في الربط بين منظومة الجريمة والسياسات الإسرائيلية:
ورقة سياسات
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات
المقدمة: توجد مؤشرات على توافر أفق لتعاظم الوزن السياسي للعرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل. وتتصل هذه المؤشرات بانكشاف التحول الحاصل في حراكهم لمحاربة منظومة الجريمة، والتي تتكشف أكثر فأكثر بوظيفتها السلطوية الإسرائيلية في تفتيت هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، الذي يبلغ تعداده نحو مليوني نسمة، موزعين في النقب جنوبًا، وفي المدن الساحلية، ومنطقة المثلث الجنوبي والشمالي، والجليل، ومنطقة الناصرة ومرج ابن عامر.
في المقابل، فإن المدن التي أُقيمت في خمسينيات القرن الماضي كمدن يهودية صِرفة، بعد مصادرة أراضي العرب الفلسطينيين وتهويد المكان سعيًا لبتر الجغرافيا السكانية الفلسطينية داخل إسرائيل، تحولت بفعل هجرة الفلسطينيين إليها إلى مدن مختلطة. وفعليًا، تكاد لا توجد مدينة إسرائيلية لا يسكن فيها فلسطينيون عرب، ما يعزز وجودهم المكاني في الحيز العام، ويستفز الذهنية العنصرية المتجذرة تاريخيًا وبنيويًا، والتي تحولت راهنًا إلى سياسة علنية أكثر دموية.
غير أن هذا الأفق لتعاظم الدور السياسي يشكل تحديًا لمنظومات الرقابة والقهر التي تسعى استراتيجيًا إلى تحجيم هذا الوزن، عبر نزع الشرعية السياسية، وكبت الحريات الديمقراطية المنقوصة أصلًا، والسعي إلى تفكيك الروابط التي تحافظ على تماسك هذا المجتمع. ويأتي هذا التفتيت من خلال منظومة الجريمة، في ظل ترويج المنظومة الحاكمة لمقولتها العنصرية التي تزعم أن الجريمة هي نتاج “الذهنية العربية الإسلامية”.
– المعطيات الراهنة في سياق مقارن على دالّة الزمن:
في استعراضه لحجم الجريمة بين العرب الفلسطينيين في إسرائيل على دالّة الزمن، ومقارنةً بمعطيات الجريمة في الشارع اليهودي الإسرائيلي، يشير النائب أيمن عودة، رئيس قائمة الجبهة والعربية للتغيير، إلى حقيقة أنه منذ العام 1948 وحتى العام 2000 كانت أعداد القتلى اليهود تفوق بشكل ملحوظ عدد القتلى في المجتمع العربي الفلسطيني.
إلا أن العام 2000 شهد هبّة القدس والأقصى في الداخل الفلسطيني، التي ذهب ضحيتها ثلاثة عشر فلسطينيًا، إضافة إلى مئات الجرحى والمعتقلين. وقد شكّلت هذه الهبّة، التي تزامنت مع اندلاع الانتفاضة الثانية، نقطة تحول في اعتبارات المؤسسة الأمنية والسياسية تجاه هذا الجمهور، الذي يشكل نحو 20% من مجموع مواطني إسرائيل، وتصعيدًا مجاهرًا في استعدائه، وتطويرًا لسياسات الضبط والرقابة، وانتعاش تنظيرات تفكيك المجتمع من داخله، وإضعافه سياسيًا، وإشغاله في أزماته الداخلية، وإبعاده عن التأثير في السياسة العامة.
وبناءً على المعطيات التي أوردها النائب عودة، تتضح الرؤية المقارنة على النحو التالي:
في العام 1980 بلغ عدد قتلى الجريمة في إسرائيل (58 يهوديا مقابل 11 عربا)، في العام 1985 (75 مقابل 14)، 1988 (50 مقابل 8)، العام 2000 (91 مقابل 63)، 2002 (126 مقابل 82) وهو العام الذي اقرت فيه الحكومة محاربة الجريمة في المدن الإسرائيلية، 2005 (93 مقابل 76)، 2010 (64 يهود مقابل 86 عربا)، 2014 (54 مقابل 75)، 2019 (48 مقابل 94)، في العام 2025 بلغ عدد الضحايا العرب 252 قتيلا.
وهذه الأرقام لا تشمل الجرحى والإصابات، ولا الأضرار النفسية والمعيشية، ولا القصص الإنسانية الكامنة خلف هذه المعطيات. كما بلغ عدد القتلى خلال دورة الحكومة الحالية نحو ثمانمائة. ونُقل عن القائد العام السابق للشرطة روني ألشيخ، نقلًا عن الوزير بن غفير، ما معناه: “فليقتل العرب بعضهم بعضًا”.
– السياسات بعيدة المدى هي الأشد خطورة:
تُظهر هذه المعطيات أن السياسات الإسرائيلية بعيدة المدى هي التي أوصلت المجتمع العربي الفلسطيني إلى حالة تسيّد منظومات الجريمة، بما يدحض المقولة العنصرية الرسمية التي تعزو الجريمة إلى الثقافة الفلسطينية أو إلى الإسلام.
كما أن المقارنة مع واقع الفلسطينيين في الضفة وغزة والشتات، أو مع المجتمعات العربية إقليميًا، تظهر أن نسبة الجريمة هناك متدنية جوهريًا مقارنة بما يمكن وصفه بـ“حرب الجريمة” على الفلسطينيين العرب في إسرائيل.
وتكشف المعطيات أيضًا عن تحولات في السياسة الرسمية تجاه حيازة السلاح؛ فحتى نهاية الثمانينيات، كان أي فلسطيني مواطن في إسرائيل يُضبط وهو يحمل سلاحًا يُعد مسألة أمنية تستدعي تدخل جهاز “الشاباك” ومحاكمته أمنيًا. أما اليوم، فقد تحولت هذه المسألة إلى ملفات جنائية، رغم أن معظم السلاح والذخيرة والعبوات الناسفة يُهرّب من قواعد الجيش الإسرائيلي، بما يقدّر بمئات آلاف قطع السلاح. ويشير ذلك إلى تورط إسرائيليين في سوق السلاح، طالما أن استخدامه يوجَّه ضد العرب الفلسطينيين أنفسهم.
في المقابل، تكاد لا تقع عملية إطلاق نار ضد يهودي إسرائيلي، حتى على خلفية جنائية، إلا ويُكشف عن مطلقي النار العرب خلال ساعات ويتم اعتقالهم.
– الأولوية: تقويض كيانية المجتمع وليس تفكيك الجريمة:
تقوم لجان شعبية في عدد من البلدات العربية بمحاربة الجريمة عبر نشر قوائم بأسماء المتورطين في العصابات المسلحة، مع التأكيد أن هذه الأسماء معروفة لدى الشرطة والأمن الإسرائيليين، إلا أنها تبقى طليقة من دون مساءلة أو محاسبة. ويبقى مطلب الجمهور العربي الفلسطيني واضحًا: سحب السلاح من أيدي منظومة الجريمة التي تفتك بالمجتمع.
يشكل هذا الموقف الشعبي لائحة اتهام ضد دولة إسرائيل وأجهزتها الأمنية والشرطية، باعتبارها معنية بالدور الوظيفي لمنظومة الجريمة ومتورطة فيها، خدمةً لسياسات إضعاف الفلسطينيين في الداخل، ودفعهم إلى العزوف عن تشكيل رافعة سياسية فاعلة لقضية فلسطين.
– منظومة الجريمة ووظيفتها المؤسسية:
تشير أبحاث الباحثة الإسرائيلية إيلات معوز إلى أن الحديث يدور عن منظمات إجرامية (مافيا) مسنودة من الدولة، وأن الدولة تعرف جيدًا خريطة هذه المنظومات ورؤساءها. وتذكر وجود ست منظمات كبرى مسؤولة عن نحو 30% من عمليات القتل، وحوالي ثلاثين عصابة تابعة أو ناشئة ومسلحة.
تسيطر هذه المنظمات على النفوذ الجغرافي والسكاني، وتتورط في شراكات مع عناصر في الشرطة، وتنجح في تجنيد جنود للحصول على السلاح من مخازن الجيش. كما تتغلغل اقتصاديًا عبر السيطرة على البلديات، والعطاءات، والمناقصات، وقطاع التعليم، والخدمات، والمقاولين، وعمليات تبييض الأموال.
وتخلص معوز، استنادًا إلى دراسات مقارنة، إلى أن:
“حين تتوفر سوق رأسمالية وملكية خاصة وتغيب الدولة والإجراءات القانونية والإدارية، بما في ذلك إنفاذ التعاقدات، تظهر المافيا.”
– التشابك مع أجهزة الدولة والسلاح:
من اللافت وجود شراكات بين رؤساء منظمات الجريمة وأفراد في الشرطة الإسرائيلية، وصولًا إلى تورط ضباط في جرائم تبييض أموال عابرة للحدود. كما شهدت فترة الحرب على غزة توسعًا كبيرًا، كماً ونوعًا، في تجارة السلاح. وتعمل هذه المنظمات أيضًا في الضفة الغربية لتبييض الأموال وتجنيد أفراد يُستخدمون في تنفيذ عمليات تصفية داخل الخط الأخضر، مع تسهيلات لعبورهم رغم القيود المفروضة منذ أكتوبر 2023.
– منظمات الجريمة وملف تهريب البضائع إلى غزة:
تشكل فضيحة تهريب البضائع إلى غزة مسألة فارقة في كشف وظيفية الجريمة ضمن السياسات العامة الإسرائيلية، والتي يتورط فيها نحو سبعة عشر شخصية بارزة، من بينهم بتسلئيل زيني، شقيق رئيس الشاباك الحالي. وبالاطلاع على لائحة الاتهام المقدمة بحق زيني بتهمة “مساعدة العدو في زمن الحرب”، وهي إحدى أخطر التهم المنصوص عليها في قانون الجنايات الإسرائيلي، تتضح أبعاد هذه الفضائح، والتي يشير محامو الدفاع عن المتورطين وبعض الشخصيات السياسية إلى أنها ليست فضائح بالمعنى التقليدي، بل سياسة متعمدة.
تعتمد هذه السياسة على عدد من التجار الفلسطينيين من أقطاب الحرب على غزة أو من الميليشيات المسلحة، على شاكلة ميليشيا “أبو الشباب” وغيرها، وبمقابل أرباح طائلة للطرفين، يتم تهريب بضائع متنوعة من أجهزة هواتف متطورة وحتى السجائر. وما يفضح الأمر أكثر هو تهريب عشرات الآلاف من حبات مخدر الكبتاغون إلى غزة، التي بحسب مصادر سياسية يمينية، لها وظيفة فتاكة في التأثير النفسي على سكان القطاع، ودفعهم للهجرة أو للامتثال لسياسات محددة، بما يساهم في تقويض أية إمكانات كيانية للشعب الفلسطيني في القطاع.
في المجمل، تسير سياسات القهر وفق نمط مركزي يطبَّق في سياسات التهويد أو التطهير العرقي، وتغيير الموازين السكانية، سواء عند المقارنة بين سياسات النقب ومناطق “ج” في الضفة الغربية، أو بين اعتداءات ميليشيات “فتيان التلال” الاحتلالية وميليشيات داخل الخط الأخضر التي تعتدي على الفلسطينيين (مثل اعتداءات يافا وبيسان)، أو على السائقين العرب لحافلات الركاب في القدس. وتتضافر هذه الممارسات الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية لتنتج حالة يغيب فيها الأمن والأمان عن الفلسطينيين، تحت وطأة ذهنية حاكمة تسعى لتحويل هذا الشعور إلى سلوك سكاني وسياسي يقوم على اللا-انتماء.
– النضال المتواصل والطفرة الراهنة:
لم يتوقف النضال الشعبي لمحاربة الجريمة المنظمة. فقد قامت لجان شعبية في غالبية البلدات التي شهدت أعمال قتل وترويع، أو لحماية الأهالي وخصوصًا طلبة المدارس المستهدفين بإطلاق النار، بحمل المسؤولية على السلطة الإسرائيلية الحاكمة، والتعبير عن صرخة بأن حياة الناس في خطر.
وقد قادت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، الإطار الكياني الجامع لكل الطيف السياسي من أحزاب وحركات وللسلطات البلدية العربية، النضال المركزي، بينما طرحت الكتل البرلمانية الموضوع على منصة الكنيست. وانطلقت أيضًا أصوات سياسية تطالب الدولة بتحمل المسؤولية الكاملة عن تفكيك الجريمة المنظمة، وتوفير الحماية للناس، وجمع الأسلحة التي تقدر بنحو نصف مليون قطعة.
وكان هذا الفعل مشابهًا لما قامت به الدولة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، من خلال الشرطة، لتفكيك غالبية منظمات الجريمة اليهودية أو الناشطة في المدن اليهودية، ودفع ما تبقى منها إلى البلدات العربية.
وقد قادت لجنة المتابعة العليا عشرات الأنشطة الكبيرة والمؤثرة، بما فيها المظاهرات الحاشدة، وإغلاق الشوارع الرئيسية، وتشويش حركة السير، والمؤتمرات المتخصصة، بالإضافة إلى فعاليات تكافل اجتماعي، والوقوف إلى جانب الضحايا وذويهم. إلا أن القضاء على الجريمة المنظمة يتطلب قدرات الدولة، وإرادة سياسية حقيقية، ولا يمكن للأطر الشعبية أو السياسية وحدها مواجهة انتشار السلاح، أو سياسات الأتاوة، أو عمليات تبييض الأموال، أو الابتزازات المالية للبلديات، إذ أن هذه كلها مهام الدولة ومسؤولياتها.
– التحولات البرلمانية والحكومية:
خلال فترة حكومة “التغيير” بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد (2021–2022)، والتي اعتمدت على دعم حزب عربي في الائتلاف، وهو القائمة العربية الموحدة برئاسة النائب منصور عباس، تم تخصيص الموارد الحكومية لمحاربة الجريمة المنظمة، ولاحظت تحولات ملموسة في تعامل جهاز الشرطة والحكومة، أسفرت عن تقليص وتيرة الجريمة المنظمة، رغم استمرار معرفة تركيبة عناصرها، ورؤسائها، وخارطتها التنظيمية ونفوذها.
مع سقوط هذه الحكومة في ديسمبر 2022 وتسلم حكومة نتنياهو-سموتريتش-بن غفير مهامها، عزى الناس هذا السقوط إلى التصدع الجوهري في معسكر ما يسمى “اليسار الصهيوني”، وسقوط حزب ميرتس، وفشل حزب التجمع الوطني الديمقراطي في التمثيل البرلماني بعد تصدع القائمة المشتركة ومركباتها، ما أدى إلى أجواء إحباط شديد في أوساط الفلسطينيين العرب.
وفي المقابل، فإن الحكومة الحالية، منذ تشكيلها، أزالت فعليًا ملف محاربة الجريمة المنظمة من جدول أعمالها المركزي، مما أدى إلى تصاعد غير مسبوق في وتيرة الجريمة، وتزايد الإحباط الشعبي بسبب عجز الحركة السياسية عن إرغام الحكومة على معالجة الظاهرة، وأساسًا نتيجة تواطؤ منظومات الدولة، وخصوصًا الشرطة، مع منظومة الجريمة.
– كيف انقلبت الناس على الإحباط:
إزاء حالة الإحباط والارتباك السياسي، بدأت تظهر مبادرات محلية شعبية ونسائية وشبابية عقب كل حادثة قتل. وفعليًا، بدأت ملامح التنسيق بين الحراكات المحلية وبين بلدات متجاورة، سعيًا لدفع الشرطة الإسرائيلية للقيام بواجبها القانوني.
الطفرة الكبرى حدثت في 19 كانون الثاني/يناير 2026 في مدينة سخنين، سهل البطوف شمالًا، حيث أعلن علي زبيدات، صاحب ثلاثة محلات تجارية، إغلاق متاجره مساءً لمدة ثلاثة أيام، مؤكدًا أنه لن يرضخ لابتزاز منظومة الجريمة. وكان هذا الإعلان الشرارة التي أطلقت هبّة شعبية، سرعان ما امتدت لتشمل مئات المصالح التجارية، وتحولت خلال يومين إلى مظاهرة حاشدة في المدينة شارك فيها نحو مائة ألف فلسطيني عربي، تبعتها مظاهرة في مركز مدينة تل أبيب شارك فيها نحو سبعون ألفًا، بمن فيهم يهود مشاركون بشكل ملموس.
شكلت أحداث سخنين انقلابا شعبيا على الإحباط وعلى انتظار تغيير السياسات، بل السعي على التصدي الشعبي للجريمة المنظمة مهما كان الثمن. لتضع الناس أمام خيار واضح “إما أن تفتّتنا الجريمة كمجتمع وإما ان نفككها”.
وقد كان لهذا الحراك تأثير ملموس على الحيز الداخلي للفلسطينيين العرب، واختراق الحصار الإسرائيلي على حقوقهم المدنية والسياسية، حتى في الإعلام العبري. فقد خصصت صحف مثل جروزاليم بوست ويسرائيل هايوم، وكذلك هآرتس، افتتاحياتها بعد الحراك، داعية الدولة والحكومة للتدخل للقضاء على الجريمة المنظمة، كما تدافعت القيادات السياسية الإسرائيلية الى سخنين بمن فيهم رئيس الدولة هرتسوغ، وقيادات في أحزاب المعارضة الصهيونية وشخصيات اعتبارية عديدة. كما يتضح الاهتمام الحقيقي على مستوى الاعلام الأجنبي الدولي ولدى السلك الدبلوماسي الدولي المعتمد في إسرائيل. وهي تشكل مجتمعةً أدوات ضاغطة على نتنياهو وحكومته نحو تغيير جوهري في السياسات.
– تداعيات الحراك الشعبي على السياسات الحكومية:
نتيجة التحرك الشعبي، من المتوقع أن يقوم رئيس الحكومة بإخراج ملف مكافحة الجريمة من وزارة الأمن القومي والوزير بن غفير، ليتم وضعه تحت قيادة أحد نواب الليكود، وهو ما قد يراهن نتنياهو على أنه يكسب أصواتًا عربية في انتخابات الكنيست، على حساب التمثيل المستقل للقائمة العربية المشتركة.
مع تكرار تصريحات قادة المعارضة المركزية برفض أي شراكة مع حزب عربي في تشكيل ائتلاف حاكم بديل، يدفع فعليًا القائمة المشتركة للأحزاب العربية المتوقعة لنحو 15 نائبًا إلى إعادة حساباتها بشأن المشاركة في الحكومة، مقابل ضغوط المعارضة الصهيونية.
غير أن المعركة لا تزال بعيدة عن الحسم؛ فحتى مع اختراق الرأي العام الإسرائيلي، لا تزال الحكومة الحالية تمارس سياسات الإقصاء ونزع الشرعية السياسية، وحظر بعض الأحزاب والحركات العربية، وخصوصًا لجنة المتابعة العليا.
ميدانيًا، تشهد البلدات والتجمعات العربية الفلسطينية تحوّلًا شعبيًا نحو استمرار الحراك، وتطويره، وتوسيعه باتجاه إعلان عصيان مدني، سواء كان كاملاً ومستدامًا، أو جزئيًا ومؤقتًا. كما يظهر نشاط متصاعد في تشكيل الهيئات الشعبية والقطاعية والمهنية لتشكيل روافد للعمل السياسي المسنود شعبيًا، مع تكثيف الدعوات لإعادة تشكيل القائمة المشتركة لتعزيز التمثيل البرلماني العربي.
في المقابل، تسعى بعض الخطابات إلى فك الارتباط بين محاربة الجريمة واستحقاقاتها وبين قضية الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس واللاجئين، وعدم الربط بين ذهنية الإبادة في غزة وذهنية التطهير العرقي في الضفة، وبين دور الجريمة المنظمة في تفكيك المجتمع الفلسطيني داخليًا.
تصعيد الجريمة المنظمة ومواجهة الجمهور:
يتزامن الحراك الشعبي مع تصعيد نوعي في الجريمة المنظمة، إذ تشهد الساحة تحديًا شعبياً لمنظومة الجريمة ومحاولاتها ابتزاز أصحاب المصالح من الفئات الوسطى والميسورة، فيما تظهر لافتات تحذر المستهدفين بأنهم تحت تهديد الجريمة. وتعمل الحراكات الشعبية على توفير الحماية لهم، ما يسهم في تحويل هذا النمط إلى ثقافة مجتمعية متحدة، ويضغط على الشرطة الإسرائيلية لتأدية واجبها في ملاحقة المجرمين.
ويبدو أن تصعيد الجريمة المنظمة، من خلال عمليات قتل ثلاثية فردية أو زوجية، يؤكد وظيفتها لدى المؤسسة الحاكمة، ومسعى لإعادة الناس إلى مرحلة ما قبل الحراك الشعبي، وكسر وتيرته، ومنع خروجها عن السيطرة، أو تحدي الشرطة. وإذا تواصل ذلك، فإن الجمهور العربي الفلسطيني قد يكسر حاجز الخوف تجاه الجريمة المنظمة، ويبدأ في تجاوز القيود السياسية المرتبطة بالتمييز العنصري والتهويد وهدم البيوت، وما يشمل قضية فلسطين عامة، بما يعني تجاوز حالة الحصار والكبت المفروضة منذ أكتوبر 2023 ضمن حالة طوارئ غير معلنة.
الأفق السياسي في مواجهة الجريمة المنظمة:
في المقابل، يجد نتنياهو وحكومته أن سياسة الإقصاء المطلق، ونزع الشرعية السياسية، وشطب الأحزاب والمرشحين، بدأت تتقلص خياراتها رغم استمرارها جزئيًا. ويشكل اختراق الرأي العام الإسرائيلي والتحول في تعاطي الإعلام العبري وأصوات السياسيين، والتي تدعو إلى تدخل الدولة لمكافحة الجريمة، أدوات حماية للجمهور العربي الفلسطيني، ولوجوده السياسي، وأيضًا للتمثيل العربي في الكنيست، ما يقلل من احتمالية شطب الأحزاب كما كان متوقعًا سابقًا.
تتضاعف أهمية هذه الوضعية على ضوء مساعي أقصى اليمين بقيادة نتنياهو في الحفاظ على الحكم بأي ثمن، بما في ذلك التدخل المسبق لفرض نتائج الانتخابات، والتزوير، وشطب الأحزاب العربية، وانتداب مستوطنين ومجموعات ميليشياوية لصناديق الاقتراع، بالإضافة إلى حملات إعلامية تهدف لكبت التصويت العربي. وتبقى وظيفة الجريمة المنظمة واضحة: تقويض كيانية المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، وخلخلة روابطه، وتحييد وزنه السياسي، بهدف الإبقاء على حكم أقصى اليمين وسياساته الأكثر تصفية لقضية فلسطين.
في الخلاصة:
** تمثل الطفرة الجارية في الحراك الشعبي للفلسطينيين العرب في إسرائيل لمحاربة الجريمة المنظمة لحظة مفصلية تحمل مقومات لتعاظم الدور السياسي لهذا الجمهور، وتحرير هذا الدور جزئياً من سياسات الكبت المكثف والتهديد الوجودي التي فُرضت عليه منذ أكتوبر 2023 في سياق حرب الإبادة على غزة.
** تكشف هذه الطفرة عن قدر عالٍ من الإبداع الكفاحي الجماهيري، يتجاوز العمل التظاهري التقليدي، ليشمل تطوير آليات حماية شعبية للمهدَّدين من منظمات الجريمة، وتفعيل أدوات الضغط الاقتصادي، وتوظيف الوزن المالي، واعتماد أشكال من العصيان المدني، والدعوة إلى يوم غضب فلسطيني عالمي عبر استخدام واسع ومنظم لوسائل التواصل الاجتماعي وحملات التأثير.
** لم تعد الجريمة المنظمة مجرد ظاهرة جنائية، بل باتت أداة وظيفية في يد المؤسسة الحاكمة، تُستخدم لتفتيت بنية المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، وفرض الضبط والرقابة عليه، ودفعه إلى العزوف عن قضاياه الوطنية والسياسية، سواء المتعلقة بوجوده في وطنه أم بقضية فلسطين ككل.
** يتحمل الائتلاف الحاكم برئاسة نتنياهو المسؤولية المباشرة عن استفحال الجريمة المنظمة وإسنادها سلطوياً. ومن الخطأ اختزال هذا التواطؤ في شخص وزير الأمن القومي بن غفير، إذ إن المسؤولية تقع أولاً على نتنياهو وحكومته، وتمتد إلى المنظومات الأمنية والتشريعية والتنفيذية.
** ثمة تداخل بنيوي بين الطور الأكثر دموية من الجريمة المنظمة وبين سياسات المؤسسة الحاكمة ومنظومات الدولة العميقة، من جهة، وبين مساعي الحكومة الحالية للبقاء في الحكم وسياساتها الهادفة إلى دفع الفلسطينيين العرب إلى الهجرة ضمن هندسة ديمغرافية مقصودة، من جهة أخرى. ويتجلى هذا التداخل في مشاريع التطهير العرقي في النقب، وفي مشاريع التهويد وفصل الضفة عن غزة كيانياً وجغرافياً، وكذلك في المشاريع الجيوسياسية الكبرى، مثل الممر البحري–البري من الهند إلى أوروبا، ومشروع القناة الموازية لقناة السويس الممتدة من خليج إيلات (أم الرشراش) إلى ميناء أسدود.
**يجد فلسطينيو 48 أنفسهم أمام معادلة وجودية حادة: إما أن تُفتتهم الجريمة المنظمة، وإما أن ينجحوا في تفكيكها وتفكيك منظومتها بوصفها حلقة في بنية السياسات الحاكمة.
** من المرجح أن تدفع هذه الطفرة بالحراك الشعبي نحو عمل متعدد الأذرع: شعبياً على المستويين المحلي والقطري، وسياسياً باتجاه تعزيز وحدة الأحزاب المعنية بانتخابات الكنيست ضمن قائمة مشتركة واحدة، إضافة إلى السعي لتدويل هذه المسألة ضمن تدويل مجمل وضعية فلسطينيي الداخل، وطرح مطلب الحماية بإلزام حكومة إسرائيل بمحاربة الجريمة المنظمة كما فعلت سابقاً داخل التجمعات اليهودية.
** ورغم الزخم الشعبي المتصاعد، فإن الطريق نحو تحقيق الأهداف لا يزال طويلاً ومستنزِفاً، في ظل إصرار المؤسسة الحاكمة على سياساتها، وتزامن ذلك مع تصعيد نوعي في جرائم منظمات الجريمة للحفاظ على نفوذها عبر الترويع ورفع وتيرة القتل والاستهداف.
**إن أي محاولة لفصل قضية مكافحة الجريمة عن قضية فلسطين لن تكون في مصلحة هذا الجمهور، بل ستكون ذات مردود سلبي عملياً وأخلاقياً. فهذه ليست معركة خارج السياسة، بل تقع في صميم السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أينما وجدوا.
** إن الحراك ضد الجريمة المنظمة هو، في جوهره، حراك لتغيير السياسات الإسرائيلية. ومواصلة العمل على المستويات المحلية والإسرائيلية والدولية تمثل شرطاً ضرورياً لتحقيق هذا الهدف، وإن لم يكن شرطاً كافياً في ظل بيئة إسرائيلية قائمة على الإقصاء ونزع الشرعية والتهديد الوجودي.
** عربياً وفلسطينياً، فإن أي مسعى لتغيير السياسات الإسرائيلية أو تغيير الحكومة الحالية يستوجب إسناداً سياسياً واضحاً للفلسطينيين العرب في إسرائيل في معركتهم ضد منظومة الجريمة ووظيفتها في يد المؤسسة الحاكمة. كما أن رفع هذا الملف إلى المحافل الدولية والمنظمات الحقوقية، بما فيها لجنة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الجريمة المنظمة، بات حاجة ملحّة لهذا الجمهور المستهدَف
المراجع التي يمكن الاسترشاد بها :
مصادر عبرية / إسرائيلية
1.Institute for National Security Studies (INSS).
Arab Violence and Crime in Israel: Trends and Implications. معهد الدراسات الأمنية الإسرائيلي.
2.Gross, J. (2024). Ombudsman: 95% of Police Probes of Violent Crime in Arab Areas Yield No Charges.
Times of Israel.
https://www.timesofisrael.com/ombudsman-95-of-police-probes-of-violent-crime-in-arab-areas-yield-no-charges/?utm_source=chatgpt.com
3.Pfeffer, A. (2025). Crime in Israel: Arab Sector Unrest and Police Response.
Jerusalem Post.
https://www.jpost.com/israel-news/crime-in-israel/article-793830?utm_source=chatgpt.com
4.Ynet News. (2025). Rising Crime in Arab Communities and Social Implications.
https://www.ynetnews.com/magazine/article/hyq571ihje?utm_source=chatgpt.com
5.Jewish People Policy Institute (JPPI). (2025). It’s Time Israel Recognizes Arab Sector Homicides as a National Crisis.
It’s time Israel recognizes Arab sector homicides as a national crisis
مصادر عربية / عربية – محلية
6.الجزيرة مباشر. (2025). تصاعد الجريمة في المجتمع العربي الإسرائيلي – تحليل سياقي.
https://www.aljazeeramubasher.net/amp/news/2025/9/7/%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B5%D8%B9%D9%8A%D8%AF?utm_source=chatgpt.com
7.ACI Task Force. (2025). Arab Citizens Protest Crime Neglect – Community Data.
https://www.acitaskforce.org/resource/arab-citizens-protest-crime-neglect/?utm_source=chatgpt.com
تقارير وإشارات إعلامية وتحليلية داعمة:
8.Noon Post. (2025). تحليلات حول الجريمة المنظمة والسياسات الاجتماعية.
https://www.noonpost.com/315049/?utm_source=chatgpt.com
9.Quds Press. (2025). تغطيات إعلامية حول الوضع الأمني في المجتمع العربي الفلسطيني.
الجريمة المنظمة في الوسط العربي.. الوجه غير المُعلن لسياسة التهجير في الداخل الفلسطيني