ظاهرة ممداني وإعادة تشكيل قواعد اللعبة الحزبية:

ورقة سياسات.

نيويورك مختبراً لتحوّل الموقف الديمقراطي من إسرائيل وفلسطين

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات – لندن

ملخص تنفيذي

​•​في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران 2026، اكتسح ثلاثة مرشحين مدعومين من عمدة نيويورك زهران ممداني الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في المدينة، فأطاحوا بمرشحي المؤسسة الحزبية في معاقلها التقليدية.

​•​الدلالة الأهم لا تكمن في الأسماء بل في انقلاب المعادلة: تحول الدعم غير المشروط لإسرائيل من شرط للنجاح إلى عبء انتخابي داخل القاعدة الديمقراطية الحضرية. صار التأييد لحقوق الفلسطينيين وتسمية الحرب على غزة “إبادة” أصلاً انتخابياً، لا مخاطرة متجنبة.

​•​الحدث ليس شذوذاً نيويوركياً: فوز ممداني بالعُمدية في 2025 لم يكن لحظة عابرة، بل تأسيساً لماكينة سياسية قابلة للتكرار، مدعومة باتجاه بنيوي في الرأي العام الديمقراطي الشاب وبتراجع نفوذ منظومة “إيباك”.

​•​القوة الحقيقية للظاهرة في قابليتها للتعميم خارج نيويورك، وفي تموضع ممداني “صانعاً للملوك” بما يحمله ذلك من ثقل تفاوضي داخل الحزب وصولاً إلى استحقاق 2028.

​•​في المقابل، يصطدم هذا الصعود بمقاومة قيادة الحزب (جيفريز، وحتى حلفاء لممداني مثل المدّعية العامة ليتيشيا جيمس)، وبفجوة مستمرة بين إشارات الانتخابات التمهيدية وسياسة الدولة الفعلية. التحول واقع لكنه غير محسوم.

مقدمة:

تُعدّ الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في مدينة نيويورك – حيث يهيمن الحزب على المشهد إلى حد يجعل الفوز بالتمهيدية فوزاً فعلياً بالمقعد – مؤشراً بالغ الحساسية على اتجاهات القاعدة الديمقراطية. ولذلك فإن ما جرى في الثالث والعشرين من يونيو 2026 يتجاوز حدود سباق محلي على مقاعد في الكونغرس، ليطرح سؤالاً يخص بنية الحزب الديمقراطي وموقعه من قضية فلسطين: هل نشهد تصحيحاً عابراً في معقل يساري، أم بداية إعادة اصطفاف بنيوية تعيد تعريف “الممكن سياسياً” داخل أكبر حزبين في الولايات المتحدة؟

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن نتائج نيويورك تمثّل تبلوراً لتحوّل تراكمي بدأ مع صعود ممداني، وأنها ، وإن بقيت محصورة جغرافياً حتى الآن ، تكشف عن إزاحة في مركز الثقل داخل القاعدة الديمقراطية، تستحق قراءة تتجاوز التغطية الإخبارية إلى تقدير أثرها على الحزب وطنياً. وتتناول الورقة الوقائع، ثم تحلّل دلالاتها، وتقدّم قراءة استشرافية لانعكاساتها على الحزب الديمقراطي، تختمها بخلاصات ومؤشرات للمتابعة.

أولاً: الوقائع الأساسية.

الإطاحات الثلاث. حقق ثلاثة مرشحين يحملون لواء التيار التقدمي ومدعومين علناً من ممداني فوزاً متزامناً:

​•​براد لاندر (الدائرة العاشرة، الجنوب الأدنى لمانهاتن وأحياء بروكلين البنيّة): مراقب مالي سابق للمدينة، ويصف نفسه بـ”الصهيوني الليبرالي”، أطاح بالنائب الحالي دان غولدمان بعد أن حول السباق إلى استفتاء على العلاقة بإسرائيل وعلى ارتباط غولدمان بـ”إيباك”.

​•​دارياليزا أفيلا تشوفالييه (الدائرة الثالثة عشرة، أعالي مانهاتن وأجزاء من برونكس): ناشطة مقرّبة من حركة “الاشتراكيين الديمقراطيين” وممن نظّموا الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في جامعة كولومبيا، أطاحت بالنائب المخضرم أدريانو إسبايات، رئيس التجمع اللاتيني في الكونغرس وصاحب الحضور الراسخ في الدائرة منذ نحو عقد. وهي الإطاحة الأكثر مفاجأة ودلالة على هشاشة حصانة المؤسسة.

​•​كلير فالديز (الدائرة السابعة): عضوة في مجلس ولاية نيويورك، فازت بالمقعد الذي سيخليه التقاعد المرتقب للنائبة نيديا فيلاثكيث، متغلبة على رئيس بلدية بروكلين أنطونيو رينوسو .

– هزيمة القيادة في معركتها:
الدلالة الأبرز أن زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب هاكيم جيفريز خاض الحملة شخصياً ضد مرشحي ممداني وخسر، وهو ما يحول النتيجة من سباق محلي إلى رسالة موجهة إلى قيادة الحزب في واشنطن. وقد اكتفى جيفريز بالقول إن الطرفين “اتفقا على الاختلاف”، وإن حفنة من النتائج في ولاية أو اثنتين لن تعيد تعريف هوية الكتلة الديمقراطية البالغ عددها 215 نائباً.

– “إيباك” بوصفها عبئاً لا حصانة:
أنفقت “اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الإسرائيلية” وحلفاؤها عشرات الملايين من الدولارات (تشير تقديرات إلى نحو 50 مليون دولار في هذه الدورة) لدعم المنافسين، إلا أن الارتباط بها تحول إلى نقطة ضعف استثمرها التقدميون بوصفها رمزاً لنفوذ المال المنظّم. وعلى هامش احتفالات النصر ترددت هتافات “فلسطين حرة” و”اللعنة على إيباكّ”، بما في ذلك في سباقات لم تتدخل فيها اللجنة أصلاً، مؤشر على أن المسألة باتت رمزية أكثر منها مالية.

موجة أوسع من نيويورك. لا تقف الظاهرة عند المقاعد الثلاثة: فقد فاز نحو سبعة من ثمانية مرشحين دعمهم فرع نيويورك لحركة الاشتراكيين الديمقراطيين في سباقات تشريعية، وفازت الفلسطينية-الأمريكية عَبَر قواس بمقعدٍ في مجلس شيوخ الولاية عن كوينز، كما سُجل صعود مواز في سباقات خارج الولاية (بنسلفانيا ونيوجيرسي)، وفازت اشتراكية ديمقراطية بالتمهيدية لعُمدية واشنطن العاصمة.
ثانياً: التحليل

1. انقلاب معادلة الكلفة والعائد. لعقود، شكّل التأييد العلني غير المشروط لإسرائيل شرطاً مسبقاً للجدية السياسية والقابلية للفوز في الحزب الديمقراطي. ما أثبتته نيويورك أن هذه المعادلة انقلبت، في القاعدة الحضرية على الأقل: إذ لم ينج المرشحون رغم نقدهم لإسرائيل، بل فازوا بسببه. ينقل هذا القضية الفلسطينية من هامش “القضية الأحادية” إلى متن رؤيةٍ أخلاقية-اقتصادية متماسكة تربط السياسة الخارجية بكلفة السكن والهجرة وسؤال “لمن تخدم السياسة فعلاً؟”. وهذه البنية الخطابية هي ما يمنح الظاهرة قابليتها للتعميم.
2. صعود اليسار اليهودي كطرفٍ مؤثر. من أهم التحولات أن الأصوات اليهودية اليسارية، التي طالما ظلّت هامشية ضمن إجماعٍ مؤيد لإسرائيل في الحياة اليهودية الأمريكية المؤسسية، باتت طرفاً منظّماً وفاعلاً. ترشُح لاندر، اليهودي الذي يصف نفسه بالصهيوني الليبرالي وينتقد مع ذلك سياسات إسرائيل ويسمّي ما يجري في غزة إبادة، يكسر الثنائية التي ساوت طويلاً بين الهوية اليهودية والموقف من إسرائيل، ويُفقد المؤسسة أحد أهم أدوات شرعنتها لخطابها.
3. ممداني “صانعاً للملوك”: أكبر الرابحين لم يكن على بطاقة الاقتراع. في أقل من ستة أشهر على توليه العُمدية، راهن ممداني برأسماله السياسي على ثلاثة مرشحين متمردين وربحهم جميعاً، فأثبت أن صعوده ليس استثناءً شخصياً، بل ماكينة سياسية. هذا الموقع التفاوضي ينعكس صعوداً في ثقل حلفائه (كصعود مكانة النائبة ألكسندرا أوكاسيو-كورتيز)، وفي مضاعفةٍ فعلية لتمثيل تيار الاشتراكيين الديمقراطيين في الكونغرس، الذي يقتصر حالياً على نائبتين (أوكاسيو-كورتيز وطليب).
4. محرّك بنيوي لا ظرفي: يقوم التحول على أساس ديموغرافي-جيلي: استطلاعات الرأي تظهر تراجعاً مطّرداً في تأييد إسرائيل لدى الناخبين الديمقراطيين، خصوصاً الشباب. هذا يعني أن ما جرى ليس موجة احتجاج عابرة، بل تعبير عن إزاحة أعمق في القاعدة الانتخابية، ما يرجح استمراريتها وتمددها بدلاً من انحسارها.
5. حدود القراءة المتفائلة: ينبغي عدم المبالغة في تعميم النتيجة لاعتباراتٍ ثلاثة: (أ) السياق سياق دوائر “زرقاء” آمنة تُحسم فيها المعركة الحقيقية في التمهيدية، وهو ما لا ينطبق على الدوائر المتأرجحة التي تتقرر فيها الأغلبية الوطنية؛ (ب) الفجوة المستمرة بين إشارة الناخب وسياسة الدولة، إذ ظلّت السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل متماسكة عبر الإدارتين الديمقراطية والجمهورية رغم تبدل الرأي العام؛ (ج) جبهة مضادة داخلية تتمثل في تحذيرات من انزلاق الخطاب نحو معاداة السامية (على خلفية تصريحات ممداني عن “إيباك”)، وهو ما يوفّر للمؤسسة سلاحاً مضاداً ويبقي الكلفة السياسية للتحول قائمة.
ثالثاً: قراءة استشرافية: أثر التحوّل على الحزب الديمقراطي.

نتائج نيويورك تضع الحزب الديمقراطي أمام معضلةٍ بنيوية تتجاوز جولة انتخابية واحدة. فالمعطى المركزي أن “أمان” تأييد إسرائيل انقلب إلى مخاطرة في شريحة متسعة من الدوائر الديمقراطية الحضرية، بينما بقي الدعم لإسرائيل ورقة رابحة في دوائر أخرى وفي السباقات الوطنية الأوسع. هذا التناقض الداخلي هو جوهر الأزمة المقبلة للحزب. وتتوزع المسارات المحتملة على ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: إعادة اصطفافٍ تتسارع. تتحوّل ماكينة ممداني-الاشتراكيين الديمقراطيين من ظاهرةٍ نيويوركية إلى نموذجٍ وطني قابل للاستنساخ في المعاقل الحضرية، فيتمدد التمثيل التقدمي في الكونغرس مع دخول النواب الجدد مطلع 2027، وتصبح القضية الفلسطينية أحد محددات التموضع داخل التمهيديات الديمقراطية. في هذا المسار يتحوّل ثقل ممداني التفاوضي إلى رافعةٍ مؤثرة في سباق 2028، ويجبَر مرشحو الصف الأول على إعادة معايرة خطابهم. المرجحات: الاتجاه الديموغرافي البنيوي وقابلية النموذج للتعميم.

السيناريو الثاني: تمرد محتوى جغرافياً. تبقى الظاهرة محصورة في الدوائر “الزرقاء” العميقة دون أن تخترق الدوائر المتأرجحة، فتتعايش داخل الحزب كتلتان: قاعدة حضرية منزاحة يساراً، وقيادة وطنية تحافظ على الخط التقليدي خشية كلفة انتخابية في الولايات الحاسمة. في هذا المسار يتحوّل الانقسام إلى سمة هيكلية دائمة لا إلى إعادة اصطفافٍ حاسمة. المرجّحات: مقاومة القيادة (جيفريز، وانتقادات حلفاء مثل ليتيشيا جيمس)، وبنية النظام الانتخابي التي تفصل بين منطق التمهيديات ومنطق الانتخابات العامة.

السيناريو الثالث: ارتداد وتصحيح. يوظَّف جدل معاداة السامية ومخاوف الانزلاق بعيداً نحو اليسار قبيل انتخابات نوفمبر التشريعية لإعادة تثبيت مركز الحزب، خصوصاً إذا تردى أداء الحزب في الدوائر المتأرجحة وحُمل التيار التقدمي مسؤولية ذلك. في هذا المسار يتباطأ الزخم وتُعاد القضية إلى الهامش الخطابي.

المرجّحات: حساسية الانتخابات العامة، وفاعلية السلاح المضاد المتعلّق بالخطاب.

السيناريو الأرجح في المدى المنظور هو تركيب بين الأول والثاني: تمدد مطّرد للتيار في المعاقل الحضرية يضاعف وزنه التفاوضي وثقله الإعلامي والتعبوي، مقابل احتفاظ القيادة الوطنية بمقاليد المؤسسة وبالخط الرسمي تجاه إسرائيل. أي أن المحصلة الأقرب ليست انتصار تيار على آخر، بل تكريس انقسام بنيوي يصبح هو ذاته السمة المعرّفة للحزب الديمقراطي في مرحلة ما قبل 2028 ، انقسامٌ ستختبر إدارته في أول استحقاق كبير: انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026.

والأهم أن أثر هذا التحول لا يتوقف عند الحدود الأمريكية: تزامنه مع مراجعات متسارعة للموقف من إسرائيل في برلمانات أوروبية وفي الإعلام الغربي يمنحه بعداً يتجاوز السياسة الداخلية، ويجعل من القاعدة الديمقراطية الأمريكية أحد أوضح مؤشرات تآكل الإجماع الغربي التقليدي تجاه إسرائيل.

خلاصات واستنتاجات

​1.​الحدث تحوّل لا حادثة. نتائج نيويورك ليست غرابة محلية ولا لحظة احتجاج عابرة، بل تعبير منظّم وقابل للتكرار عن إزاحة في مركز ثقل القاعدة الديمقراطية، يستند إلى محرّك ديموغرافي بنيوي يرجح استمراريته.

​2.​انقلبت معادلة الكلفة والعائد على صعيد الموقف من إسرائيل داخل الدوائر الديمقراطية الحضرية، فتحوّل النقد من مخاطرة إلى أصلٍ انتخابي، وتحوّل الارتباط بـ”إيباك” من حصانة إلى عبء.

​3.​التحوّل واقع لكنه غير محسوم. يصطدم بمقاومة قيادة الحزب، وبفجوةٍ مستمرة بين إشارة الناخب وسياسة الدولة، وبجبهة مضادة توظّف جدل معاداة السامية. النتيجة الأرجح هي تكريس انقسام بنيوي لا حسم لصالح طرف.

​4.​ممداني عقدةٌ مركزية في معادلة الحزب المقبلة؛ موقعه “صانعاً للملوك” يمنحه ثقلاً تفاوضياً يمتد أثره إلى استحقاق 2028، ويفرض على قيادة الحزب التعامل معه بوصفه قوة وطنية لا ظاهرة محلية.

​5.​البعد الإقليمي والدولي للقضية الفلسطينية يجد في هذا التحوّل رافعة جديدة: تآكل الإجماع داخل القاعدة الديمقراطية الأمريكية مؤشر على اتجاه غربي أوسع يستحق المتابعة والاستثمار السياسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.