قبل قمة صينية أميركية: الدعم الصيني لإيران والحوثيين
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم:
مع تحسّن دقة الضربات الإيرانية، بدأت مصادر يمنية تتحدث عن احتمال وصول إحداثيات صينية إلى الحوثيين عبر طهران، ما قد يكون مكّن الجماعة من تحقيق دقة أكبر في تدمير الأهداف داخل اليمن وفي السعودية. تضاف إلى ذلك تقارير عن اختراق أنظمة اتصالات القوات الشرعية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. بغض النظر عن صحة هذه التقارير والأغراض التي قد تكمن وراء الكشف عنها، يصبح فهم الاستراتيجية الصينية تجاه المنطقة وتجاه واشنطن ذا أهمية قصوى قبل القمة الصينية الأميركية المقررة في واشنطن في 24 سبتمبر 2026.
أولا المعطيات:
• في 16 سبتمبر 2026، أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال محادثاته مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين استعداد الصين لتعزيز الحوار مع إيران وحماية حقوقها المشروعة. حثّ الوزير الصيني واشنطن وطهران على الالتزام بالعقلانية وضبط النفس والعودة السريعة إلى مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد وإعادة بناء آلية التفاوض.
• في 16 سبتمبر 2026 ذاته، أكدت بكين عبر بياناتها الرسمية أن الصراع الأميركي-الإيراني المطول لا يخدم مصالح الأطراف المعنية ولا المجتمع الدولي. ربطت الصين استقرار الملاحة في مضيق هرمز بضرورة منع اتساع المواجهة نحو باب المندب.
• في 14 سبتمبر 2026، أعرب المتحدث باسم الخارجية الصينية قوه جياكون عن قلق عميق إزاء إصابات المدنيين والأضرار التي تلحق بمنشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية نتيجة التصعيد في اليمن والبحر الأحمر.
• في 14 سبتمبر 2026، وصف المتحدث الصيني الهجمات على المنشآت المرتبطة بالمدنيين في السعودية بأنها غير مقبولة، ودعا إلى ضبط النفس واحترام سيادة الدول وحل الخلافات بالوسائل السياسية.
• في 14 سبتمبر 2026 ذاته، أيد المندوب الصيني في مجلس الأمن سيادة اليمن والسعودية ورفض استهداف المنشآت المدنية.
• في 14 سبتمبر 2026، نفت الخارجية الصينية تقريراً تناول تقديم كيانات صينية صوراً فضائية لإيران قبل هجوم صاروخي على قاعدة أميركية في الأردن. وصفت الصين الاتهامات بأنها واهية وتفتقر إلى أدلة ملموسة.
• في 12 سبتمبر 2026، نقلت تقارير أميركية أن إيران حصلت على صور أقمار اصطناعية عالية الدقة من مصادر صينية قبل هجوم 17 يوليو 2026 على قاعدة الموفق السلطي في الأردن، الذي أسفر عن مقتل 3 جنود أميركيين.
• اعتبر مسؤولون أميركيون أن هذا التقرير يمثل أوضح دليل حتى تلك اللحظة على أن الدعم الصيني قد يترتب عليه تبعات قاتلة على القوات الأميركية.
• فرضت الإدارة الأميركية سابقاً عقوبات على شركات صينية بتهمة تزويد إيران والحوثيين بصور استخباراتية.
• في 11 سبتمبر 2026، دعا المندوب الصيني سون لي أمام مجلس الأمن إلى تسوية سياسية للملف النووي الإيراني عبر الدبلوماسية. طالب الأطراف بالتخلي عن استخدام القوة، وأكد حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية بصفتها دولة غير نووية وفقاً لمعاهدة منع الانتشار النووي.
• في 1 سبتمبر 2026، عقدت لجنة فرعية في مجلس النواب الأميركي جلسة استماع حول تنامي الروابط بين روسيا والصين والحوثيين.
• أشارت الشهادات في الجلسة إلى أن شركة أقمار اصطناعية مرتبطة بالجيش الصيني قدمت صوراً ساعدت الحوثيين في استهداف السفن الأميركية والتجارية.
ثانيا التحليل:
يرى خبراء الشؤون الصينية أن بكين تتبع مقاربة استراتيجية مزدوجة تجاه منطقة الخليج. حافظت الصين على علاقاتها الاقتصادية القوية مع السعودية، أكبر موردي النفط للصين، وأدانت علناً الهجمات على المنشآت المدنية والطاقة السعودية. في الوقت ذاته، أبقت على شراكة عميقة مع إيران عبر قنوات متعددة تشمل شراء النفط والمقايضة التجارية وتبادل التكنولوجيا المزدوجة الاستخدام.
يفسر المحللون تحسّن دقة الضربات الإيرانية والحوثية جزئياً بالدعم الاستخباراتي الفضائي الصيني وأنظمة الملاحة الصينية “بيدو”. يضع هذا الدعم بكين أمام معادلة حرجة مع الرياض: الحفاظ على الشراكة الاقتصادية مع السعودية بينما تدعم بشكل غير مباشر الأطراف الذين يستهدفون أمنها.
وفقاً لمراقبين متخصصين، تقوم أجندة الصين على إبقاء إيران قادرة على الصمود دون أن تتورط بكين في صراع عسكري مباشر قد يهدد إمدادات النفط الصينية أو يعرقل القمة المقررة مع الولايات المتحدة.
تجمع الاستراتيجية الصينية بين عنصرين متناقضين بالظاهر: أولاً، خطاب وساطة وسلام ودعوات لوقف النار. ثانياً، دعم غير مباشر عبر قنوات تشمل شراء النفط الإيراني وتوفير المكونات المزدوجة الاستخدام وتبادل الصور الفضائية. يسهم هذا الدعم غير المباشر في إرباك القوات الأميركية في المنطقة ويوفر لبكين بيانات عملياتية قيمة بشأن التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة، وهو ما قد يكون مفيداً في أي مواجهة محتملة حول تايوان.
تشير مصادر دبلوماسية إلى أن الصين تتجنب بشكل متعمد إرسال إمدادات أسلحة ثقيلة تغيّر موازين القوى جذرياً في المنطقة. تحافظ بكين على قنوات اتصال مع دول الخليج وتسعى لمنع انهيار كامل لحرية الملاحة قد يضرب سلاسل التوريد العالمية.
غير أن التطورات الأخيرة كشفت عن حدود السيطرة الصينية على وكلاء طهران. أظهر التصعيد الأخير على الساحل الغربي واستهداف منشآت سعودية إضافية أن التوازن الدقيق الذي تسعى بكين للحفاظ عليه قد يكون أقل استقراراً مما تخطط الصين.
نجحت المقاربة الصينية حتى الآن في تحقيق أهدافها الأساسية: منع واشنطن من تحقيق نصر عسكري سريع على إيران، وإبقاء الحوثيين قادرين على تعطيل حرية الملاحة في باب المندب والضغط على السعودية. ومنعت هذه الاستراتيجية انقلاباً كاملاً في موازين القوى لصالح الحكومة الشرعية في اليمن.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا التوازن قد بدأ ينزلق من يد السيطرة الصينية.
الخلاصة:
• تستخدم بكين خطاب الوساطة وضبط النفس قبيل القمة، مع الحفاظ على التزام معلن بحماية مصالح إيران دون الاعتراف بانخراط مباشر.
• تعكس إدانة الهجمات على المنشآت السعودية حرص الصين على عدم خسارة علاقتها النفطية والسياسية مع الرياض، وهو ما قد يتناقض مع تقارير دعم بكين لخصوم المملكة.
• إذا صحت تقارير الصور الفضائية الصينية، فإن الدعم الصيني لا يعيد رسم خريطة الحرب برمتها بإمداد أسلحة ثقيلة، بل يرفع دقة الاستهداف بموارد استخباراتية متقدمة.
• آلية المقايضة النفطية والمكونات المزدوجة الاستخدام تسمح لإيران بإعادة بناء قدرات محدودة دون أن تتحمل الصين تكلفة تحالف عسكري معلن وظاهر.
• تدل اتهامات الكونغرس للشركات الصينية على أن واشنطن ترى في بكين داعماً صناعياً واستخباراتياً للمحور الإيراني، وليست مجرد مشترٍ للنفط.
• تقوم المقاربة الصينية تجاه الخليج على الفصل بين الاقتصاد والسياسة الأمنية: شراكة اقتصادية قوية مع السعودية في الطاقة، وشراكة أمنية موازية مع إيران في الحماية والدفاع.
• تهدف الاستراتيجية الصينية إلى إطالة أمد الاستنزاف الأميركي في الشرق الأوسط وجمع بيانات عملياتية قيمة عن التحديات الأميركية، دون الانخراط المباشر.
• نجحت هذه الاستراتيجية في منع حسم أميركي سريع وإبقاء الحوثيين قادرين على تعطيل الملاحة في باب المندب، لكنها لم تمنع انفلات التصعيد نحو الأراضي السعودية، ما يكشف عن ضعف سيطرة بكين على وكلاء طهران.
• قد تتحول قمة شي-ترامب إلى مساومة على ضبط الجبهتين الإيرانية واليمنية مقابل مكاسب تجارية وتكنولوجية وتهدئة التوترات حول تايوان.