غزة بين نموذج “علي الطاهر” وقيود التنفيذ

أمير مخول، مركز تقدم للسياسات.

تمهيد:
قدّم الجيش الإسرائيلي توصياته الى المستوى السياسي بتطبيق نموذج تفجير مرتفعات علي الطاهر اللبنانية في عمق قطاع غزة وتفكيك معقل حماس. وقد أورد موقع “واللا” ومحرر الشؤون العسكرية أمير بوحبوط يوم 20\9\2026 توصيات الجيش بالقيام بعملية كبرى في مدينة غزة واستهداف معظم قادة حماس وتدمير البنية التحتية وشبكات الانفاق والتواصل السرية. سوّغ الجيش تقديراته برفض الحركة نزع سلاحها والامتناع عن تسليم الحكم الى سلطة بديلة كما ينص مخطط مجلس السلام.

وكما ورد سابقاً في موقع “واللا”، فإن خطة مجلس السلام، بتشجيع من الولايات المتحدة، تتمثل في اعتماد الالاف من عناصر فتح من قطاع غزة للتدريب والمناورات في مصر، بهدف تحويلهم إلى قوة شرطة تتولى المسؤولية من جهاز أمن حماس. فيما تعارض جهات في المؤسسة الأمنية هذه الخطوة، وكذلك القيادة السياسية في إسرائيل، ما أدى إلى توقفها.

تضيف تقديرات الجيش وفقا للمصادر، بأنه في ظلّ الجمود الذي وصلت إليه إسرائيل مع مجلس السلام وممثلي الولايات المتحدة بشأن كل ما يتعلق بنزع سلاح قطاع غزة، بات واضحاً أن الجيش الإسرائيلي يُحضّر لسيناريو اجتياح واسع لكامل أحياء مدينة غزة، حيث يتواجد قادة حماس وكبار مسؤولي الجناح العسكري والقادة الميدانيين. وفقا لتقديراته

في القراءة:
بناء على ذلك، تزعم مصادر في المؤسسة الأمنية أنه إذا لم تقم حماس بنزع سلاحها وتسليم الحكم إلى قوة بديلة، فسوف يضطر الجيش الإسرائيلي إلى تطبيق نموذج مرتفعات علي طاهر في قلب مدينة غزة أيضاً.
إذ يرى الجيش بتفجير مرتفعات علي الطاهر في لبنان في العاشر من سبتمبر بمثابة الضربة الاستراتيجية الكبرى التي تلقاها حزب الله من بعد استهداف الصف الأول من قياداته وتفجيرات أجهزة الاتصال، بل ويرى أنها كانت حاسمة. وفقا للجيش الإسرائيلي فقد قام باستخدام حوالي 1100 طن من المتفجرات شديدة القوة والتي عادلت زلزالا بقوة 4.1 – 4.3 وفقا لمعظم وسائل الاعلام الإسرائيلية، ما أدى الى تفجير شامل تحت الأرض وفوقها لأهم معاقل الحزب العملياتية القيادية. وقد جاءت العملية في ظل المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية برعاية أمريكية التي توقفت حاليا، وتراجع وتيرة الانسحابات التجريبية التي بدأها الجيش الإسرائيلي لصالح جيش لبنان.

وفي خبر يحمل دلالات مهمة، نشر موقع كلكليست الاقتصادي يوم 15\9\2026 تقريرا بصدد توقيع صفقة تزود الولايات المتحدة إسرائيل بعشرات الاف القنابل الفتاكة والضخمة بزنة طن للواحدة وتبلغ قيمة الصفقة 2.5 مليار دولار. وفقا للإعلام الإسرائيلي فإنها مخصصة بالأساس للعمليات في لبنان وغزة، بعد استخدامها في تفجيرات جبل علي الطاهر اللبناني، فيما لا يبدو أن هناك ضوءا اخضر أمريكيا لإسرائيل بهذه التفجيرات في غزة، حتى وإن صادقت الإدارة الامريكية على أولوية نزع السلاح في القطاع تتم الانسحابات على أساسها.

تشكل توصيات الجيش بصدد نسخ تجربة التفجير في لبنان، خطة قابلة للتنفيذ ويتبناها المستوى السياسي وحصريا وزير الأمن كاتس ومكتب نتنياهو وبالتزامن مع عودة التهديد بتهجير غزة عن بكرة أبيها كما هدد كاتس في حال خطف جندي، فيما نفى الجيش ان هذه تقديراته باحتمالية الخطف.

الاختلاف بين غزة ولبنان بشأن التفجيرات كبير، اذ لا توجد منطقة خالية من السكان وحصرياً النازحين في مدينة غزة، الامر الذي يجعلهم في خطر جماعي مباشر، كما ان طبيعة الأرض اللبنانية وطوبوغرافية البلد تختلف عن غزة بكونها جبلية وصخرية مقابل غزة بأرضها الرملية والمستوية، فيما يرى الخبراء ان تفجيرا في غزة بحجم ما جرى في لبنان من شأنه ان يقوض ما تبقى من ابنية في غزة لتنهار على قاطنيها. اخذا بالاعتبار ان الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من ثلثي مساحة القطاع وعلى كامل القطاع عملياتياً. وفي حال نجحت العملية يعود الجيش الى الخط الأصفر.

بخلاف المستوى السياسي فإن الجيش قد صرّح أكثر من مرة بان السيطرة العملياتية ناجزة في غزة وكذلك في لبنان، فيما المميز انه بخلاف موقف قيادة اركانه بدأت تسمع أصوات داخل الجيش بضرورة انجاز المهام وأنها لم تنته بعد، وهي أصوات سياسية تتوافق مع نهج المستوى السياسي. رسميا فما يصدر عن الجيش هو أن المهام في كل من لبنان وغزة قد أنجزت وينغي على المستوى السياسي اتخاذ القرار ولديه الخيار ما بين التصعيد او انهاء العمليات والولوج في المفاوضات مقابل الدولة اللبنانية وكذلك مقابل مجلس السلام وهيئته التنفيذية. عامل إضافي يقف من وراء توصيات الجيش وهو انه بصدد تحويل قواته ووحداته الأكثر تمرّسا في الحرب الى الضفة الغربية الى جانب الضغط الشعبي لعائلات الجنود في الاحتياط بتخفيف عبء الخدمة العسكرية وليس بمضاعفته، اذ تتطلب توصيات الجيش إعادة تجنيد عشرات الاف جنود الاحتياط وتمدي فترات الخدمة.

في الخلاصة:
• هنالك منحى في الجيش بتفضيله القيام بعملية كبرى في غزة تحاكي عملية تفجير جبل علي الطاهر في لبنان، يتم فيها القضاء على اخر معاقل حماس وفقا للمخطط، لتكون الأرضية جاهزة للتقدم بخطة انهاء الحرب التي لا يبدو ان الحكومة الإسرائيلية معنية بها لكنها غير قادرة على مواصلة التهرب من تطبيقها. يبدو ان هناك ما يسمى ضوء اخضر امريكي بحيث ان الهدف التمهيد للتقدم في خطة ترامب والذي تصرّ ادارته على أولوية نزع السلاح أولا.
• في التقدير أيضا ان مخطط تفجير مدينة غزة يتقاطع مع التهديدات المتجددة بالتهجير الكامل، والتي ليس بالضرورة ان تكون عملية نقل سكاني بل يكفي حجم التفجيرات كي ينهار ما تبقى من بيوت ومبانٍ على قاطنيها من أصحابها ومن النازحين.
• بتقديرنا، فإن مثل هذا المخطط في قطاع غزة له اسقاطات أيضا على الامن القومي المصري، سواء في موضوع التهجير ام في إعاقة إعادة البناء وفي انتقال السلطة في القطاع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.