عملية فنزويلا: القوة ونفوذ الكبار كنظام دولي جديد

ورقة سياسات.

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات

ملخص تنفيذي:
-تمثل العملية أداة متقدمة من أدوات الترامبية في قراءة العالم وموقع الولايات المتحدة في القارة الأميركية.
-تُدخل العملية منطقة أميركا اللاتينية داخل مجال الهيمنة الأميركية مع احتمال تمدده صوب كندا وبنما وغرينلاند.
-تفرض العملية نظاما دوليا مستحدثا تبيح به واشنطن للدول الكبرى الهيمنة على “حدائقها الخلفية”.
-غموض خطة إدارة فنزويلا يفتح الباب أمام سيناريوهات قد تكون دراماتيكيا في حال فشل واشنطن سياسيا بما حققته عسكريا.

تقديم:
تؤسس عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي من قبل الولايات المتحدة لتطوّر جيوستراتيجي قد تتجاوز تداعياته منطقة أميركا اللاتينية. وتفرض العملية موازين قوى جديدة لصالح الولايات المتحدة، لكنها أيضا قد تولّد نظام دولي يعيد توزيع أدوار الدول وفق أحجام وحسابات من خارج القانون الدولي والمنظمات الأممية الشاملة المعمول بها منذ الحرب العالمية الثانية.

الرواية الأميركية: القوة والكفاءة:
في 3 يناير 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة النطاق في فنزويلا أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس. ويتطابق هذا التاريخ مع الذكرى 36 لاعتقال رئيس بنما، مانويل نوررييغا، في 3 يناير 1990 والذكرى السادسة لاغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في 3 يناير 2020.
وفق المعطيات الأميركية، شملت العملية ضربات جوية مكثفة بمشاركة حوالي 150 طائرة مقاتلة انطلقت من 20 قاعدة جوية أمريكية، مستهدفة مواقع عسكرية واستراتيجية في العاصمة كاراكاس. ووفق الرواية الأميركية، فإن قوات خاصة من “وحدة دلتا فورس” قامت بالقبض على مادورو وزوجته في مقر إقامته داخل قصر ميرافلوريس (قالت معلومات أخرى إنهما اختطفا من داخل قاعدة عسكرية وسط كاراكاس). وقد تم نقل الزوجين إلى حاملة طائرات أميركية قبل نقلهما إلى مركز احتجاز في نيويورك لمواجهة تهم اتحادية تشمل الإرهاب وتهريب المخدرات، والفساد.
أكدت الإدارة الأمريكية نجاح العملية دون خسائر أمريكية، مشيرة إلى أنها تهدف إلى إنهاء نظام يُعتبر إجرامياً يهدد الأمن الأمريكي. وأعلن الرئيس دونالد ترامب في مؤتمر صحفي أن:
1. الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا مؤقتاً حتى إجراء انتقال آمن ومنصف للسلطة.
2. العملية جاءت رداً على اتهامات “بإفراغ السجون والمصحات النفسية وإرسال مهاجرين غير شرعيين إلى الولايات المتحدة”.
3. شركات نفط أميركية ستعمل في فنزويلا لاستغلال النفط هناك، بحيث لا تتكلف الخزينة الأميركية.
4. العملية هي “هجوم غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية”، محذراً أي شخص يهدد السيادة الأمريكية.
وأشاد وزير الدفاع بيتر هيغسيث بالقرار كخطوة شجاعة تخدم الحرية والأمن ومصلحة الشعب الأميركي. وأكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن الطبيعة السرية للعملية لم تتطلب إخطار الكونغرس مسبقاً.

الانتقادات والتحفظات في واشنطن:
رغم الرواية الرسمية لترامب وفريقه، تعرضت عملية اعتقال مادورو لانتقادات أميركية أبرزها للشخصيات التالية:
1. السيناتور تيم كاين (ديمقراطي من فرجينيا): وصف العملية بأنها “عودة مقززة إلى عصر سيطرة الولايات المتحدة على الشؤون الداخلية لدول نصف الكرة الغربي”.
2. السيناتور كريس ميرفي (ديمقراطي): اعتبر العملية تدخلاً غير مبرر يعرض الولايات المتحدة لمخاطر جديدة.
3. النائب غريغوري ميكس (ديمقراطي، عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب): قال إن مادورو “زعيم غير شرعي”، لكنه انتقد استخدام الجيش لتغيير النظام دون موافقة الكونغرس، محذراً من تورط أمريكي طويل الأمد قد يزعزع المنطقة.
4. النائبة السابقة كامالا هاريس (نائبة الرئيس السابقة): وصفت الإجراءات بأنها “غير قانونية وغير حكيمة”، و “لا تجعل أمريكا أكثر أماناً أو قوة أو رخاءً”.
5. زوهران ممداني (عمدة نيويورك الديمقراطي): أعلن معارضته الصريحة، واتصل بالرئيس ترامب لـ”تسجيل اعتراضه”، معتبراً العملية “هجوماً أحادياً على دولة ذات سيادة” وانتهاكاً للقانون الدولي والفيدرالي.
6. السيناتور مايك لي (جمهوري): شكك في البداية في دستورية العملية دون إعلان حرب، لكنه غير موقفه بعد توضيحات من وزير الخارجية ماركو روبيو.
7. النائب دون باكن (جمهوري): رحب بالاعتقال لكنه عبر عن قلق من أن يستخدمه خصوم مثل روسيا والصين لتبرير تدخلاتهم (مثل أوكرانيا أو تايوان).

فنزويلا وأميركا اللاتينية: الإدانة والقلق.
وسط روايات ملتبسة بشأن أداء الدفاعات الفنزويلية لرد هجوم شديد التوقّع، لا سيما في استهداف رئيس البلاد في مقر رسمي غير سري، تزدهر سيناريوهات غير رسمية بشأن تواطؤ ما لنظام مادورو نفسه في تسهيل عملية اعتقاله من دون وجود أدلة حسية مباشرة. وقد يكون حديث ترامب عن استعداد نائبة مادورو للتعاون واستبعاده تماما دورا لزعيمة المعارضة الفنزويلية، ماريا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025، قد يوحي بالاعتماد على نظام مادورو من دون مادورو في فترة انتقالية.

في ردود الفعل بعد العملية:
1. وصفت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز الاعتقال بأنه “اختطاف”، مطالبة بالإفراج الفوري عن مادورو وزوجته.
2. أكد زعيم الحزب الحاكم ناحوم فرنانديز أن مادورو تم القبض عليه في منزله داخل المنشأة العسكرية، واصفاً العملية بـ”عدوان أمريكي”.
3. أصدرت الحكومة بياناً يدين “الاعتداء الأمريكي” كجريمة دولية، مشددة على أن مادورو لم يُقبض عليه، بل “اختطف”.
4. أعلن وزير الدفاع الفنزويلي، فلاديمير بادرينو لوبيز، التعبئة العامة في صفوف القوات المسلحة، مشيراً إلى أن بلاده ستستخدم كل قدراتها للدفاع عن استقلال كراكاس وسيادتها.
5. أعربت الجمعية الوطنية الفنزويلية عن تضامنها مع مادورو، مطالبة بتحرير فوري له ووصف العملية بأنها “انتهاك للقانون الدولي” يهدف إلى السيطرة على احتياطيات النفط الفنزويلية.
6. أعلنت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو أن الاعتقال يمثل بداية لنهاية النظام، وأن “الولايات المتحدة أوفت بوعدها بدعم سيادة القانون”، وأن المعارضة ستعيد النظام إلى فنزويلا، وتطلق سراح السجناء السياسيين. كما دعت زميلها المعارض إدموندو غونزاليس، الذي أكد فوزه بالانتخابات الرئيسية التي جرت في 2024، “لأن يضطلع بواجبه الدستوري وأن يعترف به الجيش”.

في ردود فعل بلدان في أميركا اللاتينية:
1. أدانت المكسيك بشدة الإجراءات العسكرية “الأحادية” محذرة من عدم الاستقرار الإقليمي.
2. أعربت البرازيل عن “مخاوفها”، معتبرة، على لسان رئيسها أن “تفجيرات الأراضي الفنزويلية واعتقال رئيسها تجاوزتا خطاً غير مقبول”.
3. أشادت بعض الدول اليمينية مثل الأرجنتين بالعملية كخطوة نحو الحرية.
4. أصدرت كولومبيا بياناً ترفض فيه التدخل العسكري واستخدام العنف وتعتبر العملية عدوان على فنزويلا واميركا اللاتينية.
5. وصفت كوبا الاعتقال بـ”عدوان يستذكر عصر الاستعمار”.

العالم المنقسم: الإدانة والتعايش:
وصفت روسيا الضربات بـ”العدوان المسلح”، مطالبة بعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي. ورفضت الصين تصريحات ترامب، معتبرة العملية انتهاكاً للقانون الدولي. أعربت إيران عن “الصدمة العميقة”، محذرة من عواقب الإجراءات الأمريكية على الاستقرار العالمي. اعتبرت هذه الدول العملية محاولة لتعزيز الهيمنة الأمريكية في النصف الغربي.
من جهتها تبنت الدول الغربية مواقف حذرة. فأعربت بريطانيا عن قلقها من التصعيد، مطالبة بحل سلمي. وأدانت فرنسا الإجراءات كانتهاك للقانون الدولي، بينما أشادت بعض الأصوات في أوروبا بإنهاء نظام مادورو. وأكد الاتحاد الأوروبي على ضرورة احترام السيادة، محذراً من تداعيات على النظام الدولي.
غير أن بلدان العالم تصرفت مع الحدث بصفته شأنا أميركيا مبرمجا ومتوقعا، بحيث بدت ردود الفعل متعايشة بتحفّظ وترحيب ورفض وفق الأجندات السياسية للعواصم المعنية. وبدا من رد فعل فرنسا، على سبيل المثال، لعبة توزيع أدوار. أبدى الرئيس الفرنسي ارتياحا لتخلّص فنزويلا من “الديكتاتور” ودعا إلى العمل على انتقال سلمي للسلطة لصالح مرشح المعارضة في الانتخابات، بالمقابل ركّز وزير الخارجية الفرنسي على احترام القانون الدولي. كما أن إسبانيا مثالا آخر، وعلى لسان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، رفضت الاعتراف بتدخل الولايات المتحدة في فنزويلا الذي “ينتهك القانون ‌الدولي”.

مبدأ أميركا: العالم للأقوياء:
ترتبط العملية بشدة بوثيقة الأمن الاستراتيجي الوطني لعام 2025 التي أصدرتها إدارة ترامب. وتؤكد الوثيقة على شعار “أمريكا أولاً”، معتبرة القوة أفضل رادع، وتركز على مواجهة النفوذ الخارجي، لا سيما، وفق مبدأ “مونرو” لعام 1823، أنه يحقّ الولايات المتحدة بسط نفوذها على الجوار الاستراتيجي في القارة الأميركية، ومنع أي تدخل خارجي في شؤون مجالها الجيوستراتيجي.
وبالإضافة إلى ما تكتنزه فنزويلا من احتياطيات نفط تقدر بـ 303 مليارات برميل تمثل 17 بالمئة من نفط العالم، فإن خبراء يكشفون أن البلد يحتوي على مخزون من المعادن النادرة التي تعمل الولايات المتحدة على الحصول عليها. غير أن خبراء يؤكدون أن مصافي الولايات المتحدة غير مهتمة بنفط فنزويلا الثقيل، لكن واشنطن مهتمة ببيع هذا النفط في السوق لتسديد ديون فنزويلا لشركات نفط اميركا، وهو أمر تحدث عنه ترامب.
وتؤثر العملية على النظام السياسي في دول أمريكا اللاتينية بعمق. فتعزز الولايات المتحدة صورتها كقوة مهيمنة، مما يثير مخاوف من تدخلات مستقبلية لم يستبعدها الرئيس الأميركي ضد فنزويلا نفسها مجددا فيما لوّح وزير خارجيته بأنها قد تطال كوبا. وقد تؤدي العملية إلى مفاقمة انقسام المنطقة بين الدول اليمينية الداعمة واليسارية المعارضة للولايات المتحدة ويرفع من مستوى التوترات الإقليمية.
وتعزز العملية طموحات ترامب في بنما وكندا وغرينلاند لجهة رغبته بالسيطرة على قناة بنما، ودمج كندا كولاية أمريكية، واقتناء غرينلاند لأغراض استراتيجية. وتدفع العملية النظام الدولي نحو السماح للدول الكبرى بالسيطرة على مجالاتها الاستراتيجية. فتعيد بذلك إحياء مبدأ فضاءات النفوذ للدول القوية، مما يعطي سابقة قد تستغلها روسيا لتعزيز سيطرتها في أوراسيا، بينما قد تحاكي الصين الإجراءات الأمريكية تجاه تايوان. لكن العملية توجه صفعة إلى تحالف روسيا والصين وإيران المتحالف مع نظام مادورو، لجهة عجزه عن توفير الدعم وضمانات الردع اللازمة لحماية ما يعتبر تحالفا استراتيجيا، وهو أمر تكرر حين اكتفت روسيا والصين كما الحال مع فنزويلا، ببيانات الإدانة عند تعرض إيران لحرب إسرائيلية-أميركية في يونيو 2025.

خلاصة واستنتاجات:
**تمثل عملية القبص على الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، تطوّرا شبيهاً بالعملية التي أدت إلى اعتقال رئيس بنما، مانويل نورييغا، ومحاكمته أمام القضاء الأميركي بتهم تشبه تهم الاتجار بالمخدرات الموجهة إلى مادورو.
**الفرق بين العمليتين، أن عملية بنما استهدفت حليفا سياسيا سابقا للولايات المتحدة واستغرقت أسابيع، فيما عملية فنزويلا تستهدف خصما سياسيا لواشنطن واستغرقت ساعات.
**تؤسس العملية، لفرض مبدأ “مونرو”، الذي اعتمدته الوثيقة الامنية الاستراتيجية الأميركية الأخيرة، والتي تعطي للولايات المتحدة الحق باحتكار الهيمنة على مجالها الجيوستراتيجي.
**تسبب العملية حالة قلق في أميركا اللاتينية، حتى من قبل بلدان قريبة من واشنطن، وسط مخاوف من انقسام وتوتّر ودخول المنطقة طورا من الحروب.
**من غير الواضح كيف يمكن أن تتولى الولايات المتحدة “إدارة” فنزويلا، من غير تواجد عسكري أميركي مكثّف، قد يدخل أميركا في أوحال حروب، وعد ترامب في برامجه ومواقفه بتجنبها في العالم.
**بالإضافة إلى ما تكتنزه فنزويلا من احتياطيات نفط هي الأولى في العالم، فإن أن البلد يحتوي على مخزون من المعادن النادرة التي تعمل الولايات المتحدة على الحصول عليها وحرمان الصين منها.
**يوحي حديث ترامب عن استعداد نائبة مادورو للتعاون واستبعاده تماما دورا لزعيمة المعارضة الفنزويلية، ماريا ماتشادو، بالاعتماد على نظام مادورو من دون مادورو في فترة انتقالية.
**توفّر العملية نموذجا تهدد به واشنطن خصومها، لا سيما كوبا، وتقدم أعراضا لما يمكن أن يذهب إليه ترامب لتحقيق طموحاته في كندا وبنما وغرينلاند.
**توجه العملية صفعة إلى تحالف روسيا والصين وإيران المتحالف مع نظام مادورو لجهة عجزه عن توفير الدعم وضمانات الردع اللازمة لحماية ما يعتبر تحالفا استراتيجيا.
**ترسي العملية قواعد جديدة في العالم تعيد النظام الدولي إلى حقب سيطرة الدول الكبرى على مجالاتها الجيوستراتيجية، ما يشرّع سيطرة روسيا على أوكرانيا وأوروسيا، وتصبح سيطرة الصين المحتملة على تايوان من ضمن هذا المنطق.
**تمثل العملية تقويضا إضافيا للقانون الدولي ودخول العالم في شريعة القوة، ما يوحي بعالم من الفوضى الخالي من أي قيود وهي سمات أسست لحروب كبرى في التاريخ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.