“فانو” حراك للامهرا في اثيوبيا: بين وصمة قطاع الطرق واستدعاء الماضي

علي هندي ، وحدة دراسات القرن الافريقي، مركز تقدم للسياسات

ملخص تنفيذي

ظهر اسم مليشيات “الفانو” بشكل قوي اثناء الحرب الاهلية الاثيوبية الاخيرة ، حيث قاتل افراد هذه المليشيات الى جانب الجيش الاثيوبي الحكومي لوقف تقدم قوات دفاع تيغراي التي سيطرت على مناطق واسعة في اقليم الامهرا وكانت تزحف باتجاه العاصمة اديس ابابا. بات اسم فانو يتردد في المقام الاول بين اوساط الامهرا حلفاء رئيس الوزراء ابي احمد في حربه ضد جبهة تحرير تيغراي، وبدا بعضهم يمنون انفسهم بعودة حراك الفانو الذي اقترن بوحدة صف الامهرا وكان الذراع التي تصدت لاعدائهم واالدائرة التي جمعتهم حولها للتغلب على الازمات التي واجهوها على مر السنين. وقف الحراك السياسي للامهرا وراء ابي احمد وايد سياسته في تقويض منظومة حكم الفيدارلية الاثنية وتحجيم حراك التيغراي السياسي . لكن التطورات الأخيرة تحمل في طياتها مخاطر انفراط عقد تحالفهم مع الحكومة المركزية في اديس ابابا ، في ظل اصرارهم على استمرار الحرب ضد قوات التيغراي وإقاليم أخرى في بني شنقول واوروميا بحجة استرداد المناطق التاريخية للامهرا ورسم الحدود الجديدة للإقليم وقوميته التي تشكل نحو ثلث السكان ، وشكلوا عموده الأساس ، الثقافي واالديني واللغوي . فمن هم الفانو القوة المسلحة الصاعدة على حساب كل القوى الأخرى في إقليم الامهرا ؟

الفانو تاريخيا :

قرر الامبراطور منيليك الثاني مؤسس اثيوبيا الحديثة نقل عاصمته الى اديس ابابا من غوندر عاصمة اباطرة الامهرا الذين تعاقبوا على الحكم مع اباطرة اكسوم من التيغراي. كان هدفه الاساس هو إبعاد حاضرة الدولة الجديدة عن مناطق اضحت برمزيتها التاريخية والدينية بؤرة للصراعات، ترتب على ذلك تسليم ادارة تلك المناطق الى امراء و ملوك الولايات وتسليمهم ارثا من الصراعات حول ملكية شريط يمتد من مناطق البني شنقول في الشمال الغربي الي حدود ارتريا وهو شريط تقع فيه اخصب الاراضي الزارعية في اثيوبيا . ويقول الامهرا ان اراضي التيغراي لا تقع ضمن هذا الشريط وان اراضي الامهرا تشمل منطقة الولقايت والرايا ( خريطة 1) وان التيغراي استندوا الى انفرادهم بالسلطة بعد عام 1991 وقاموا بتحديد حدود الاقاليم ليستحوذوا على أراض تابعة للامهرا كما توضح خريطة تقسيم الاقاليم في عهد الحكومات السابقة ،( خريطة 2) . وبهذا يحققون هدفهم وهو ايجاد امتداد لهم وصولا الى الحدود السودانية ، يكون منفذا لهم في حال نشب صراع بينهم وبين المكونات الاخرى في اثيوبيا. ان انتقال مركز الدولة الى الجنوب فتح المجال الى عودة عصابات قطاع الطرق والذين يطلق عليهم في اثيوبيا كلمة “شفتا” ، وقيام بعض امراء المناطق ، بعقد صفقات مع تلك العصابات بدلا من محاربتها ، لان اعدادها كانت كبيرة خاصة في بعض الفترات التي شهدت ركود اقتصاديا كبيرا جراء عواقب الحرب العالمية الاولى . ترتب على تلك الصفقات تولي هذا العصابات حماية المزارعين الذين يعملون في اراضي الاقطاعيين من الامراء والملوك وبطانتهم الامر الذي تطور ليشمل مناطق الفشقة السودانية التي تسببت حيازات بعض الاثيوبيين لاراضي شاسعة فيها الى صراع بين عصابات الشفتا التي تحمي اولئك الملاك وبين سكان الارض والذي تحول الي صراع يهدد باشعال حرب بين اثيوبيا والسودان.
بعد اخر في تاريخ هذه الجماعات ، يكمن في ان المقاومة التي قادها الاثيوبيون ضد الاحتلال الايطالي ، أعادت لبلدهم ذاكرة بطولات الفانو ، فتباهت جيوب المقاومة التي انتشرت في الاقاليم الشمالية بانتمائها لارث الفانو، وبدأ الاثيوبيون بترديد الاشعار التي تتغني ببطولات الذين حملوا السلاح من اجل دحر الظلم. من هنا جاء الاجماع على ان كلمة “فانو” ترمز الي كل من حمل السلاح للوقوف بوجه الظلم. وبعد انتهاء الحرب وعودة الامبراطور هيلاسلاسي الي حكمه ، قلد بعض قادة المقاومة اوسمة ومنحهم امتيازات شملت مناصب في الدولة واراضي زراعية شاسعة، ولكن ظلت مشكلة ” الشفتا ” تبحث عن حل دائم لها في ظل استمرار الصراعات على ملكية الاراضي بين التيغراي والامهرا من ناحية وبين الامهرا والبني شنقول من ناحية اخرى، كما ان مشكلة ادارة الاراضي والمحاصيل الزراعية الوفيرة من قبل الدولة المركزية ، ابقى الحاجة الى خدمات تلك العصابات قائما، فعاد نشاطها وبقوة في ستينيات القرن الماضي ، ومنذ ذلك الحين ووجودها وقوتها يظهر فترة ويختفي في فترات اخرى.

إثر المظاهرات التي اندلعت في العام 2008 تبنت مجموعة من الامهرا في مناطق غوجام وغوندر حراكا اطلقت عليه “حراك الفانو” تزامنا مع الحراك الشبابي الاورومي الذي اطلق عليه اسم “قيرو”. وكان لهذه الخطوة وقعها الذي ازداد مع مرور الوقت ليعيد تشكيل ذاكرة الامهرا ويدفعهم بتبني طرح قومي وجد في اول الامر مقاومة شرسة بحجة ان الامهرا هم اثيوبيا وانه يتوجب عليهم تبني اجندة الدولة وليس سواها، ولكن ومع تحول المواجهة مع التيغراي الى صراع خارج اداوت الدولة ومظلتها ، صار لطرح الفانو قيمة وأهمية في توحيد صفوف الامهرا وقيادتهم للحفاظ على الدولة الاثيوبية، ولما كان طرح الفانو قد اصبغ بالصبغة القومية بات واضحا انه لن يتنازل عن حماية مصالح الامهرا على حساب الدولة الاثيوبية.

فصائل الفانو:

يقول قائد قوات شعب الامهرا ، ان هذه القوات تتكون من اربع فصائل تحمل اسم فانو وهي منتشرة في مناطق متفرقة من اقليم الامهرا، وهي قوات فانو غوندر وقوات فانو وللوا وقوات فانو شوا وفانو غوجام . ويقول رئيس قسم التعليم والعلاقات العامة في قوات فانو ، ان قواته في الفصائل الأربعة قررت انشاء تحالف اطلقت عليه تحالف فانو شرق الامهرا ولكن ووفقا لقائد قوات فانو في وللوا ، مسجانا دسيي ، ان كل الفصائل التي تقاتل تحت اسم الفانو لم تتوصل بعد الي تشكيل قيادة مشتركة لها وان كل المحاولات الحالية هي مجرد تنسيق ساهمت في انجاح بعض العمليات العسكرية. كما اتهم دسيي الحكومة بعرقلة كل المحاولات التي تمت من اجل توحيد فصائل الفانو معللا ذلك بانعدام الرغبة لدى الحكومة في اعادة ملكية منطقة الولقايت ورايا للامهرا. لكن فصيل فانوا في منطقة ” وللو “قد يواجه تحديات اكبر من تلك التي تواجهها الفصائل الاخرى، ذلك ان منطقة “وللو” التي تقع على الطريق الذي يربط عاصمة تيغراي مقلي وتحاذي الاقليم العفري، تشهد صراع ملكية من مجموعتين هما مجموعة القمنت والاغوا ، والذين يدعون ، ان الحاقهم في اقليم الامهرا كان ظلما وانهما ينتميان لعرقية مختلفة ، وان اندثار لغاتهم لم يكن الا نتيجة لهيمنة ثقافة الامهرا على الثقافات الأخرى. وتتبني مجموعات لا تحمل في الوقت الراهن ثقلا سياسيا مؤثرا مطالب هاتين المجموعتين وقد انضما الي تحالف القوي السياسية والمسلحة ضد الحكومة الاثيوبية.

موقف الحكومة:

قدمت قوات الدفاع الحكومية دعما عسكريا لفصائل الفانو التي تعمل ضمن تحالف فانو شرق الامهرا وذلك عقب توغل قوات تيغراي في بعض مناطق الاقليم. ولكن قائد قوات فانو في “وللوا ” يقول انه تحتم على قواته الاعتماد على التسليح الذاتي. وبعد نهاية المعارك التي شهدت تراجع قوات دفاع تيغراي الى داخل حدود الاقليم شهدت العلاقة بين الحكومة وبين قادة المليشيات توترا انعكس على الحكومة المحلية لاقليم الامهرا والحكومة المحلية لاقليم الاورومو. فقد قابلت حكومة اقليم الامهرا دعوة الحكومة بضرورة نزع سلاح فصائل الفانو بالاستهجان وقالت اننا لن نطالبهم بتسليم سلاحهم ولكننا في نفس الوقت لن نقوم بمنحهم السلاح او توفير التدريب لهم.****

دفع ذلك بحكومة اقليم الاورومو الي اتهام حكومة الامهرا وميليشيات الفانو بالهجوم على مناطق بالقرب من الحدود بين شمال “شوا” الامهرية ومنطقة شوا الشرقية بولاية أوروميا . كما اتهمت حكومة اقليم الاورومو الفانو بالوقوف وراء قتل مدنيين وحرق ممتلكات في اربع مناطق في منطقة “ولغا” ومنطقة غرب شوا، وبدروها اتهمت حكومة اقليم الامهرا قوات جيش تحرير الاورمو الذي يعرف بـ “شني” بالوقوف وراء الهجمات التي تعرضت لها مناطق في إفراتا وغديم وريديس في شمال “شوا” بولاية أمهرا.

وينذر الصراع بين الحكومة وفصائل الفانو من جهة وصراع الفانو مع قوات تيغراي وجيش تحرير الاورومو من جهة أخرى ، الي توسع دائرة القتال لتشمل عمق مناطق الامهرا وهي المناطق الواقع حول بحيرة تانا حيث تقع غوندر برمزيتها التاريخية والدينية في شمال البحير ، وتقع “بحر دار” حيث العاصمة السياسية للامهرا جنوب البحيرة ، وكلا المدينتين يعتبرهما الامهرا الشريان الذي يمتد الي الحدود الارترية والذي يشمل مناطق ضمها التيغراي لهم عنوة والتي من دونها لن يكون للامهرا قيمة تذكر.

خلاصة:

شكلت قومية الأمهرا العمود الفقري لقيام الدولة الاثيوبية وفرضت ثقافتها ولغتها وروايتها التاريخية للدولة، باعتبارها الممثلة الرئيسية للمصالح المشتركة للمجموعات العرقية المختلفة ، ولا تزال هذه القومية تتسم بغياب الوضوح الأيديولوجي والحصن المؤسسي الذي يمكن الاعتماد عليه في تشكيل رؤية جديدة تتلائم مع الحاجات الضرورية لتعديل شكل وطبيعة النظام السياسي ، فتحولوا بهذا الطرروحات القومية المتعصبة والمنغلقة على ذاتها من حامل لفكرة الدولة المركزية بدل فيدرالية القوميات الى قومية تتحدث عن عقدة الاقصاء ومظلومية التهميش وفقدان الأرض. وتشير الصراعات التي بدات بين مكونات القوى السياسية والاجتماعية داخل قومية الامهرا ، الى انها باتت تفتقد الى قاعدة اجتماعية متماسكة ، شكلت على الدوام الأساس المتين لوحدة واستمرار الدولة الاثيوبية.

ان اعتلاء قادة الفانو القوميون المشهد ومحاولة ملء الفراغ الذي يشكله تضاؤل حجم تمثيلهم ودورهم في الدولة لصالح العدالة مع القوميات الأخرى، يضع القومية الثانية والاساسية في البلاد، في مواجهة مع قوميات كبرى الى جوارها. لهذا تقول المصادر المختلفة ان التحالف المصلحي الاضطراري بين الفانو والحكومة الارترية والذي يضع الامهرا في مواجهة التيغراي، من شأنه ان يطيل امد الحروب الداخلية ووقف عجلة التنمية وفتح الأبواب للتدخلات الخارجية المختلفة، فالقارب الارتري الذي لجأ اليه قادة الفانو مهدد بالغرق. ولكن في حال نجاح الحراك السياسي الامهري في توحيد التمثيل والاستفادة من مقدرات الدولة، فان فرصة نجاح الإصلاحات السياسية الكبرى التي يقودها رئيس الوزراء ابي احمد تصبح اكبر ، خاصة وان مفاصل الدولة الأساسية في جزء كبير منها تقوم على نخبة مهمة من قومية الامهرا .

توتر العلاقة بين الحكومة المركزية وقوات الفانو يحمل في طياه مخاطر كبرى على مستقبل الدولة الاثيوبية ووحدتها ، ويمكن ادراج التحالف المصلحي بين هذه الميليشيات والحكومة الارترية والدعم العسكري واللوجستي الكبير الذي تقدمة لهم ، في حربهم ضد التيغراي ، يهدد مستقبل العلاقة التي نشأت بين اثيوبيا وارتريا بعد توقيع اتفاقية السلام وانهاء حالة العداء بين البلدين عام 2018 .ولن يتوقف التوتر وعودة نذر الحرب على هذا الجزء من اثيوبيا بل سيمتد الى الجوار ، فالغام التوترات العرقية والحدودية التي خلفها الاستعمار ، لازالت تحت الرماد ومن شان انفراط عقد الاستقرار والسلام في بلد كبير مثل اثيوبيا ان يفتح الباب لصراعات كبرى وتدخلات اجنبية وإقليمية .

• خريطة 1 منطقة الولقيات محل صراع بين الامهرا والتجراي

• خريطة 2 وتوضح تقسيم الاقاليم في عهد هيلاسلاسي ومنجستو وهي تدعم حجة الامهرا في ملكية منطقة ولقايت ورايا

https://www.ezega.com/News/NewsDetails/7856/Fano-Will-Not-Lay-Down-Arms-If-Demands-Are-Not-Met-Chairman

**https://amharaonline.org/%E1%8D%8B%E1%8A%96-%E1%88%B5%E1%88%88-%E1%8A%A0%E1%8B%B2%E1%88%B5-%E1%8A%A0%E1%89%A0%E1%89%A3-%E1%8C%89%E1%8B%B3%E1%8B%AD%E1%8A%93-%E1%88%B5%E1%88%88-%E1%88%AB%E1%8B%AB-%E1%8C%89%E1%8B%B3%E1%8B%AD/

***https://www.eurasiareview.com/02022022-fano-a-living-saviour-of-the-amhara-people-and-the-ethiopian-spirit-analysis/

****https://www.bbc.com/amharic/61244459

*****https://addisstandard.com/news-amhara-state-cautions-individuals-to-register-private-weapons-within-four-days/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.