قانون القومية وبداية نهاية نظام الأبارتهايد الإسرائيلي

بقلم الدكتور رائف زريق – حيفا

مع شرعنة قانون القومية في إسرائيل، سيبدأ العدّ التنازلي لإنهاء نظام الأبارتهايد. فنظام الفصل العنصري لن يبدأ مع هذا القانون، لكنه سيتمأسس ويتأطر مع إقراره.

في اليوم الذي سيمر هذا القانون، فإن المسافة بين الواقع والوعي ستتقلص، فيقبض الوعي على الواقع، بعد أن تنهار أجهزة الدفاع النفسي، بحيث يحملق الواقع في الوعي، ويحملق الوعي في الواقع.

إن نموذج الأبارتهايد الإسرائيلي لن يكون كنظيره الجنوب أفريقي لعدة أسباب: فالفصل هنا ليس على أساس عنصري تماماً، واليهود ليسوا أقلية في فلسطين، والفصل (عندما يجري الحديث عن الفلسطينيين داخل إسرائيل) ليس كاملاً وليس صارخاً ولا واضحاً. لكن على الرغم من ذلك هناك تشابه في التوجه والمنظومة المعيارية التي تحكم هذا التوجه: فصل من ناحية، وسيطرة مطلقة مدعومة بجهاز قانوني ومنظومة أخلاقية تبرر هذه السيطرة، من جهة ثانية.

من الأفضل ألاّ يمر هذا القانون، فأنا لا أعتقد أنه كلما ازداد الوضع سوءاً، اقترب الفرج. وأنا لا أبتهل كي يعبر هذا القانون فنصبح في مواجهة مفتوحة مع الأبارتهايد. لكن، لأن من المرجح أن يمر هذا القانون، فمن الأجدى أن نقرأ الدلالات الكامنة في هذا التشريع، وأن نفهمه ضمن سيرورة طويلة المدى، وأن نقرأ ما هو الجديد في القانون من ناحية، وما هو تكرار لمقولات وتوجهات سابقة، من ناحية ثانية.

القانون المقترح هو قانون جديد وقديم في آن واحد، يؤسس للأبارتهايد ويعلن بداية نهايته. إنه قديم بمعنى أن فكرة الفصل كانت دائماً هي الفكرة الناظمة للمشروع الصهيوني منذ بداياته. فمنذ البداية أقيمت المستعمرات الزراعية المنفصلة التي التقى فيها شخص الفلاح والمستوطن والجندي معاً. ومنذ البداية سعى الاستيطان اليهودي لبنية اقتصادية منفصلة عن الانتداب البريطاني وعن المؤسسات الفلسطينية واقتصادها، وأقام الشركات والمرافق الاقتصادية التي بقيت حتى الآن تشكل عماد الاقتصاد الإسرائيلي، وسعى لنظام صحي ورعاية صحية منفصلة، ونظام تعليمي منفصل.

وما نكبة 1948 وطرد الفلسطينيين سوى انعكاس لهذه الرغبة في الفصل والإبقاء على “طهارة” الدولة اليهودية. والواقع أن رغبة بن-غوريون في الحفاظ على دولة يهودية وديمقراطية هي التي قادت إلى الطرد: لو أرادها يهودية فقط ـ بغضّ النظر عن ديمقراطيتها ـ لأبقى على الفلسطينيين وحرمهم حقوقهم السياسية (لكنها لن تكون ديمقراطية حينئذ)، ولو أرادها ديمقراطية فقط ـ بغضّ النظر عن يهوديتها ـ لأبقى على الفلسطينيين ومنحهم حقوقاً كاملة (لكنها لن تكون يهودية آنئذ).

والفصل هو المبدأ الناظم لمشروع الحكم العسكري الذي استمر عشرين عاماً بعد تأسيس الدولة، والذي لسبب ما يحاول كثير من المثقفين الإسرائيليين تناسيه كأنه لم يكن. والفصل هو المبدأ الناظم للمشروع الاستيطاني برمّته داخل إسرائيل وفي المناطق المحتلة أيضاً، وما النظام الداخلي للهكيرن هكييمت (الصندوق القومي اليهودي) سوى تعبير عن هذه الرغبة والسياسة القائمتين على الفصل.

هذا كله كان هنا منذ البداية. الفصل كان سيد الموقف والبوصلة الموجهة، لكن ليس كل فصل هو عبارة عن نظام أبارتهايد. وسياسة الفصل التي انتهجها الاستيطان اليهودي في ظل الانتداب يمكن فهمها بشكل يختلف عن سياسة الفصل داخل إسرائيل بعد قيامها.

إن الفصل الذي تمارسه الأقلية (واليهود في الانتداب كانوا أقلية) تجاه نفسها في ظل سيادة دولة أُخرى، يختلف عن الفصل الذي تمارسه أغلبية ضد مجموعة أُخرى داخل دولة تسيطر عليها وتملك فيها السيادة. والفصل في المناطق المحتلة بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين الأصليين، يختلف في حال فهمنا الحالة على أنها حالة استيطان عسكري موقت، في مقابل حالة مدنية دائمة وأبدية. ليس كل فصل أبارتهايد، ومن الضروري أن تتوافر عوامل أُخرى كي يجوز الحديث عن الأبارتهايد.

هل هذا يعني أنه لا جديد في القانون المقترح؟ طبعاً لا، هناك جديد في القانون المقترح، وأهم شيء جديد فيه هو مجرد تشريعه. إن مجرد تمرير مشروع قانون أساس ـ له مكانة دستورية ـ يشرعن الفصل هو بحد ذاته حدث مهم. وهو حدث ليس لأنه منذ اليوم ستبدأ سياسات الفصل، فسياسات الفصل قائمة كما أسلفت، لكن لأن تشريع قانون أساس معناه أن الأدوات القديمة والممارسات السابقة للفصل لم تعد كافية مادياً ومعنوياً، بحيث صار من الضروري تجنيد القانون الدستوري لتثبيت مبدأ الفصل. ويبدو أنه بعد خمسين عاماً من الاحتلال، وسبعين عاماً على إقامة الدولة، هناك مَن يشعر بالحاجة إلى مأسسة الفصل داخل النظام الدستوري نفسه كمبدأ عام وناظم.

إن الحاجة إلى مأسسة هذا الفصل سببها وجود مجموعتين كبيرتين داخل المجتمع الإسرائيلي (أين هي حدود إسرائيل؟) لم يعد من الممكن التغاضي عن وجودهما وحضورهما، وهناك حاجة إلى التعامل مع هذا الحضور. المجموعة الأولى هي الفلسطينيون مواطنو إسرائيل، والمجموعة الثانية هي المستوطنون اليهود.

على مدى عقود طويلة عاش الفلسطينيون مواطنو إسرائيل على هامش الدولة الإسرائيلية. في البداية كان ذلك من خلال الحكم العسكري الذي جعلهم داخل الدولة وخارجها في آن واحد، وعلى مدى عقود تلت بقي الفلسطينيون على هامش الدولة، لكنهم مع الوقت بدأوا يأخذون مواقعهم في السياسة والاقتصاد والقانون، وأصبح حضورهم أكثر بروزاً. ولم يكن سبب هذا الحضور ناجماً عن ازدياد قوة الفلسطينيين ووزنهم في إسرائيل فقط، بحيث إنهم وصلوا إلى داخل الدولة، بل لأن الدولة وصلت إليهم أيضاً، أي أن التغييرات حدثت في جهاز الدولة عبر مأسسة نفسها وازدياد بيروقراطيتها ونظامها الصحي والقانوني والاقتصادي ليشمل الفلسطينيين في الداخل وليدمجهم في البنية الإسرائيلية. إن النتيجة المتأتية عن ذلك كانت ازدياد هذا الحضور، وتعاظم خطاب الحقوق القائمة على المواطنة.

على الرغم من محدودية نجاحات توظيف خطاب المواطنة، فإنه كان كافياً لإيقاظ القوى التي خافت على يهودية الدولة من التراجع. الدولة الإسرائيلية كانت منذ البداية دولة يهودية من دون شك، لكن يهوديتها كانت موضوعاً مفروغاً منه باعتباره حقيقة طبيعية لا تحتاج إلى توثيق أو تقنين خاص، ولأنها القانون السحري الطبيعي السرمدي الذي يحكم منطق الأشياء ولا حاجة إلى الجهر به. إن إدخال موضوعة الدولة اليهودية إلى القانون الإسرائيلي لم يبرز إلاّ في أواخر ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته. وكان ذلك في قانون أساس جاء ليمنع القوائم التي لا تعترف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية من خوض الانتخابات للكنيست. غير أن بين الدوافع المباشرة لذلك التشريع هو منع الحاخام مئير كهانا العنصري من خوض الانتخابات للكنيست، ومن هنا جاءت ضرورة سنّ تشريع يحظر قوائم غير ديمقراطية من خوض الانتخابات؛ أمّا الجانب اليهودي في المعادلة فتمت إضافته لتحقيق التوازن بين الجانب الديمقراطي والجانب اليهودي. وفعلاً، مُنع الحاخام كهانا من خوض الانتخابات، لكن لم تُمنع قوائم عربية من خوض الانتخابات، بما فيها التجمع الوطني الديمقراطي.

إلاّ إن عودة مقولة الدولة اليهودية في الأعوام العشرين الأخيرة هي عودة من أجل مواجهة الدولة الديمقراطية (أو ما تبقّى منها)، وللدفاع عن الدولة اليهودية في مواجهة الحضور الفلسطيني الآخذ في الازدياد جغرافياً وسياسياً. في البداية قامت إسرائيل بمحاولة القضاء على الشعب الفلسطيني في سنة 1948، ثم حاولت أن تُبقي الجزء المتبقي منه على هامش الدولة من خلال الحكم العسكري، ولاحقاً حاولت أن تهضم ما جرّبت أن تقضي عليه سابقاً، وهي الآن في مرحلة تحاول فيها أن توقف عملية الهضم هذه وأن تضع لها ضوابط جديدة. والقانون الجديد هو التعبير الأمثل عن ذلك. ويتضح الأمر من خلال البند الجديد في القانون، والذي يتيح بناء بلدات يهودية محضة من دون العرب. ولا يمكن فهم هذا البند إلاّ باعتباره التفافاً على قرار المحكمة العليا الذي يمنع هذه السياسة.

أمّا المجموعة الثانية التي أصبح حضورها واضحاً ولا يمكن غضّ النظر عنه، فهي المستوطنون في الضفة الغربية، الذين لم يعد وجودهم مجرد استمرار لمشروع أو تبرير أمني، ولم يعد موقتاً ولا أيديولوجياً. من الواضح أنه حتى الآن هناك فصل تام بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين الأصليين في جميع مرافق الحياة، لكن كان من الممكن حتى الآن التعامل مع هذا الفصل باعتبار أن المستوطنين مجموعة موقتة أو صغيرة، أو أنها تنتمي إلى بنية سياسية، أو نظام سياسي آخر. إلاّ إن الضفة الغربية أصبحت وتصبح أكثر فأكثر ـ من ناحية الأرض ـ جزءاً من إسرائيل (ما هي حدودها أصلاً؟).

إن هذه الوضعية الجديدة ألزمت وتلزم إيجاد منظومة نظرية ومفهومية تتعامل مع ازدياد حضور المستوطنين باعتبارهم جغرافياً جزءاً من الضفة، وسياسياً أكثر فأكثر جزءاً من مبنى الدولة السياسي والقضائي، إذ إن كثيرين منهم وزراء في الحكومة، وهناك قضاة في المحكمة العليا من المستوطنين أيضاً. لقد ذهب المستوطنون إلى الضفة، لكنهم أحضروا الضفة الغربية معهم إلى إسرائيل في الوقت نفسه.

إن مشروع القانون الجديد، ولأول مرة، يربط بين حاجتين إلى الفصل: فصل الفلسطينيين في الداخل، وفصل الفلسطينيين في الضفة. طبعاً هذا لا يعني أن طرق الفصل واحدة، ولا يعني أن وضع الداخل ووضع الضفة واحد. إن أي ادعاء من هذا النوع يخطىء الحقيقة. صحيح أنه في كلتا الحالتين ثمة رغبة في الفصل، لكن هذه الرغبة تجد تعبيرات متنوعة عنها، فإذا كانت إسرائيل قادرة نسبياً على هضم الوجود الديموغرافي الفلسطيني لحرب سنة 1948، إلاّ إنها غير قادرة على هضم نتائج حرب 1967.

مهما يكن من أمر، فإن الجديد في هذا القانون هو ربط سؤالين كانا حتى الآن شبه منفصلين: الأول هو عن طبيعة الحكم والنظام في دولة إسرائيل، والثاني عن حدود الدولة. أمّا الآن، فقد أصبح سؤال نظام الحكم وسؤال حدود الدولة وأرض إسرائيل الكبرى وجهين لسؤال واحد. إن إسرائيل توحّد بين مفهومَي أرض إسرائيل ودولة إسرائيل، الأمر الذي يُبرز الحاجة إلى مأسسة نظام أبارتهايد.

للمقارنة فقط نشير مثلاً إلى أن نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا جرت مأسسته في سنة 1948 فقط، علماً بأن الاستعمار الهولندي (الأفريكانار) والإنجليزي بدأ في القرن الثامن عشر. وقد احتاج هذا الاستعمار إلى مئتي عام تقريباً كي يؤسس نفسه كنظام أبارتهايد. وهذا لا يعني أن الحكم الذي سبق الأبارتهايد لم يكن قائماً على نظام التفرقة والتمييز ـ بل بالعكس، كان مبنياً على التمييز والتفرقة منذ البداية، لكن لم يكن هناك حاجة إلى مأسسة هذه التفرقة بشكل كامل. وللمفارقة التاريخية نشير إلى أن أنظمة التفرقة والفصل الأولى حدثت داخل الكنيسة الهولندية في منتصف القرن التاسع عشر. والمثير في الموضوع هو أن هذا الفصل حدث هناك لأن الكنيسة سمحت بداية بمشاركة السود في الطقوس الدينية الكنسية مع المستوطنين البيض، وذلك لأسباب عقائدية تقوم على فكرة المساواة أمام الله، وأن جميع البشر، بمَن فيهم سود البشرة، يملكون أرواحاً قابلة للخلاص كغيرهم من البشر.

وعليه، كانت الكنيسة الحيز الأول الذي جرى فيه اختلاط مكثف ومباشر على قدم موقت من المساواة، إلاّ إن المفارقة الحقيقية هي أنه هنا بالذات نشأت الحاجة إلى إحداث الفصل العرقي. لقد نشأ الفصل العرقي في الحيز الأول الذي شكل حيزاً موقتاً من الاختلاط والمساواة الشكلية، فنظام الفصل نشأ أولاً في ظل “خطر” المساواة والاختلاط، ومن أجل إعادة رسم الحدود في حيز كان قد أزالها.

وسبق مأسسة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا حدثان مهمان: الأول يعود إلى بداية القرن وهو حرب البوير بين الإنجليز والأفريكانار، والتي كانت نتيجتها الفعلية توحيد جنوب أفريقيا كوحدة جيوسياسية واحدة، ذات حدود ثابتة وواضحة، وهذه الوحدة خلقت الإطار المشترك للبيض والسود معاً، وقضت على الإمكان الفعلي لتقسيم جنوب أفريقيا؛ أمّا الحدث الثاني ، أو بالأحرى التطور الثاني، فكان الهجرة الكثيفة للقوى العاملة السوداء من الريف إلى المدينة البيضاء، والانغماس هناك، الأمر الذي زاد في حضور السود في أجواء المدينة، وأشاع مساحة من الاختلاط حتى إن كان في ظروف استغلال. أمام هذا التطور نشأت الحاجة إلى مأسسة الأبارتهايد في سنة 1948، والعوامل التي دفعت إلى مأسسته هي العوامل التي ساهمت في الإطاحة به أيضاً.

لكن يبقى السؤال: بأي معنى هناك شيء جديد في القانون؟ ألم يجرِ الحديث دائماً وأبداً في الصهيونية عن أرض إسرائيل؟

صحيح. لقد تحدثت الصهيونية عن أرض إسرائيل بصورة عامة، وهذا المصطلح شكل عاملاً ملهماً للخيال الاستيطاني الصهيوني، لكنه لم يشكل برنامجاً سياسياً واضحاً، ولم يحدد قط حدود الدولة المزمع إقامتها، الأمر الذي أعطى الحركة طابعاً براغماتياً أتاح لها هامشاً كبيراً من المناورة بحكم الظروف المحلية، وموازين القوى العالمية.

من الواضح أن هناك تدرجاً واضحاً في منسوب المطالب والبرامج، بحيث إن كل مرحلة كانت تؤسس أخلاقياً، داخل الحركة، لمرحلة لاحقة، وهذا موضوع يحتاج إلى دراسة مستفيضة بحد ذاته. بداية لم تحسم الصهيونية أمرها فيما إذا كان مشروع “الوطن القومي” هو في فلسطين أو بقعة أُخرى، وإنما جرى الحديث بشكل مجرد، لكن الخيار الأوغندي والخيار الأرجنتيني خرجا من التداول، وبقي الخيار في فلسطين. وفي داخل الخيار في فلسطين انقسم المشروع بين صهيونية روحانية بوحي آحاد هعام، في مقابل صهيونية سياسية. خرجت الصهيونية الروحانية وبقيت الصهيونية السياسية التي انقسمت إلى قسمين: قسم بوحي من الصهيونية الروحانية ـ طالب بدولة ثنائية القومية: مارتن بوبر، وقسم آخر طالب بالدولة القومية الإثنية الحصرية: بن ـ غوريون. خسر بوبر وبقي بن ـ غوريون، وأقام دولته الحصرية الإثنية على أنقاض الشعب الفلسطيني. وبعد بن ـ غوريون انقسم أنصار الدولة القومية الإثنية بين مَن يكتفون بحدود 1948، ومَن يريدونها على كامل تراب فلسطين، ليحققوا مشروع أرض إسرائيل الكبرى.

إن كل مرحلة تبدو طبيعية مقارنة بالمرحلة السابقة، لكن من الضروري الانتباه إلى أنها ليست حتمية ولا ضرورية. وبين ما هو طبيعي، وما هو ضروري، هناك مساحة للفعل السياسي، وللإرادة أن تفعل فعلها.

وعليه، فإن من الصحيح القول إن الصهيونية اشتهت أرض فلسطين برمّتها، ورغبت في أن تستأثر بها وتستوطنها، لكن التاريخ ليس مجرد رغبات، ولا يمكن الاستهانة أو الاستهتار بمفاصله ومفارقه. طبعاً هناك علاقة بين بلفور 1917 وبين قرار التقسيم، وبين التقسيم وحرب 1967، لكن يجب رؤية الجانب الجديد في كل مرحلة وخصائصها. والخاص في هذا القانون الجديد أنه يقلص المسافة بين دولة إسرائيل وأرض إسرائيل. فالقانون يُقرّ بأن دولة إسرائيل هي تعبير عن حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره في أرض إسرائيل، وأن أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي ومكان إقامة دولة إسرائيل، من دون الإشارة إلى حدود هذه الدولة. إن هذا الربط المحكم بين أرض إسرائيل ودولة إسرائيل والشعب اليهودي، لا يُبقي مكاناً لشعب آخر كي يقرر مصيره على هذه الأرض.

طبعاً، هذه رغبة دفينة في الفكر الصهيوني، لكنها لم تكن برنامجاً سياسياً إلاّ لدى تيارات محددة داخل المشروع ذاته. أمّا الآن، فإن ما كان مشروعاً لجزء من الحركة الصهيونية أصبح مشروعاً للحركة برمّتها، تتبنّاه دولة من خلال مؤسساتها، وتشرّعه بصفته دستوراً. هذا هو الجديد في الموضوع.

يأتي هذا القانون الجديد-القديم ليخلق إطاراً، وهو بهذا إنما يؤطر الوعي، ويشد أوصال فلسطين ويجعلها وحدة واحدة، وإطاراً واحداً.

مع ازدياد الوضوح في ملامح الإطار الواحد والموحد، وعلى خلفيته، يبدو بوضوح أكثر ما أُبقي خارج الإطار: الشعب الفلسطيني. حتى الآن كان من الممكن على الإسرائيلي المتوسط أن يسلّي نفسه بفكرة أن الفلسطيني في طريقه إلى بناء دولته “هناك”، في الضفة الغربية وغزة. صحيح أنه منفصل عنا، لكنه منفصل في طريقه إلى السيادة، وهو ليس جزءاً من إطار سياسي واحد يجمع الجميع. إلاّ إن انهيار حل الدولتين أصبح يفرض حاجة إلى عرض تصور طبيعة النظام. لا يستطيع اليمين أن يجاهر بفكرة الترانسفير – بسبب الغوييم غير اليهود، ولا يستطيع أن يقترح دولة واحدة متساوية الحقوق – بسبب اليهود. ماذا تبقّى إذاً؟ تبقى وحدة جيوسياسية واحدة من النهر إلى البحر، ويصبح نظام الفصل ضرورياً.

نشرت هذه المقالة في  “مجلة الدراسات الفلسطينية” (ربيع 2018)  21 آذار- مارس ، قبل اقرار قانون القومية في الكنيست الإسرائيلي، ونعيد نشرها هنا بالاتفاق مع الكاتب .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.