فرنسا تحسم خيارها: المغرب بوابة أفريقيا
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف:
بعد فقدان كثير من علاقاتها ونفوذها في أفريقيا، يُمثّل الإعلان عن معاهدة استراتيجية بين فرنسا والمغرب تطوّراً يعكس تحوّلاً جذرياً بدأته باريس في علاقتها مع الرباط، برفعها إلى مستوى أولوية استراتيجية كمدخل جديد إلى القارة الأفريقية.
أولاً: المعطيات:
• في العشرين من مايو 2026، أعلن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الفرنسي جان-نويل بارو، خلال مؤتمر صحفي مشترك في الرباط، عن زيارة دولة مبرمجة للملك محمد السادس إلى باريس، ستشهد توقيع “المعاهدة المغربية الفرنسية”.
• وصف بوريطة المعاهدة بأنها “حدث سياسي وقانوني وتاريخي غير مسبوق”، وأكد الجانب الفرنسي أنها أول معاهدة تبرمها فرنسا مع دولة من خارج أوروبا، وتهدف إلى وضع إطار استراتيجي للعلاقات بين البلدين يمتد على مدى العقود المقبلة. وهي في الوقت ذاته أول معاهدة يبرمها المغرب مع دولة أوروبية بهذا المستوى.
• تأجّلت زيارة العاهل المغربي عدة مرات، وكانت متوقعة في أعقاب زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرباط في أكتوبر 2024، حين أُعلنت “الشراكة الاستثنائية المعززة” ووُقّعت اثنتان وعشرون اتفاقية بقيمة إجمالية تبلغ نحو عشرة مليارات يورو، شملت مجالات الدفاع والطيران والاقتصاد والأمن.
• في الثامن والعشرين من أكتوبر 2024، شكّلت زيارة ماكرون إلى المغرب نقطة تحوّل كبرى، مع إعلان فرنسا اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، مما أسهم في تحسين العلاقات بين البلدين بشكل ملحوظ.
• جاء الإعلان عن المعاهدة بعد أيام قليلة من زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر، التي ركّزت على تعزيز التعاون القضائي والأمني ومعالجة ملفات عالقة من بينها استرداد الأموال المنهوبة، واعتُبرت خطوةً نحو انفراج تدريجي في علاقات البلدين.
• تُشير مصادر مغربية إلى أن لزيارة العاهل المغربي إلى فرنسا بُعداً جيوستراتيجياً، في ضوء ما فقدته فرنسا من نفوذ ومصالح في أفريقيا، وأن باريس، كما أعلن ماكرون، تسعى إلى العودة إلى أفريقيا من خلال الاستثمار في الأقاليم الجنوبية المغربية والمبادرة الأطلسية الأفريقية التي أطلقها العاهل المغربي.
• ترجّح المصادر ذاتها أن فرنسا والاتحاد الأوروبي مهتمان بتطوير علاقتهما مع أفريقيا عبر المغرب، الذي يمتلك شبكة علاقات واستراتيجيات راسخة في القارة لا سيما في شمالها وغربها، مما يعني أن المعاهدة تُصحّح حالة الخلل في العلاقات التجارية الفرنسية الأوروبية مع أفريقيا وترسي قواعد جديدة لتلك العلاقة.
• تُقرّ مصادر فرنسية بأن باريس أعادت مراجعة سياساتها الأفريقية بعد إدراكها حجم الضرر الذي سبّبته سياساتها السابقة وما أفضت إليه من خسائر في أفريقيا، وأن المغرب الذي يمتلك أكبر حجم استثمارات في غرب أفريقيا هو البوابة الأنسب للعودة إلى القارة.
• تلفت مصادر مغربية إلى أن المعاهدة مع فرنسا تقوم على تحوّلات في العقيدة الدبلوماسية للرباط خلال السنوات الأخيرة، تجلّت في الانتقال من علاقة احتكارية مع فرنسا نحو تنويع الشراكات، طال الولايات المتحدة لا سيما في قضايا الدفاع والأمن، والصين والهند وغيرهما في مجالات التجارة والاستثمار.
• تقول مصادر أوروبية إن التحرّك الفرنسي الأوروبي يقوم على استيعاب التحوّلات الدولية، سواء في توتّر العلاقات مع واشنطن أو إعادة قراءة العلاقة مع موسكو أو تنامي النفوذ الصيني في العالم، بمعنى أن باريس وحلفاءها باتوا أمام حاجة ملحّة للتحرك لضمان مصالحهم العالمية، وأفريقيا ركيزة أساسية في هذا السياق.
• تُؤكد مصادر مغربية أن المغرب لن يضطلع بدور العراب للعلاقات الفرنسية الأفريقية، لكن المبادرات التي يطرحها المغرب لأفريقيا قد تكون مدخلاً للقارة إذا ما غيّرت فرنسا وأوروبا ودول أخرى ثقافتها السياسية تجاهها، في اتجاه الاستثمار الحقيقي بديلاً عن الاستغلال.
• تُشير المعلومات إلى أن التحضير لهذه المعاهدة بين فرنسا والمغرب جرى قبل اندلاع التطوّرات الأمنية الأخيرة في مالي.
• تعتبر مصادر مغربية أن علاقات البلدين يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول المتنافسة في أفريقيا، كالولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا وإسرائيل وغيرها.
ثانياً: التحليل:
• يرى محللون أن للمعاهدة معانٍ ودلالات أبرزها أنها تُمثّل ترقية نوعية للعلاقات من شراكة عادية إلى إطار استراتيجي طويل الأمد يشمل التعاون السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي.
• تعكس المعاهدة تحوّلاً جيوسياسياً في شمال أفريقيا، إذ تختار فرنسا تعميق شراكتها بشكل استثنائي مع المغرب الذي يُمثّل شريكها الاقتصادي الأول في أفريقيا.
• اعتبر مراقبون أن المعاهدة الفرنسية المغربية تتناقض مع مسار العلاقات الفرنسية الجزائرية، إذ تُعمّق فرنسا شراكتها الاستراتيجية مع المغرب بما في ذلك دعمه في ملف الصحراء، في حين تكتفي مع الجزائر بتهدئة محدودة عبر تعاون أمني وقضائي.
• يُعزز البُعد الأوروبي للمعاهدة موقع المغرب الدولي لا سيما في أفريقيا، من خلال اعتماد مبادراته الأفريقية إطاراً للانخراط الأوروبي في القارة، كما قد يُشجّع دولاً أفريقية أخرى على تعميق شراكاتها مع المغرب.
• يُلفت خبراء في الشؤون الأفريقية إلى أن معاهدة بين دول مستقرة ستصطدم بواقع الدول غير المستقرة والمتقلّبة في أفريقيا، الذي يُتيح دخول لاعبين كثر إلى المنطقة مما يُفاقم من عدم الاستقرار ويضع حدوداً فعلية لمفاعيل المعاهدة.
• يتساءل خبراء في الشؤون الأفريقية عمّا إذا كانت القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح في أفريقيا ستُفسح المجال لهذا الاستثمار الفرنسي المغربي أم أنها ستعمل على فرض شروط وشراكات مضادة.
• يعترف خبراء بعدم وجود يقين بشأن استعداد دول غرب أفريقيا التي ساءت علاقاتها مع فرنسا لتحسين تلك العلاقات، سواء عبر المغرب أو في ظل زخم المعاهدة، على الرغم مما تمتلكه الرباط من علاقات واسعة في تلك المنطقة.
• قد تكون للمعاهدة مفاعيل في موازين القوى لا سيما في منطقة الساحل، فيما قد تتعارض مع مسار تحسين العلاقات الفرنسية الجزائرية وقد تستدرج توجّس دول جوار المغرب.
خلاصة
• تُمثّل المعاهدة الاستراتيجية بين فرنسا والمغرب سابقة بين دولة أوروبية ودولة أفريقية، وتكشف عن حسم باريس لخياراتها لصالح المغرب في شمال أفريقيا.
• تسعى فرنسا، بعد مراجعة سياساتها السابقة، إلى ترميم علاقاتها مع أفريقيا من خلال بوابة المغرب وعلاقاته مع دول القارة.
• تعزّز المعاهدة ببُعدها الأوروبي موقع المغرب الدولي لا سيما في أفريقيا، من خلال اعتماد المبادرات المغربية الأفريقية.
• تقوم المعاهدة على تنوّع علاقات المغرب مع العالم لا على احتكارها القديم مع فرنسا، وعلى قراءة فرنسية واعية للتحوّلات الدولية الراهنة.
• تقوم المعاهدة على اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء، مما يُعزز موقف الرباط الدولي في هذه المسألة.
• لن يكون المغرب راعياً لعلاقات فرنسا الجديدة مع أفريقيا، لكنه سيكون مدخلاً لها بناءً على تغيير في الثقافة السياسية الفرنسية حيال القارة.
• يرتبط نجاح المعاهدة باستيعابها للمنافسة الدولية داخل القارة ووجود لاعبين إقليميين ودوليين يُواكبون هذه المعاهدة أو يعرقلونها.
• قد يكون للمعاهدة تداعيات على توازن القوى في منطقة الساحل، علماً بأن التحضير لها سبق أحداث مالي الأخيرة.
• قد تتعارض المعاهدة الاستراتيجية مع مسار تحسين العلاقات الفرنسية الجزائرية، وقد تستدرج توجّس دول جوار المغرب.