قاليباف يُكلَّف برعاية علاقات البلدين: هل من أزمة بين طهران وبكين؟

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات

تقديم:
عيّنت إيران رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ممثلاً خاصاً للشؤون الصينية، ليملأ المنصب الذي كان يشغله مستشار الأمن القومي الراحل علي لاريجاني الذي اغتيل في الحرب الراهنة. أثار التعيين أسئلة عدة تتعلق بتوقيته وضروراته وما قد يكشفه عن معطيات غير معلنة تخص مواقف صينية مستجدة من شأنها أن تُقلق طهران. ويأتي هذا التطور أيضاً في أعقاب زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين وما صدر عنه من تأكيدات بشأن المواقف الصينية تجاه إيران والبرنامج النووي ومضيق هرمز.

أولاً: المعطيات:
1 — التعيين وسياقه:
• في السابع عشر من أيار 2026، أعلنت وكالتا فارس وتسنيم المرتبطتان بالحرس الثوري تعيين قاليباف ممثلاً خاصاً للشؤون الصينية، باقتراح من الرئيس بزشكيان وموافقة المرشد خامنئي. وخلافاً لسابقيه – رحماني فضلي ممثلاً للرئيس، ولاريجاني ممثلاً للمرشد – جاء تفويض قاليباف بصيغة “ممثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، مستمداً سلطته من السلطتين معاً، وهو ما وصفته المصادر بأنه الأوسع صلاحيةً في تاريخ هذا المنصب.
• يكتسب التعيين دلالة إضافية من مكانة قاليباف داخل دوائر القرار الإيرانية؛ إذ تعتبره جهات بحثية أكثر نفوذاً من الرئيس بحكم الأمر الواقع، فيما يعني إسناد الملف إليه تهميشاً فعلياً لوزارة الخارجية في المستوى الاستراتيجي للعلاقة مع بكين.

2 — الضغوط والتحذيرات:
• في الأول من أيار، طالب مندوب الصين في الأمم المتحدة فو كونغ إيران صراحةً برفع القيود عن مضيق هرمز، محذراً من أن استمرار الإغلاق سيُهيمن على أجندة زيارة ترامب لبكين. وفي السادس منه، توجّه عراقجي إلى بكين فيما بدا استجابةً مباشرة، غير أن الصين أعادت التأكيد على قلقها دون أن تُبدّل موقفها
• خلال زيارة لنووي، والتعهد بعدم إرسال أسلحة إليها. وقد أثار صمت بكين عن نفي هذه التصريحات قلقاً حقيقياً في طهران.
• حذّرت وكالة فارس من مخاطر توظيف العلاقة مع الصين ورقةَ ضغط في مواجهة واشنطن بدلاً من بنائها ملفاً استراتيجياً مستقلاً، مستشهدةً بأن اتفاقية الشراكة لمدة خمس وعشرين عاماً استُخدمت بهذه الطريقة إبان مفاوضات إحياء الاتفاق النووي مع بايدن. وربطت مصادر عدة زيارة بوتين لبكين في التاسع عشر من أيار بحاجة روسية-صينية للتنسيق حول الموقف من إيران في ضوء ما أسفرت عنه زيارة ترامب.

ثانياً: التحليل:
1 — قراءة في دلالات الصيغة:
لا تعكس الصيغة الاستثنائية للتفويض الممنوح لقاليباف مجرد ترقية بروتوكولية، بل هي رسالة سياسية في حد ذاتها. أن يستمد الممثل تفويضه من السلطتين التنفيذية والمرشد الأعلى معاً يعني أن طهران تتعامل مع إدارة العلاقة مع بكين بوصفها ملفاً أمنياً استراتيجياً بامتياز لا شأناً دبلوماسياً روتينياً. وتهميش وزارة الخارجية في هذا المستوى يكشف عن قناعة إيرانية بأن الدبلوماسية التقليدية لم تعد كافية للتعامل مع التحولات الطارئة في الموقف الصيني.

2 — الضغط الصيني: تحول نوعي أم ضبط للرسائل؟
شكّل موقف المندوب الصيني فو كونغ في الأول من أيار نقطة تحول لافتة. فللمرة الأولى بهذا الوضوح، يُطالب مسؤول صيني إيران صراحةً باتخاذ خطوة بعينها، ويربط ذلك بأجندة الزيارة الأمريكية لبكين. هذا التوظيف المزدوج للرسالة – ضغط على إيران وإشارة لواشنطن – يعكس أن الصين باتت تمارس توازناً أكثر حسماً مما اعتادت عليه طهران. وزيارة عراقجي التي أعقبته تؤكد أن طهران تلقّت الرسالة وفهمت أن ثمة ما يستوجب المعالجة، لكن البيانات المشتركة أبقت على الصياغات الدبلوماسية المعتادة دون أن تكشف عن عمق التوتر الفعلي.

3 — تصريحات ترامب: حقيقة الموقف الصيني أم قراءة انتقائية؟
تستدعي تصريحات ترامب المنسوبة إلى شي جين بينغ وقفة تحليلية. ترامب يميل بطبعه إلى تصوير محادثاته بوصفها انتصارات شخصية، وكثيراً ما تتفاوت روايته عما يُقرّه الطرف الآخر. غير أن ما يمنح هذه التصريحات ثقلاً استثنائياً هو أن بكين لم تنفِها بصورة حازمة. وهذا الصمت الصيني – أياً كانت دوافعه – كافٍ لأن يُثير في طهران تساؤلاً مقلقاً: هل باتت الصين تقايض بعض دعمها لإيران مقابل مكاسب في ملفات أخرى كالتجارة وتايوان وغيرها؟

4 — خطر البراغماتية الطارئة:
التحذير الذي أطلقته وكالة فارس من توظيف العلاقة مع الصين ورقة ضغط لافت من حيث مصدره؛ فالوكالة المرتبطة بالحرس الثوري نفسه تُقرّ بأن هذا النمط كان قائماً في مفاوضات الاتفاق النووي مع بايدن وتُحذّر من تكراره. هذا يعني
أن ثمة وعياً إيرانياً داخلياً بأن العلاقة مع الصين لم تُبنَ حتى الآن على أسس استراتيجية صلبة، بل ظلت أسيرة للحاجة اللحظية. وتعيين قاليباف هو في جانب منه محاولة لتصحيح هذا الخلل، لكن التصحيح يحتاج إلى أكثر من تغيير الوجه في المنصب.

5 — قاليباف ومحدودية الأدوات:
لا يُشكك أحد في أن قاليباف يحتل مكانة أرفع من الرئيس داخل دوائر القرار الإيرانية. غير أن المشكلة في العلاقة الإيرانية-الصينية ليست مشكلة مستوى التمثيل، بل مشكلة طبيعة ما تقدمه إيران وما تطلبه. الصين تريد ضمانات لمصالحها الاقتصادية – نفط بأسعار معقولة، وهرمز مفتوح، وتجارة غير مهددة – في مقابل استمرار الدعم السياسي. وقاليباف يستطيع تقديم التعهدات ونسج العلاقات الشخصية، لكنه لا يستطيع وحده حل التناقض البنيوي بين ما تحتاجه طهران من بكين وما تستطيع تقديمه لها في الظروف الراهنة.

6 — المشهد الثلاثي وحدوده:
تُضيف زيارة بوتين لبكين بُعداً إضافياً إلى المشهد. فالتنسيق الروسي-الصيني حول إيران ليس بالضرورة تنسيقاً لصالح طهران غير المشروط؛ موسكو وبكين تدعمان إيران لاعتبارات تخصهما ولا تُطابق بالضرورة ما تحتاجه طهران. الدعم الروسي-الصيني نابع أساساً من حسابات مناهضة الهيمنة الأمريكية لا من تحالف عضوي تحكمه مصالح مشتركة صلبة. وبهذا المعنى، فإن المحور الثلاثي يظل محوراً تتقاطع فيه مصالح متباينة أكثر من اندماجها.

خلاصات:
**يعبّر تعيين قاليباف عن توجس إيراني حقيقي من تراجع محتمل في الدعم الصيني، تجلّت أعراضه في تتالي مواقف غير مسبوقة: مطالبة صينية علنية بفتح هرمز، وصمت بكين عن نفي تصريحات ترامب، وزيارة روسية – صينية تنسيقية جاءت على وقع المباحثات الأمريكية.
**تتخوف إيران من تضحي الصين ببعض الدعم لإيران لا سيما العسكري لصالح توافقات اقتصادية كبرى تم إبرامها مع الولايات المتحدة
**تربط مراجع ما بين زيارة بوتين إلى بكين وزيارة ترامب قبل ذلك لتنسيق سياساتهما حيال إيران سواء بالدعم أو النصح أو الضغط لحماية تحالف الدول الثلاث ضد الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط.
**ما إذا كان قاليباف قادراً على تحويل هذه العلاقة من براغماتية طارئة إلى شراكة استراتيجية راسخة، يظل مرهوناً بأسئلة أكبر من الأشخاص والمناصب: فالعلاقة الإيرانية-الصينية ليست على وشك الانهيار، لكنها تمر باختبار دقيق يكشف أن ميزان المصالح بات أكثر تعقيداً مما كانت تودّ طهران الاعتقاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.