فرنسا تعلن التجنيد التطوعي: هل تفرض أوروبا التجنيد الإجباري؟

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات

تقدير موقف:

تقديم:في 27 نوفمبر 2025، كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخطوط العريضة للخدمة العسكرية التطوعية، معلنا إدخال “خدمة مدنية تطوعية” و”عسكرية بحتة” لمدة عشرة أشهر، والتي ستتم “حصريا على التراب الوطني”.

في المعطيات:
-أعلن ان الخطة تهدف إلى “تلبية احتياجات القوات المسلحة” في مواجهة التهديدات الروسية وزيادة مخاطر اندلاع نزاع.
-أشار إلى أن المتطوعين سيخدمون “على الأراضي الوطنية حصرا”، بعد أن أكد في 25 نوفمبر 2025 أن الأمر لا يتعلق “بإرسال شبابنا إلى اوكرانيا”.

-قال مراقبون إن هذه التصريحات هي محاولة لإنهاء الجدل السياسي الذي أثاره رئيس أركان القوات المسلحة الجنرال فابيان ماندون عندما قال مؤخرا إن فرنسا يجب أن تكون مستعدة “لقبول فقدان أبنائها”.
-في 22 نوفمبر 2025، جدد الجنرال الفرنسي التأكيد على مواقف أدلى بها عن خطر الحرب في اوروبا بعدما استنكرها عدد من المسؤولين في المعارضة، مشددا على أن القوات المسلحة الفرنسية “مستعدة”، وأن الهدف كان “التحذير والاستعداد”.
-في 18 نوفمبر 2025، اعتبر ماندون أنه من الضروري أن تستعيد البلاد “قوتها المعنوية لتقبل (فكرة) أننا سنعاني من أجل حماية هويتنا” وأن تكون مستعدة “لقبول فقدان أبنائها”.

-لفت خبراء عسكريون إلى انه لمواجهة التهديد الروسي، فتحت دول أوروبية أخرى مثل بلجيكا وهولندا وألمانيا الباب أمام صيغ متعددة من التجنيد.
-في نهاية أغسطس 2025، أقرت الحكومة الألمانية قانونا لإعادة فتح المجال للخدمة العسكرية التطوعية. ومن المقرر أن يستطلع عام 2026 رأي الشباب البالغين من العمر 18 عاما لتقييم مهاراتهم ومدى اهتمامهم بالانضمام إلى الجيش الألماني.
-تخلت الدول الأوروبية عن هذا النظام في التسعينيات (فرنسا وبلجيكا وهولندا) وفي عام 2000 (إسبانيا وسلوفينيا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا والمجر والبرتغال وإيطاليا ورومانيا وبلغاريا وألمانيا)، فيما لم تطبق دول مثل إيرلندا ومالطا الخدمة العسكرية الإلزامية أبدا.

-تلفت المصادر إلى أن 6 دول داخل الاتحاد الاوربي حافظت على الخدمة العسكرية الإجبارية وهي: النمسا وقبرص والدانمارك وإستونيا وفنلندا واليونان، حيث يسري العمل بالتجنيد الإجباري منذ الحرب العالمية الأولى. وإلى أنه جانب هذه الدول الست، قررت 4 دول أخرى إعادة العمل به في السنوات الأخيرة أمام تزايد عدم الاستقرار الجيوسياسي.
-في عام 2014، اتخذت ليتوانيا قرارا بإعادة العمل بالتجنيد الإلزامي بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم. وأصبحت الآن مدة الخدمة العسكرية 9 أشهر للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و26 عاما.

-في عام 2024 أعادت دولتا البلطيق لاتفيا وإستونيا التجنيد الإجباري بشروط مماثلة لتلك التي طبقتها جارتهما ليتوانيا.
-في عام 2017 أعادت السويد فرض الخدمة العسكرية، وتتراوح مدتها بين 9 و 15 شهرا، ولا تشمل الخدمة سوى أقلية صغيرة يتم اختيارها على أساس الكفاءة والحماسة.

-تلفت جهات بحث أن كرواتيا ألغت العمل بنظام التجنيد الإجباري عام 2008، أي قبل عام من انضمام البلاد إلى حلف شمال الأطلسي، لكنها ستعود إلى تفعيل الخدمة العسكرية إلزامية مجددا ابتداء من عام 2026. وسيتم استدعاء سنويا حوالي 18000 شاب بدءا من سن الـ 18 لتلقي تدريب لمدة شهرين.
-في عام 2024، طرحت بريطانيا هذه المسألة للدرس بعد تصريحات رئيس أركان الجيش التي دعا فيها إلى “اتخاذ تدابير تحضيرية لوضع مجتمعاتنا في حالة استنفار”. وكان تم التخلي عن التجنيد الإجباري في البلاد عام 1960.
-تؤكد معطيات أن لا خطط لحكومة كير ستارمر في لندن لإعادة العمل به في الوقت الحالي، لكنها تعهدت بزيادة نفقات الدفاع في البلاد إلى 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بعد عام 2029، مقابل 2.3 بالمئة حاليا.
-في سويسرا يتعين على جميع الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما أداء الخدمة العسكرية.
-يعزو باحثون ميل أوروبا إلى إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي إلى ما تعتبره تهديدا روسيا مع احتمال توسع حرب أوكرانيا لتطال سيادة وأمن دول القارة.

-تقوم هذه الهواجس على اعتقاد بأن سقوط أوكرانيا سيؤدي إلى مهاجمة روسيا دول البلطيق أو بولندا أو غيرها إذا شعرت بضعف الناتو.
-يعترف خبراء اوروبيون في الشؤون العسكرية أن حرب أوكرانيا كشفت عن نقص حاد في عدد الجنود المتطوعين وأن الجيوش الأوروبية تعاني من نقص كبير في عديدها حتى بعد رفع الرواتب وتحسين الظروف.
-تقول تقارير أن عديد الجيش البريطاني قد ينخفض إلى أقل من 70 ألف جندي لأول مرة منذ قرنين، وأن ألمانيا لديها 18-20 بالمئة من الوظائف العسكرية شاغرة، وأن سويسرا وألمانيا والمملكة المتحدة خفضت معايير التجنيد لجذب المزيد، لكن دون جدوى كافية.

-يلفت ضباط أوروبيون إلى الحاجة إلى احتياطي مدرب كبير وقابل للتعبئة السريعة، معتبرين ان الجيوش المهنية الصغيرة ممتازة في العمليات الخارجية، لكنها غير كافية للدفاع عن الأراضي الوطنية في حرب طويلة الأمد مثل أوكرانيا.
-يرى هؤلاء أن التجنيد يسمح بتدريب عشرات الآلاف سنوياً ويخلق احتياطياً يُعبَّأ في أيام، فيما تؤكد مصادر فنلندا والسويد ودول البلطيق أن هذا النموذج هو الوحيد القادر على ردع هجوم روسي تقليدي كبير.
-تقول جهات بحث إن هذا الاجراء قد يكون مكمّلا أو بديلا لضغط الناتو وزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2 بالمئة (ترامب يطالب بـ 5 بالمئة). تلفت التقارير إلى أن العديد من الدول لم تصل بعد إلى هذه النسبة في الإنفاق، وترى أن التجنيد هو أقل كلفة وأكثر سرعة لزيادة العدد دون إنفاق هائل.

خلاصة:
**يعبّر القرار الفرنسي بفتح التجنيد العسكري التطوعي عن خطط مستقبلية لمواجهة ما تعتبره فرنسا وأوروبا تهديدا روسيا مباشرا يحتاج إلى استعدادات حقيقية.
**يكشف حديث رئيس الأركان الفرنسي عن ضرورة تقبل الفرنسيين لفقدان ابناء لهم، عن تحوّل استراتيجي للجيش الفرنسي يعتبر الحرب مع روسيا حتمية.
**يمهّد التحوّل الفرنسي لتسريع تحوّلات مماثلة داخل بلدان الاتحاد الأوروبي تأخد أبعادا أكثر راديكالية، لاسيما في بلدان شرق أوروبا المحاذية لأوكرانيا.
**تميل كافة دول أوروبا إلى العودة إلى تفعيل أنظمة التجنيد العام بصيّغ مختلفة، بما في ذلك التجنيد الإجباري.
**تعتبر بعض الدول غير القادرة على رفع نسبة مساهماتها المالية داخل الناتو أن التجنيد الإجباري أقل كلفة وأكثر كفاءة لتعزيز دفاعاتها.
**مع إقرار العسكريين بكفاءة الجيوش المحترفة ذات الاختصاصات الحديثة، إلا إنهم يقرون أن تلك الجيوش عاجزة عن ردّ حرب روسية طويلة الأمد.
**يعتبر خبراء الدفاع أن لجوء دول أوروبية إلى التجنيد الإجباري سيكون الأداة الفاعلة الوحيدة لمواجهة النقص في عديد الجيوش.
**يرى أكاديميون أن اعتماد سياسة التجنيد الاجباري ما زال متدرجا داخل أوروبا، لكنه قد يصبح شاملا بالنظر الى تغير قواعد الأمن المعتمدة منذ الحرب العالمية الثانية وظهور انكفاء أميركي عن تولي الدفاع عن أوروبا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.