قراءة في التطورات الميدانية في العاصمة المالية باماكو :
تقدير موقف مستجد- وحدة الشؤون الافريقية في مركز تقدم للسياسات- لندن
في المعطيات :
– شهدت مالي، صباح اليوم السبت 25 ابريل، تصعيدا أمنيا خطيرا تمثل في هجمات مسلحة منسقة استهدفت العاصمة باماكو وعددا من المدن الأخرى، في تطور يعكس اتساع نطاق التهديدات التي تواجهها البلاد.
– أعلن الجيش المالي، في بيان رسمي، أن “جماعات إرهابية مسلحة مجهولة الهوية” شنت هجمات على مواقع وثكنات عسكرية داخل العاصمة، مؤكدا أن وحداته تخوض حاليا عمليات لملاحقة المهاجمين والقضاء عليهم، فيما لا تزال الاشتباكات متواصلة في عدة مناطق.
– أفاد شهود عيان بسماع دوي انفجارات قوية وإطلاق نار كثيف في الساعات الأولى من صباح اليوم، خاصة في محيط قاعدة كاتي العسكرية قرب باماكو، إضافة إلى مناطق قريبة من مطار موديبو كيتا الدولي، حيث شوهدت مروحيات عسكرية تحلق فوق الضواحي، بالتزامن مع انتشار أمني وإغلاق طرق رئيسية.
– أشار سكان إلى سماع أصوات أسلحة ثقيلة وبنادق آلية، ما يعزز فرضية تنفيذ هجوم واسع ومنسق استهدف مواقع استراتيجية في توقيت متزامن.
– امتداد الهجمات إلى مدن الشمال والوسط:
لم تقتصر الهجمات على العاصمة، إذ سجلت اضطرابات أمنية مماثلة:
– في مدن سيفاري وسط البلاد، وكيدال وجاو في الشمال، حيث أفاد شهود بسماع إطلاق نار وانفجارات في توقيت متقارب.
– في كيدال، أكد مصدر محلي أن مسلحين تمكنوا من دخول المدينة والسيطرة على بعض أحيائها، مما أدى إلى اندلاع مواجهات مباشرة مع الجيش، وسط مخاوف من توسع رقعة الاشتباكات.
– كما أعلن متحدث باسم “جبهة تحرير أزواد”، وهي تحالف متمرد يقوده الطوارق، سيطرة قوات الجبهة على مواقع في كيدال وجاو، وهو ما لم يتسن التحقق منه بشكل مستقل حتى الآن.
– شبهات تورط جماعات جهادية:
– رجحت مصادر أمنية مشاركة جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، المرتبطة بتنظيم القاعدة، في هجمات اليوم، دون صدور إعلان رسمي بتبني العمليات حتى الآن، كما لم يعلن تنظيم “الدولة الإسلامية في الساحل” مسؤوليته.
التحليل:
ما يحدث اليوم لا يمكن اعتباره مجرد “تصعيد عابر”، بل هو كسرٌ واضح لنمط سلوكي استقرّ لسنوات لدى الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في مالي، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. القراءة السابقة التي كانت تستبعد استهداف العاصمة باماكو كانت تستند إلى منطق عملي: هذه الجماعات تفضّل العمل في الأطراف (الشمال والوسط) حيث البيئة الحاضنة والفراغ الأمني. ما تشير إليه تطورات اليوم هو تحوّل محتمل في هذا المنطق.
أولاً: دلالات التوقيت وطبيعة الهجوم
الهجمات المتزامنة التي استهدفت العاصمة ومحيط قاعدة كاتي ومطار موديبو كيتا، بالتوازي مع عمليات في سيفاري وكيدال وغاو، تحمل بصمة عمليات مركّبة تتجاوز نمط “الضربات المحدودة”. نحن أمام محاولة لإظهار قدرة على العمل المتعدد الجبهات، وليس مجرد اختراق أمني موضعي. هذا النوع من العمليات يتطلب تخطيطاً مسبقاً، تنسيقاً عالياً، وشبكات لوجستية داخل المدن، ما يعني أن الجماعات المهاجمة باتت تمتلك بنية تحتية داخل أو بالقرب من العاصمة، وهو تطور نوعي.
ثانياً: هل غيّرت القاعدة استراتيجيتها؟
الترجيح الأقوى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تقف خلف الهجمات، حتى وإن لم تعلن ذلك بعد. هذه الجماعة كانت تعتمد استراتيجية “التطويق البطيء” للعواصم دون اقتحامها، عبر السيطرة على الطرق والأرياف. ما حدث اليوم يوحي بانتقال جزئي إلى مرحلة “الضغط المباشر على المركز”، لأهداف عدة:
– إثبات أن الدولة لم تعد قادرة على حماية عاصمتها.
– رفع كلفة الاستمرار في الحكم العسكري في مالي.
– توجيه رسالة للداخل والخارج بأن ميزان القوة يتغير.
لكن من المهم عدم المبالغة: لا يعني ذلك أن التنظيم يسعى حالياً للسيطرة على باماكو، بل لا يزال الهدف الأرجح هو “الاستنزاف الاستراتيجي” وليس “الاحتلال”.
ثالثاً: الترابط مع جبهات الشمال (كيدال وغاو)
التطور الأخطر في المعطيات ليس فقط استهداف العاصمة، بل تزامنه مع تحركات في الشمال، خصوصاً في كيدال حيث تتقاطع ثلاثة أطراف: الجيش، الحركات الطوارقية (مثل جبهة تحرير أزواد)، والجماعات الجهادية.
إذا ثبتت سيطرة فصائل طوارقية على مواقع في كيدال وغاو، فنحن أمام سيناريو “تعدد الجبهات” الذي يرهق الدولة:
– الشمال: تمرد انفصالي/عرقي.
– الوسط: نشاط جهادي مكثف.
– العاصمة: اختراق أمني رمزي عالي التأثير.
هذا التزامن ليس صدفة، بل يعكس هشاشة البنية العسكرية للدولة وتشتت مواردها.
رابعاً: لماذا الآن؟
هناك عدة عوامل قد تفسر توقيت التصعيد:
– الضغط على السلطة العسكرية في باماكو التي تواجه تحديات داخلية وخارجية.
– استغلال فجوات أمنية ناتجة عن إعادة انتشار القوات.
– محاولة فرض معادلة تفاوضية جديدة: “لا استقرار دون تفاهم معنا”.
كما أن غياب إعلان رسمي سريع من التنظيمات قد يكون تكتيكاً متعمداً لزيادة الغموض ورفع منسوب القلق.
خامساً: هل نحن أمام مرحلة جديدة؟
من المبكر الجزم بحدوث تحول استراتيجي كامل، لكن المؤشرات تدل على ثلاثة تحولات مهمة:
1. توسيع نطاق العمليات: من الأطراف إلى تخوم المركز.
2. رفع الجرأة العملياتية: تنفيذ هجمات منسقة ومتزامنة.
3. تداخل المسارات: الجهادي والانفصالي باتا يتقاطعان ميدانياً، حتى دون تحالف رسمي.
الخلاصة:
**تمثل الهجمات اختباراً لقدرة الدولة المالية على الاحتفاظ بالسيطرة الرمزية على العاصمة، أكثر مما هي محاولة للسيطرة عليها. لكنها في الوقت نفسه تعكس انتقال التهديد من “حرب أطراف” إلى “تهديد وطني شامل”. وإذا تكررت هذه العمليات أو تطورت، فإن الفرضية القديمة- أن الجماعات المرتبطة بالقاعدة تتجنب استهداف باماكو- ستصبح غير صالحة، وسنكون أمام مرحلة جديدة عنوانها: الضغط على المركز لإجبار الدولة على إعادة تعريف قواعد الصراع.