غزة في حسابات معهد الأمن القومي الإسرائيلي: الفراغ الاستراتيجي وخيار التجزئة

أمير مخول — مركز تقدم للسياسات

تقديم:

أصدر المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي في الثامن عشر من أيار 2026 ورقة سياسات بعنوان “البدائل لقطاع غزة بعد الحرب مع إيران”، أعدّها الباحثان عوفر جوترمان وأودي ديكل. تنطلق الورقة من فرضية أن الاهتمام الأمريكي والإقليمي والإسرائيلي سيعود إلى قطاع غزة بمجرد انحسار الحرب على إيران، حتى في ظل التوترات وحالة الترقب القائمة. ويُبدي المعهد قلقاً بالغاً إزاء الفراغ الاستراتيجي الذي نشأ في غزة جراء انشداد الأنظار نحو إيران ولبنان، وهو الفراغ الذي استثمرته حركة حماس بصورة كاملة، رافضةً نزع سلاحها ضمن الجدول الزمني المحدد بستين يوماً، ومتجاهلةً خطة نيكولاي ملادينوف المسؤول التنفيذي لمجلس السلام، في سياق مساعيها لاستعادة الحكم والسيطرة المنهجية على المساعدات الإنسانية بوصفها ركيزةً مادية لترسيخ نفوذها.

قراءة:

يرى المعهد الإسرائيلي أن للسلطة الفلسطينية دوراً في الترويج لخطة ترامب، غير أنها تنتهج استراتيجية ترقب وانتظار مدروسة، وأنها غير معنية في هذه المرحلة بتولي زمام الإدارة المدنية في قطاع غزة، مُشترِطةً شروطاً صارمة لأي عودة إلى القطاع. وتُدرك السلطة الفلسطينية جيداً ما تكشفه التقارير المحدّثة الصادرة عن البنك الدولي في نيسان 2026، من أن الأضرار اللاحقة بالبنية التحتية الغزية بلغت نحو 35.2 مليار دولار، وأن 60% من الوحدات السكنية طالها الدمار، وأن نحو 68 مليون طن من الأنقاض المشبعة بالمتفجرات والذخائر غير المنفجرة تجعل تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز 70 مليار دولار، فضلاً عن وجود 1.9 مليون نازح ونازحة.

يتمحور جوهر المفاوضات الراهنة حول خطة من خمس نقاط وضعها نيكولاي ملادينوف وقدّمها إلى حماس، وتعالج أساساً المرحلة الثانية من خطة ترامب. تقوم الخطة على مبدأ “سلطة واحدة – قانون واحد – سلاح واحد”، وتتضمن نقل المسؤولية الإدارية إلى لجنة تكنوقراط، ونزع سلاح حماس على مراحل مع آليات مراقبة محددة، وإتاحة المجال لقوات الأمن الفلسطينية التي تدرّبها مصر والأردن لممارسة دورها في القطاع، إلى جانب استيعاب عناصر من حماس في هذه القوات.

في المقابل، يقوم الموقف الإسرائيلي على منع حماس من إعادة بناء قدراتها، مع الرفض المتزامن لأي ترسّخ للدور الرسمي للسلطة الفلسطينية في القطاع. وقد باتت حرية التحرك العسكري الإسرائيلي في غزة محدودة جغرافياً نظراً لاستحقاقات مجلس السلام، مما أفضى فعلياً إلى تقسيم القطاع بين نفوذ حماس ونفوذ إسرائيل، ومنح الحركة هامشاً للحفاظ على سيطرتها دون اصطدام مباشر مع القوات الإسرائيلية.

يُشير التقرير إلى جمود خطة ترامب لإنهاء الحرب، مردّه صعوبات جمّة تحول دون إضفاء الطابع المؤسسي على مجلس السلام الذي يعاني من إشكاليات تشغيلية وعجز في التمويل. كما أن قوة الاستقرار الدولية لم تكتمل بعد، ومنظومة الشرطة الفلسطينية المفترض أن تفرض النظام العام نيابة عن الحكومة التكنوقراطية لم تُستحدث بعد، وذلك على الرغم من اعتراف المعهد بأن عملية تدريب مئات من الضباط تجري فعلياً على يد مصر والأردن.

– ثلاثة خيارات أمام إسرائيل:
يستعرض المعهد ثلاثة خيارات متاحة. يقوم الخيار الأول على التطبيق الكامل لخطة النقاط العشرين لإنهاء الحرب، عبر ضغط إقليمي منسّق يُفضي إلى دخول حكومة التكنوقراط القطاعَ وتسلُّم مهامها، وتوافق فلسطيني، ورفع الفيتو الإسرائيلي على الدور الرسمي للسلطة الفلسطينية وقواتها الأمنية. ويصف المعهد هذا الخيار بأنه الأوسع قبولاً شعبياً فلسطينياً والأكثر ضماناً للاستدامة.

أما الخيار الثاني فيقوم على تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب بصورة تدريجية، تبدأ بإعادة الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية مع التضييق على حماس في المناطق التي تهيمن عليها. وبموجب هذا الخيار، تُنقل الصلاحيات الأمنية والإدارية الداخلية إلى الحكومة التكنوقراطية والشرطة الفلسطينية، وينسحب الجيش الإسرائيلي إلى محيط أمني محدود يُعرَّف بـ”الخط الأصفر”، مع احتفاظه بمسؤولية أمنية متصاعدة. وحال إعادة تأهيل هذه المناطق، يغدو ممكناً تشجيع انتقال السكان الفلسطينيين من “المنطقة الحمراء” الخاضعة لحماس.

ويتمثل الخيار الثالث في العودة إلى حرب واسعة النطاق واحتلال كامل للقطاع بهدف نزع سلاح حماس وجناحها العسكري، مع تحمّل المسؤولية المدنية الكاملة عن السكان الفلسطينيين.

– مخرجات المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي:
يُقرّ المعهد بأن غزة في طور العودة إلى واجهة الأحداث، وأن هذا المنحى سيتسارع مع انتهاء الحرب على إيران. ويُحذّر من وقوع إسرائيل في فخ الفراغ الاستراتيجي إن لم تُحدد وجهتها بوضوح.

ويرى المعهد أن تطبيق خطة ترامب بكامل بنودها غير وارد في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي حال نجاح واشنطن في وقف المواجهة مع إيران. وبالمنطق ذاته، فإن إخفاق الجهود الأمريكية في إيران وتصاعد المواجهة العسكرية سيدفع واشنطن إلى البحث عن إنجاز إقليمي يعوّض تراجعها الاستراتيجي، وعندها يغدو إنهاء الحرب على غزة وتطبيق خطة ترامب بالكامل أولوية أمريكية ضاغطة.

على الصعيد الإسرائيلي، يرى المعهد أن خيار العودة إلى الحرب الشاملة واحتلال القطاع بأكمله سيُثقل إسرائيل بمسؤوليات أمنية وإدارية واقتصادية باهظة، وسيدفع الدول المنضوية في مجلس السلام والملتزمة بتمويله إلى التراجع عن التزاماتها. فضلاً عن غياب الشرعية الداخلية الإسرائيلية لاستئناف الحرب.

بناء على ذلك، يتمسك المعهد بخيار تقسيم القطاع إلى منطقتي نفوذ إسرائيلية وحمساوية للمدى المنظور، مع الشروع في إعادة الإعمار في القسم الخاضع للسيطرة الإسرائيلية. ويرى أن هذا الخيار يعني توزيع المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب إلى خمس مراحل فرعية، تنبثق من واقع تقاسم السيطرة القائم فعلاً على الأرض.

في الخلاصة:

**يتعاطى تقرير المعهد مع الملف من منظور أمني بحت بمعزل عن أي أفق سياسي، بما في ذلك أي صيغة لحل إسرائيلي – فلسطيني. غير أنه يُقرّ في الوقت ذاته بأهمية اعتماد دور محوري للسلطة الفلسطينية وقواتها الأمنية إلى جانب الحكومة التكنوقراطية ومجلس السلام، ويطالب الحكومة الإسرائيلية برفع حظرها على دور السلطة في غزة.

**يخلص التقرير إلى أن إسرائيل تجد نفسها في فراغ استراتيجي في القطاع، وأن المشهد الناجم عن الحرب الإقليمية يصبّ في صالح كل من الحكومة الإسرائيلية وحماس في آنٍ معاً، كل لاعتباراتها، فيما يتكرّس على الأرض تقسيم فعلي بين منطقتي نفوذ. ويعني ذلك استمرار السيطرة الإسرائيلية على نحو 60% من مساحة القطاع في مقابل سيطرة حماس على ما يُسمّيه المعهد “المنطقة الحمراء”، وهو ما يتعارض مع الإرادة الفلسطينية ومع المواقف العربية والإقليمية. ويظل هذا الوضع قائماً إلى حين صدور قرار أمريكي حازم، وهو احتمال يبدو مستبعداً في المرحلة الآنية.

**يُشير التقرير إلى أن إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في إيران من شأنه أن يدفع إدارة ترامب إلى منح ملف غزة وإنهاء الحرب الأولوية، سعياً لتدارك التراجع الاستراتيجي الناجم عن تلك الحرب.

**يُرسّخ التقرير النوايا الإسرائيلية في تجنّب التطبيق الكامل لخطة ترامب، والتوجه عوضاً عن ذلك نحو تجزئة مراحلها، ولا سيما المرحلة الثانية، إلى مراحل فرعية لا تُفضي بالضرورة – حتى لو أُنجزت – إلى انسحاب إسرائيلي من القطاع، بل إلى الإبقاء على منطقة عازلة إسرائيلية دائمة، وإن جرى تقليص مساحات السيطرة الراهنة. وهذا النهج يتسق مع نمط إسرائيلي متجذر في التعامل مع الاتفاقيات الموقعة، لعل أبرز تجلياته في اتفاقيات أوسلو التي باتت إسرائيل تتنكر لها ولا تكترث لاستحقاقاتها.

**يُسلّط التقرير الضوء على أن هشاشة بنية مجلس السلام والمجلس التنفيذي، وإحكام الحصار على الحكومة التكنوقراطية لمنعها من ممارسة مهامها من داخل القطاع، ورفض السماح لقوات الأمن الفلسطينية بأداء دورها، كلها مؤشرات تدل على أن الحل لا يزال بعيد المنال، وأن معاناة الشعب الفلسطيني في بيئة طاردة للحياة ستتواصل وتتعمق.

**في المحصلة، تبقى تقديرات المعهد والخيارات التي يطرح باحثوه محدودة الأثر، إذ إن الموقف الأمريكي هو ما سيحسم في نهاية المطاف الخيار الإسرائيلي. ويُضاف إلى ذلك أن الانتخابات الإسرائيلية القادمة ستُشكّل عائقاً إضافياً جوهرياً أمام أي تقدم نحو تطبيق خطة وقف الحرب في المرحلة الراهنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.