“فصائل إيران” في العراق تسلّم سلاحها للدولة: الوقائع والتحليل

د. محمد قواص- مركز تقدم للسياسات، لندن

تقدير موقف:

تقديم:
شهد العراق تحولاً بارزاً أعلنه الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، إضافة إلى صدور مواقف مرنة عن بعض الفصائل المسلحة المنضوية داخل “الإطار التنسيقي” الشيعي القريب من إيران. فقد أعلن قادة فصائل رئيسية تأييدهم لمبدأ “حصر السلاح بيد الدولة”، بما يعني تسليم أسلحتهم الثقيلة أو دمجها تحت سيطرة الحكومة. فما معاني هذا التحول وجديته وعلاقته بمآلات الحرب على إيران؟

أولاً: المعطيات:
• في السابع والعشرين من مايو 2026، أعلن الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر انفصال “سرايا السلام” التابعة له عن التيار الوطني الشيعي والتحاقها بالدولة المسؤولة عن التشكيلات العسكرية، مؤكداً أن الجهات المدنية للسرايا ستكون بلا سلاح ولا مقرات، ومعرباً عن أمله في أن تنفصل تشكيلات الحشد الشعبي عن “الأوامر الحزبية والطائفية”.
• قبل ذلك بيومين، في الخامس والعشرين من مايو، رصدت تقارير إعلان مجموعة من الفصائل المسلحة الشيعية العراقية الرئيسية موافقتها على حصر السلاح بيد الدولة، بما يعني تسليم أسلحتها الثقيلة أو دمجها بالكامل تحت سيطرة الحكومة والحشد الشعبي، وذلك في إطار تسويات سياسية واسعة مرتبطة بتشكيل الحكومة الجديدة.
• أفادت المصادر بأن الفصائل المتجهة للتخلي عن سلاحها هي عصائب “أهل الحق” بقيادة قيس الخزعلي، ومنظمة “بدر” بقيادة هادي العامري، وكتائب “سيد الشهداء”، وكتائب “ثأر الله”، وكتائب “الإمام علي”. في المقابل، تبرز من بين الفصائل الرافضة لنزع السلاح “حركة النجباء” و”كتائب حزب الله”، وهما جماعتان مدرجتان على لوائح العقوبات والإرهاب الأمريكية.
• على الصعيد الحكومي، منح البرلمان في الرابع عشر من مايو 2026 الثقة لحكومة علي الزيدي، الذي تعهد في خطاب التكليف بجعل حصر السلاح أولوية حكومية أساسية.

• تخلّل هذه التطورات حراك دبلوماسي واستخباري لافت. ففي التاسع عشر من أبريل 2026، تحدثت الأنباء عن زيارة غير معلنة لقائد فيلق القدس الإيراني اللواء إسماعيل قآني إلى بغداد، التقى خلالها قادة الفصائل والسياسيين بهدف تنسيق المواقف حول الحكومة الجديدة ومناقشة مستقبل الأسلحة، مع التأكيد على رفض “التدخل الأجنبي”.
• في المقابل، زار الجنرال ديفيد بيترايوس، المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، العراق قبل عشرة أيام، وأجرى محادثات يُعتقد أنها تتعلق بسلاح الفصائل، مع رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، ووزير الداخلية ومسؤولين آخرين.
• تزامن هذا كله مع تصاعد الخلافات داخل قيادات “الإطار التنسيقي” على خلفية مقترح أمريكي يتناول نزع سلاح الفصائل وإعادة ترتيب وضع “هيئة الحشد الشعبي” عبر الحل أو الدمج، وسط تسريبات عن مواعيد وخيارات مطروحة لما بعد عيد الأضحى، وضغط سياسي متزايد داخل التحالف الحاكم لتثبيت توازناته.

ثانياً: التحليل:
– الضغط الأمريكي بوصفه المحرك الأساسي.
يربط محللون موافقة الفصائل ارتباطاً وثيقاً بالضغوط الأمريكية المتواصلة على بغداد منذ بداية 2026، التي شملت عقوبات اقتصادية شاملة، ووقف شحنات الدولار، وتعليق التعاون الأمني، وربط أي دعم أمريكي بتقدم حقيقي في مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، فضلاً عن تهديدات بضربات عسكرية. وتنال هذه الضغوط من الفصائل مباشرة عبر فرض العقوبات على قادتها وكياناتها المالية، وتهديد تمويلات الحشد الشعبي، وربط الاستقرار الاقتصادي العراقي المعتمد على الدولار والنفط بتفكيك الأسلحة أو دمجها.

– أثر الحرب: إضعاف النفوذ الإيراني دون إنهائه.
يشكّل السياق الإقليمي العامل الحاسم في فهم هذا التحول. فالحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية 2025-2026 أضعفت نفوذ طهران في العراق نسبياً، وهو إضعاف لا يعني الإنهاء. وهذا التمييز جوهري لقراءة المشهد بدقة: فالنفوذ الإيراني لم ينهَر بل تراجع، ما أتاح لبغداد والفصائل هامشاً من المرونة لم يكن متاحاً من قبل، دون أن يلغي قدرة طهران على المناورة والاحتفاظ بأوراق ضغط.

ويتجلى هذا التوازن الدقيق في موقف طهران نفسها. فرغم تهنئتها الرسمية بحكومة الزيدي، أبدت تحفظاً واضحاً خلال زيارة قآني الذي حذّر من تجاوز “خطوط حمراء” في مسألة تفكيك الحشد، فيما تواصل الضغط خلف الكواليس للحفاظ على نفوذها غير المباشر. وهذا يكشف أن إيران انتقلت من سياسة الهيمنة المباشرة إلى سياسة الحد الأدنى الدفاعي، محاولةً حماية ما تبقى من نفوذها بدلاً من توسيعه.

– تقسيم الأدوار: بين الإعلان والتنفيذ.
لا ينبغي قراءة انقسام الفصائل بين قابل بحصر السلاح ورافض له بوصفه انشقاقاً عشوائياً، بل بوصفه تقسيماً محتملاً للأدوار. فبقاء “حركة النجباء” و”كتائب حزب الله” في موقع الرفض، وهما الأكثر ارتباطاً بطهران والأكثر استهدافاً بالعقوبات الأمريكية، يعكس استمرار رفض إيران تسليم أذرعها الصلبة سلاحها، في الوقت الذي تسمح فيه لفصائل أخرى بإبداء المرونة لامتصاص الضغط. وبهذا تحافظ المنظومة الموالية لطهران على قدرة ردع متبقية عبر فصائلها الأكثر صلابة، فيما تُجنّب نفسها المواجهة الشاملة عبر مرونة فصائلها الأخرى.

فيما تشكك مراجع سياسية عراقية بجدية موافقة الفصائل على تسليم السلاح، وتعتبرها مناورة سياسية لامتصاص الضغط، مع احتمال الاحتفاظ بمخازن سرية. وهذا التشكيك مشروع منهجياً، إذ إن الفجوة بين الإعلان السياسي والتنفيذ الفعلي تظل واسعة في بيئة بالغة التعقيد. فجدية التنفيذ مرهونة بقدرة حكومة الزيدي على فرض قراراتها وسط توازنات دقيقة، وبمآلات الصراع الإقليمي، وبمدى استمرار الضغط الأمريكي بالوتيرة ذاتها.

الخلاصات:
• يمثّل قرار مقتدى الصدر إلحاق “سرايا السلام” بالدولة العراقية تتويجاً لموقف طالما دعا إليه في انتقاده لظاهرة الفصائل المزروعة، ويؤكد من خلاله على حصرية امتلاك التشكيلات العسكرية بيد الدولة وإمرتها، ملمّحاً إلى أن الحشد الشعبي يأتمر بالأحزاب الطائفية لا بالدولة.
• يأتي قرار الصدر ليؤكد سياقاً أوسع يتمثل في قبول فصائل مسلحة من داخل “الإطار التنسيقي” القريب من طهران مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، في تحول لافت عن مواقفها التاريخية.
• يكشف رفض فصائل أخرى موالية لإيران تسليم سلاحها عن استمرار رفض طهران التخلي الكامل عن أذرعها الصلبة، في ما يشبه تقسيماً للأدوار يجمع بين المرونة التكتيكية والاحتفاظ بقدرة الردع.
• تقف الضغوط الاقتصادية والأمنية الأمريكية وراء مرونة الفصائل، وقد تعزّزت فاعليتها بنجاح واشنطن في إبعاد مرشح الفصائل نوري المالكي ودعم علي الزيدي، بما منح واشنطن رافعة داخل البنية الحكومية ذاتها لا خارجها فحسب.
• تضع واشنطن العراق تحت مجهر ضغط متعدد الأدوات، تجلّى في مهمة الجنرال بيترايوس لمعالجة ملف الفصائل والسلاح ومستقبل ارتباط بغداد بطهران، في مؤشر على أولوية هذا الملف في الاستراتيجية الأمريكية.
• تظل جدية التنفيذ موضع تشكيك مشروع، إذ ترجّح مراجع عراقية أن ما يجري مناورة لامتصاص الضغط مع احتمال الاحتفاظ بمخازن سرية، وأن المآل الأرجح هو إعادة تموضع استراتيجي لا نزع كامل للسلاح.
• يبقى نجاح هذا التحول مرهوناً بقدرة حكومة الزيدي على فرض قراراتها وسط توازنات دقيقة، وبمدى استمرار الضغط الأمريكي، وبمآلات الصراع الإقليمي الأوسع.
• يُعدّ هذا التحول في مجمله تعبيراً عن ديناميكيات ما بعد الحرب الإقليمية، إذ يحاول العراق بناء توازن سيادي بين النفوذين الأمريكي والإيراني، وسط جدية تنفيذ محدودة تتوقف على التطورات المستقبلية أكثر مما تتوقف على الإعلانات الراهنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.