صفقة الاستثمار الإماراتية في ” فينيكس ” للتأمينات الإسرائيلية .

مخاوف من الدخول على بيانات مئات الالاف من الاسر

ورقة سياسات : مركز تقدم للسياسات

تقديم :

وصلت صفقة الصندوق السيادي لابو ظبي في الامارات العربية المتحدة لشراء اكبر شركات التأمينات الإسرائيلية الى مراحلها النهائية ، بانتظار القرار السياسي والأمني ومصادقة سلطة المال التي تشرف على اليات الاستثمار الأجنبي والملاءات المالية للشركات . وقد اثار خبر احتمال استئثمار الامارات بهذه الشركة التي تقدّر ارصدتها ب 370 مليار شيكل (ما يعادل 108 مليار دولار) موجة من الانتقادات العلنية من خبراء وصحفيين ورجال المؤسسة الأمنية والسياسيين.

في التفاصيل :

تعتبر شركة التأمينات “فينيكس ” The Phoenix Insurance Company Ltd. ، من أكبر شركات المال الاسرائيلية وتسيطر على 10% من أرصدة الاسرائيليين وضمانات التقاعد والتوفيرات. وفقا للمعطيات الرسمية الصادرة عن الشركة للأشهر التسعة الاولى من العام 2022 فهي تدير أملاكا قيمتها 364 مليار شيكل، في حين بلغت الارباح الشاملة لهذه الفترة 599 مليون شيكل، وبلغت عائدات المال 8.4%، من قيمة الشركة التي تصل الى 9.6 مليار شيكل وكانت نسبة الاقتدار والملاءة الثابتة اعتبارًا من 30 يونيو 202%. ولتأكيد صدقية شركة فينيكس واستقرارها المالي واستدامة أرباحها، قام المدراء العامون للشركة بامتلاك 2% من اسهمها برأسمال قدره 180 مليون شيكل وهو مؤشر ايجابي للمالكين الاماراتيين.

صحيفة ذي ماركر الصادرة عن مجموعة هآرتس تتبعت الروابط الاقتصادية بين دولة الامارات واسرائيل، وقامت في 14-16 ديسمبر 2020 بتنظيم مؤتمر اقتصادي The UAE-Israel business Leaders Summit لهذا الغرض ، حيث كشف مدير عام وزارة الاستثمارات د. طارق بن هندي عشية افتتاح المؤتمر، أن أبو ظبي معنية بشراء شركات ادوية، وشركات تعمل في قطاع الفضاء وبحلول تتعلق بمخلفات الغذاء وطرق اتلافها . هذا بالإضافة الى الاستثمارات والتعاقدات في مجالات البنى التحتية والغاز والتجارة.

في ترديده للمخاطر كما يراها صاحب ذي ماركر ، أنه اذا ما صادقت سلطة سوق المال الاسرائيلية على صفقة بيع الشركة فإنها تكون فعليا قد حوّلت السيطرة المطلقة على توفيرات وتأمينات مئات الاف الاسرائيليين لصندوق الاستثمار الاماراتي. ويشير الى أن السيطرة على 25 بالمئة من أسهم شركة مالية تمنح أصحابها امكانية سيطرة مطلقة عليها وتأثير في سوق المال الاسرائيلي.

ويشكك الناقدون للصفقة بنوايا الامارات في هذا الصدد حتى وإن كانوا يرون بها مكسبا لإسرائيل، لكنهم يشددون على الخشية من النفوذ المالي الاماراتي الذي يقدر ان له اهدافا وغايات ابعد من الجانب الاقتصادي بل ويتعداه الى مصالح الامارات الاقليمية والعالمية، كما يرون انه يندرج في إطار استراتيجية اماراتية شاملة.

في الواقع العملي، اسرائيل معنية بكسب الاستثمارات الاماراتية بما يخدم اهدافها داخليا وإقليميا وعالميا، بينما تواجه لاول مرة بشريك عربي لديه فائض من المال وقوة اقتصادية ناشئة، تستمد قوتها ايضا من استقلاليتها الاقتصادية والمالية ولها شراكات كبرى مع الصين وهذا ما يقلق راعية اسرائيل الولايات المتحدة في صراعها الاقتصادي والتجاري مع الصين، كما أن لدى الامارات علاقات اقتصادية متينة للغاية مع ايران، وهذا حسب القراءات الاسرائيلية يعوّق اقامة حلف عربي اسرائيلي عسكري ضد ايران.

في المقابل اسرائيل معنية باستثمارات الامارات في البنى التحتية المتطورة وحصريا في مشروع تصدير الغاز المسال الى اوروبا عبر النقب، كما انها معنية ايضا بالقدرات المتميزة للامارات في مجالات التجارة والاستثمار العالمي وبالذات في مجال بناء وإدارة الموانيء ودورها في المشروع الصيني الكبير “الحزام والطريق” وبالذات في افريقيا. هذه الاستثمارات في بنية التجارة العالمية ونقل الغاز، اسرائيل معنية بالاستثمارات الاماراتية، بينما تخشاها في السيطرة على جزء من سوق المال الاسرائيلي.
يرى الباحث في الشأن الاقتصادي وسوق المال حجاي عميت بوجود فرصة كبيرة لنجاح الصفقة مع دخول نتنياهو مكتب رئاسة الحكومة مجددا، وذلك ايضا بشغور وظيفة رئيس سلطة المال التي لها صلاحية المصادقة او رفض الصفقة بسبب نوعية الشركاء وذلك من الناحية المهنية لا السياسية والتي يخضع قرارها لرئاسة الوزراء. نظرا للدراية الاقتصادية التي يتمتع بها نتنياهو فإن معظم المحللين المذكورين يرجحون احتمالية مصادقته على الصفقة لكونها تخدم مصالح اسرائيل العليا من وجهة نظره، وهنا نشير الى الجلسة التي تمت يوم 7/12/2022 بين سفير دولة الامارات في تل ابيب محمد آل خاجة وبين سموطريتش وزير المالية في حكومة نتنياهو القادمة. وقد اعرب الاخير بعد اللقاء عن اهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

مصدر القلق الإسرائيلي :

الخشية التي يروج لها الاعلام بما فيه ذي-ماركر الصحفي ورجل الاعمال غاي رولنيك ، تكمن في امكانية سيطرة الامارات على بنك المعلومات الذي تمتلكه شركة فينيكس لبيانات مئات الاف العائلات ان لم يكن اكثر، وذلك بحسابات أمن قومي اسرائيلية معروفة، وكشف السجل السكاني التفصيلي للشركة. عادة ما يتم التوقيع على بروتوكول خاص يحيّد معلومات سكانية معيّنة او ضمانات للحفاظ على سريتها وعلى الأمان الشخصي للسكان ، وغير واضح حتى الان ما الاشتراطات الإسرائيلية التفصيلية التي ستحملها اسرائيل على بنود الصفقة . .
مثل هذه التخوفات والخشية الاسرائيلية حدثت في مسألة بيع شركة تنوفا الاحتكارية للألبان والمواد الغذائية الى الصين قبل عقد من الزمن وكذلك بيع مقاطع من مينائي حيفا وأسدود لشركات حكومية او شبه حكومية من الصين والهند، وبناء ميناء تديره ضمن مساحات ميناء حيفا، وكان التخوف في الحالة الصينية من قدرة الصينيين على السيطرة المعلوماتية، خاصة لقرب هذه المنشآت من المرافق الامريكية في الميناء. الا انه تم تجاوز ذلك مع الوقت والتغلب على المعارضة الامريكية في حينه..

ما يحدث الان ، من دخول للامارات على سوق المال الاسرائيلي وكبريات شركاته، قد يبدأ بالخشية والتردد لكن المرجح ان لرأس المال قوته وتاثيره التي تخضع له الحكومات بما فيها الحكومة الإسرائيلية.
يرى صاحب ذي ماركر ، أنه اذا ما تمت الصفقة التي تم الاعلان عنها يوم 13/12/2022 وقيام شركة الاستثمارات “سنتربريدج” ببيع السيطرة على شركة فينيكس الى صندوق الاستثمار من ابو ظبي فإنها ستكون سابقة خطيرة ينبغي ايقافها. فإنّ صندوق الاستثمارات المالي الاماراتي المذكور من أكثر الصناديق نشاطا في المنطقة، وبأن الغاية الرئيسية من مسيرة التملّك في المنطقة وحصريا في كل من تركيا ومصر واسرائيل هي “لتعزيز قوة الامارات وتأثيرها في المنطقة”
في المقابل يهدّيء المحللان الاقتصاديان آسا ساسون وميخائيل روخويرغر من شأن التعاقد مع صناديق استثمار اجنبية في شركات التأمين الاسرائيلية وينشران مقالا تحليليا في نفس العدد من دي ماركر في ذات اليوم 14/12/2022 يؤكدان فيه أنها ليست سابقة، اذ أنّ العديد من شركات التأمين الاسرائيلية كانت تحت سيطرة صناديق خارجية ومثال ذلك سيطرة صندوق “جنرالي” الايطالي على شركة التأمينات “ميجدال”، والشريكة الاندونيسية في شركة التأمين “هارئيل” ما بين 2008 و 2011، في اشارة الى عائلة سمبويرنا وشركتها Sampoerna Capital PTE.

كما ويرى ساسون وروخويرغر بأن امتلاك شركة تأمين تمنح لمدراء الصندوق الانكشاف على الاقتصاد الاسرائيلي “أنهم ينظرون الى اسرائيل من زاوية مختلفة نوعا ما، اذ توجد هنا ديمغرافيا مقتدرة، واقتصاد حر، واستقرار اقتصادي. هذه الامور التي اخذوها بالاعتبار حين عزموا على امتلاك “فينيكس” ويشير الباحثان الى أنه وفقا لمعايير وتصنيفات سلطة المال الاسرائيلية فإن الشركات الصينية لم تجتز هذه المعايير وهي ايضا حكومية، بينما يريان مهنياً بصدقية صندوق السيادي لابو ظبي رغم الحذر في التعاطي معه.

الخلاصة:

صفقة الاستحواذ الإماراتية على شركة إسرائيلية، تجربة غير مألوفة في العلاقات الاقتصادية المالية مع البلدان العربية، وبالذات أن معظم الدول التي تربطها علاقة باسرائيل (مصر والاردن والسودان والمغرب) تستثمر فيها اسرائيل وليس العكس . وما تخشاه الاخيرة هو أثر قوة المال الاماراتي وصناديق استثماراتها الثلاث التي تحتل موقع ثالث اكبر صناديق سيادية في العالم . اذ تؤكد قراءتنا كما القراءة الاسرائيلية بأن الامارات سوف تتحول في حال اقرار الصفقة مع فينيكس الى أحد أقوى المؤثرين في الاقتصاد الاسرائيلي وبالذات في سوق المال الذي سيحتاج الى ملاءمة نفسه لهذا التحوّل.
كما أنّ رغبة رئيس الحكومة المنتخب بنيامين نتنياهو في إثبات انّ اتفاقات ابراهام التي أبرمت في فترته السابقة تأتي بمردود واعد، فمن شأن ذلك أن يعيد خلط الاوراق أمام الفحص المهني الذي تقوم به سلطة سوق المال. وحسب توجهات نتنياهو فإنه ليس هناك ما هو افضل من وضع تكون فيه الاتفاقات السياسية مسنودة بروابط اقتصادية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.