صراع الحدود السودانية التشادية: الدوافع والمالات
ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف
تقديم:
تشهد العلاقات السودانية التشادية توترا أمنيا وعسكريا واحتقان اجتماعي، قد تعيد الوضع لمربع قطع العلاقات الدبلوماسية إبان فترة حكم الرئيسين عمر البشير وإدريس ديبي. فالمتعارف عليه أن الصراعات الحدودية تكون دائما حول الاراضي او خلاف حول ملكية الموارد والحقول البترولية ، ولكن، هذه الازمة تأتي علي خلفية صراع السلطة والنفوذ الدائر في الدولتين اللتين تشهدا استقرارا سياسيا نسبيا ، يهدده النمو القبلي السياسي المسلح الذي قوامه مجموعة قبيلة الزغاوة المسيطرة علي الحكم في تشاد والمواجهة مع تحالف معارضة مسلحة من العرب والقرعان يقابله النفوذ العسكري والسياسي الكبير لمجموعة عرب دارفور في السودان المتمثلة في قوات الدعم السريع بكل علاقاتها وامتداداتها الاجتماعية في منطقة وسط وغرب إفريقيا .
تعتبر المجموعتان من القبائل الرعوية الحدودية حيث تتواجد في المنطقة الجغرافية الواقعة شرق دولة تشاد في ولايتي دفراة ووداي وغرب دولة السودان في دارفور، وما يجري على حدود البلدين من صراعات مسلحة غالبا ما يكون انعكاسا للوضع السياسي في إحدى الدولتين وترجمة لصراعها السياسي الداخلي.
في خلفيات الصراع:
يأتي هذا التوتر في أعقاب قيام مجموعة تشادية مسلحة تقود عربات دفع رباعي بعبور الحدود السودانية وقتل ما يقارب (18) شخص من “العرب ” ونهب ما يقارب (100) من الإبل بمنطقة بير سليبة وعرديبة بولاية غرب دارفور، شمال مدينة الجنينة.
هذا الحادث كان يمكن اعتباره جريمة سرقة عادية لولا انه يأتي متزامنًا مع أحداث عديدة وفي ظروف سياسية معقدة تجعل منه مؤشرًا لأحداث سياسية كبري مسرحها السودان الغربي وتأثيرها يتجاوز الخرطوم وإنجمينا.
التزامن الأول : هو تواجد المعارضة التشادية العربية المسلحة في الأراضي السودانية وانتشارها علي الشريط الحدودي مختلطة مع البوادي العربية ومستغلة نفوذ قوات الدعم السريع في تأمين الحماية والرعاية ، هذه المعارضة تمثل خطرا كبير علي النظام التشادي من واقع مواجهتها السابقة معه ولطبيعة تحالفاتها وامتدادها العشائرية ، والأهم عدم مشاركتها في مجهودات التسوية السياسية الجارية الان في دولة قطر أو اعترافها بمبادرة الحوار الوطني الشامل التي اطلقها المجلس الانتقالي التشادي بعد مقتل رئيسه إدريس دبي بعد هجوم المعارضة المسلحة والتي تعتبر هذه المجموعة إحدى مكوناتها الفاعلة، لا سيما بعد تقدم وزير الدفاع التشادي بشكوي رسمية لرئيس مجلس السيادة السوداني عند زيارته مطلع هذا الشهر للخرطوم واتهامه السودان بإيواء المعارضة التشادية المسلحة وتوفير الدعم اللوجستي العسكري لها ، ليحمل البرهان مسؤولية رعايتها ودعمها لنائبه محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع بحكم انتمائه لذات المكون ووجود صلات قرابة له مع قادة المعارضة المسلحة .
التزامن الثاني: تواجد قائد قوات الدعم السريع ونائب المجلس السيادي في المنطقة الحدودية الغربية لأكثر من شهر وتهيئته الأرضية لأي سيناريوهات محتملة من قبل الخرطوم تهدد نفوذه ومصالح وقواته، معتمدًا على الته العسكرية وحاضنته الاجتماعية الكبيرة العابرة للحدود.
التزامن الثالث: يتمثل في انتقال رئاسة اللجنة العسكرية الأمنية المشتركة للجانب السوداني قبل يومين من الحادث وبعد مرور 6 أعوام انفردت فيها تشاد بالقيادة خلافًا للنصوص التي تقضي بالتناوب بعد كل 6 شهور!
من المعروف ان اللجنة العسكرية الأمنية المشتركة تكونت عام 2010 قوامها ثلاثة آلاف جندي مسلح إلي جانب 26 مراقبا من كل طرف، مسؤولة عن منع الاختراقات الحدودية بكل أشكالها إلي جانب التهريب والسرقات واسترداد الممتلكات المنهوبة علي طول الشريط الحدودي البالغ 1350 كيلومترا. تم إنشاء هذه الالية لضبط الأعمال والأنشطة العدائية والعسكرية التي تهدد النظام السياسي في البلدين ويقصد بهم المعارضة التشادية المسلحة والحركات المسلحة الدارفورية، والاهم، التحقق من عدم إيواء آي دولة لمعارضة الدولة الاخرى. إعادة قيادة القوات للجانب السوداني وتفعيل النص المجمد من. العام 2016 في هذا الوقت يشير لرغبة الجانب التشادي لتولي مسؤولية رصد وفحص والتعاطي مع معسكرات المعارضة للحكومة السودانية مع كامل مسؤوليتها وفق البرتوكول الأمني.
ردود الفعل على الحادث تمثلت في دعوة قائد قوات الدعم السريع لانعقاد مجلس الأمن والدفاع السوداني الذي قرر اعتماد الاجراءات السياسية والدبلوماسية لاحتواء الموقف والتهدئة، وحث الجانب التشادي على ملاحقة المجرمين وتعزيز قدرات ودور القوات المشتركة السودانية التشادية وضبط التحركات على الحدود بين البلدين.
في الجانب التشادي، تم إقالة والي ولاية دفراة الحدودية المتاخمة للأحداث واستبداله بجنرال عسكري يسمي أيوب عبد الكريم عبد الله الامر الذي يمكن ان يفسر استعداد انجامينا لحدث مستقبلي.
يمكن القول، ان تداعيات الحادث لن تتجاوز ما حدث، ولكن، يمكن ان يكون لها تداعيات مستقبلية وذلك نتيجة للاحتقان المجتمعي الكبير في دارفور وعلى جانبي الحدود والرغبات في الثأر والتي ستفرض على قيادة الدعم السريع عبئًا كبيرا قد يعجل في المواجهة بينها وبين الخرطوم الرسمية، الامر الاخر، ان حميدتي سيطالب بفتح ومراجعة البرتوكول الأمني واللجنة الأمنية العسكرية المشتركة ومشاركة قواته فيها إلى جانب الحركات الموقعة على مسار جوبا الامر الذي سيزيد من شقة الخلاف بينه والمؤسسة العسكرية.
توتر العلاقات السودانية التشادية سيجعل قائد قوات الدعم السريع قربانا لها، حيث يعتمد ميزان القوى لدي حميدتي علي على تحالفه مع الحركات المسلحة الموقعة على مسار جوبا وعلاقته مع النظام التشادي في المحافظة على نفوذه ومصالحه في الخرطوم، وتحقيق طموحه السياسي بالمشاركة في الحكم. الان، اختلت هذه المعادلة لصالح الخرطوم وحكامها العسكريين ومعهم مكونات أساسية من القوى السياسية وبعض الحركات المسلحة في دارفور والنوبة وشمال كردفان، والذين لا يخفون ان عدوهم الأول في السودان ويتمثل في الدعم السريع بكل تمظهراته العسكرية والاجتماعية والسياسية.
بمعني آخر، محمد حمدان دقلو – حميدتي – محاصر بشروط الانتقال ومطالب بتقديم تنازلات كبيرة أو الاستعداد لمعركة يقف الجميع فيها ضده، الخرطوم وانجمينا وبعض القبائل والمجموعات العرقية الكبرى في دارفور.
الخلاصة:
التوترات الحدودية بين السودان وتشاد قد تكون المبرر الذي يبحث عنه الفريق عبد الفتاح البرهان وحاضنته الإسلامية وشركائه الإقليميين في التخلص من الدعم السريع وتقليل نفوذ قيادته الامر الذي قد يؤدي لحرب مفتوحة، تهدد استقرار كل المنطقة وتضعها امام كارثة إنسانية جديدة بسبب تداعيات حروب الهوية والبقاء الشاملة. وهناك بعد دولي اخر، وهو ان الولايات المتحدة وضعت هدفا مركزيا لها في السودان، يقوم على ضرورة اخراج قوات الامن الروسية المعروفة باسم ” فاغنر ” من الأراضي السودانية وخاصة قواعدها القريبة من حدود افريقيا الوسطى والتي يتهم حميدتي وقوات الدعم السريع بحمايتها وتسهيل حركتها.