، وغادرت القيادة الرسمية عجزها وموقفها الانتظاري وتمردت قليلا على القيود التي تكبلها، ولو كان الموقف الرسمي العربي أكثر فعلا وارتباطا بمواقف الشعوب العربية ومصالحها البعيدة المدى. ولا شك أن القدرة على الصبر والاحتمال والاستخدام الأمثل للموارد المتاحة من العوامل الرئيسية للصمود ومراكمة الانجازات على طريق الانتصار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.