فوز حزب الخضر في الانتخابات الفرعية:

هل تشهد بريطانيا إعادة اصطفاف سياسي مستدام؟

ورقة تحليل سياسات
حمزة علي، مركز تقدم للسياسات

تقديم: شكّل فوز حزب الخضر البريطاني في الانتخابات البرلمانية الفرعية بدائرة غورتون ودنتون في 27 شباط/فبراير تطوراً سياسياً لافتاً يتجاوز دلالاته المحلية، ليطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة التحولات البنيوية في النظام الحزبي البريطاني. فقد جاءت النتيجة في واحدة من أكثر الدوائر أماناً تاريخياً لحزب العمال بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، ما منح الحدث طابع “الزلزال السياسي” داخل معاقل يسار الوسط التقليدي.
تأتي هذه النتيجة في سياق أوروبي أوسع يشهد تراجعاً مطرداً لهيمنة أحزاب الوسط التقليدية، وصعود قوى احتجاجية ذات خطاب أيديولوجي أكثر حدة، سواء على اليسار أو اليمين. وعليه، فإن قراءة هذه الانتخابات الفرعية لا تقتصر على إعادة توزيع أصوات داخل دائرة حضرية، بل تمثل مؤشراً على تسارع إعادة الاصطفاف السياسي في بريطانيا.

أولاً: دلالات النتيجة – انقلاب في معقل عمالي:
في الانتخابات العامة لعام 2024، كان حزب العمال قد فاز بالمقعد بأغلبية تفوق 13 ألف صوت، محققاً نحو 50% من الأصوات، فيما لم يتجاوز رصيد الخضر آنذاك 4 آلاف صوت. إلا أن الانتخابات الفرعية قلبت المعادلة:
• الخضر: 14,980 صوتاً (نحو 40–41%)
• الإصلاح اليميني: : 10,578 صوتاً (قرابة 29%)
• العمال: 9,364 صوتاً (المركز الثالث)
بلغت أغلبية الخضر أكثر من 4 آلاف صوت، في تحول تاريخي يُعد من أكبر التحولات التصويتية في انتخابات فرعية بريطانية خلال العقد الأخير. واعتبر عدد من المراقبين، ومنهم عالم الاستطلاعات جون جورتيس، أن النتيجة تعكس درجة غير مسبوقة من عدم اليقين حول مستقبل السياسة البريطانية.

ثانياً: ضربة مباشرة لاحتكار العمال للتمثيل التقدمي:
تقع الدائرة ضمن مانشستر الحضرية، التي تُعد تقليدياً أحد رموز القاعدة التقدمية لحزب العمال. لذلك، فإن الخسارة ليست رقمية فحسب، بل رمزية واستراتيجية. إذ تعني فقدان الحزب احتكاره التاريخي لتمثيل الناخبين التقدميين في المدن الكبرى.
داخل الحزب، برزت مخاوف من أن النتيجة قد تعيد إشعال النقاش حول قيادة ستارمر، خصوصاً في ظل اتهامات من الجناح اليساري بأنه فشل في تعبئة القاعدة التقدمية. وأقرّ بعض المسؤولين بأن فوز الخضر يُعد “أسوأ سيناريو ممكن”.
الرسالة المركزية التي أفرزتها النتيجة مفادها أن شريحة معتبرة من ناخبي العمال التقليديين باتت تبحث عن بديل تقدمي أكثر وضوحاً في خطاب العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

ثالثاً: استراتيجية زاك بولانسكي – يسار شعبوي جديد:
منذ تولي بولانسكي قيادة الحزب في أيلول/سبتمبر الماضي، ومع اقتراب عدد الأعضاء من 200 ألف، تحوّل الخضر من حزب بيئي تقليدي إلى منصة يسارية ذات خطاب شعبوي اقتصادي.
تم تهميش أولوية الخطاب البيئي لصالح التركيز على:
• العدالة الاقتصادية وإعادة التوزيع.
• أزمة تكاليف المعيشة.
• التفاوت الطبقي.
• نقد “استحواذ النخب الاقتصادية”.
شمل البرنامج الانتخابي المقترح:
• ضريبة ثروة بنسبة 1% على الأصول فوق 10 ملايين جنيه إسترليني، و2% فوق مليار جنيه.
• دخل أساسي للمزارعين.
• بناء 150 ألف وحدة سكن اجتماعي سنوياً.
• وقف مبيعات السلاح البريطانية لإسرائيل.
• التوقيع على معاهدة حظر الأسلحة النووية.
• إلغاء برنامج “ترايدنت” النووي.
يشير هذا التحول إلى محاولة بناء يسار احتجاجي قادر على استقطاب أصوات من قاعدة العمال، لا على أساس قضايا بيئية متخصصة، بل باعتباره بديلاً اقتصادياً وأخلاقياً شاملاً.

رابعاً: غزة كعامل تعبئة انتخابية:
برزت الحرب في غزة كأحد محاور الحملة. فقد انتقد الخضر موقف حكومة العمال بعد أحداث 7 أكتوبر، خاصة ترددها في الدعوة المبكرة إلى وقف إطلاق النار. وتعهّد الحزب بإنهاء الدعم البريطاني لإسرائيل، مع توجه داخلي نحو تصويت يصف الصهيونية بالعنصرية.
الدلالة الأوسع هنا أن قضايا الشرق الأوسط لم تعد هامشية في السياسة البريطانية، بل باتت قادرة على التأثير المباشر في سلوك الناخبين داخل دوائر حضرية متعددة الخلفيات.

خامساً: التفكك لا يقتصر على اليسار – صعود الإصلاح:
حصول حزب الإصلاح على قرابة 29% من الأصوات، مقابل انهيار المحافظين إلى 706 أصوات فقط، يعكس بدوره تحوّلاً عميقاً في يمين الوسط البريطاني. وبذلك، استحوذت القوتان الاحتجاجيتان – الخضر والإصلاح – على نحو 69% من الأصوات، مقابل 27% فقط للحزبين التقليديين (العمال والمحافظين).
يشير ذلك إلى أن عملية التفكك البنيوي للنظام الحزبي تطال ضفتي الطيف السياسي معاً.

سادساً: نهاية حقبة الحزبين؟
اعتبر عدد من الأكاديميين البريطانيين أن النتيجة تؤكد “موت الولاءات التقليدية”. ومع تصاعد المنافسة من يسار العمال ومن يمين المحافظين، يبدو أن المركز السياسي الذي شكّل لعقود عنصر الاستقرار في بريطانيا يتعرض لضغط مزدوج.
السيناريو المحتمل مستقبلاً يتضمن:
• فوز الخضر بمقاعد حضرية إضافية.
• تعمق الانقسامات داخل العمال.
• تثبيت حزب الإصلاح كقوة يمينية احتجاجية دائمة.
• برلمان أكثر تجزؤاً وصعوبة في تشكيل أغلبيات مستقرة.

الخلاصات:
1. التحول بنيوي لا ظرفي: النتيجة تعكس إعادة اصطفاف سياسي مستدام، لا مجرد تصويت احتجاجي عابر.
2. تآكل احتكار العمال للتمثيل التقدمي: القاعدة الحضرية التقدمية باتت مفتوحة أمام بدائل يسارية أكثر راديكالية.
3. تداخل السياسة الخارجية والداخلية: ملف غزة مثال واضح على انتقال قضايا الشرق الأوسط إلى قلب الحسابات الانتخابية البريطانية.
4. انهيار نموذج الحزبين: الاستقطاب يتصاعد، والمشهد يتجه نحو تعددية تنافسية أكثر حدة وأقل استقراراً.
5. تموضع أوروبي أوسع: ما يجري في بريطانيا ينسجم مع اتجاه أوروبي عام يتمثل في صعود قوى احتجاجية على حساب أحزاب الوسط التقليدية.

تقدير موقف:
**تشير المعطيات إلى أن بريطانيا تدخل مرحلة سياسية جديدة تتسم بتراجع الاستقرار الحزبي الذي طبع العقود الماضية. وإذا استمر الضغط من جانبي الطيف السياسي، فقد نشهد خلال الدورة الانتخابية المقبلة إعادة تشكيل الخريطة الحزبية بصورة جذرية، مع برلمان أكثر تفتتاً وتحالفات أكثر سيولة.
** الانتخابات الفرعية في غورتون ودنتون تمثل مؤشراً مبكراً على نهاية حقبة هيمنة الوسط، وبداية مرحلة استقطاب أيديولوجي أكثر وضوحاً وحدّة، في بريطانيا كما في أوروبا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.