صدع الإجماع الغربي: حظر الاستيطان البريطاني

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقديم:

فرضت بريطانيا حظراً على السلع المصنّعة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، وعقوبات على الشركات الضالعة في توسّع استيطاني متسارع. وجاء الإعلان، الذي ألقاه وزير الخارجية إد ميليباند أمام مجلس العموم، منسّقاً مع فرنسا وكندا، وسط تأييد فوري من دول أوروبية عدة. وذهب الوزير إلى وصف توسّع المستوطنات والعنف ضد المدنيين العرب بأنه “تطهير عرقي” في الضفة الغربية، محمّلاً الحكومة الإسرائيلية مسؤولية التغاضي عنه ودعم التهجير القسري.

تحمل الخطوة، الآتية من حليف تقليدي راسخ لإسرائيل، دلالة تتجاوز كونها انعطافاً ظرفياً. فهي حلقة في تآكل تدريجي للأساس الذي جعل الدعم البريطاني لإسرائيل يبدو تلقائياً وغير مشروط، مع ما يعنيه ذلك من تداعيات على مسار العلاقات الغربية-الإسرائيلية.
الإعلان وسياقه:

أعلنت بريطانيا حظراً على السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، وعقوبات على الشركات المشاركة في نشاط بناء استيطاني. وأكد وزير الخارجية إد ميليباند، في كلمة أمام مجلس العموم، أن الخطوة جاءت بالتنسيق مع فرنسا وكندا، وأن دولاً أوروبية عدة أعلنت دعمها فوراً. وخلصت لندن إلى أن توسّع المستوطنات والعنف ضد المدنيين العرب يرقى إلى “تطهير عرقي” في الضفة الغربية، مشيراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية “غضّت الطرف” عن ذلك، بل إن أعضاء فيها “أدلوا بتصريحات واتخذوا إجراءات لدعم التهجير القسري للفلسطينيين”.

قطيعة مع السابقة:

تصاعد لدى المراقبين إحساس بأن وزير خارجية بريطانياً أظهر، للمرة الأولى في مجلس العموم، جرأة أخلاقية حقيقية واستعداداً عملياً للتحرك ضد إسرائيل. وبعد حكومات اتسمت بالتردد والمراوغة والحذر، جاء هذا الموقف أكثر صراحة في قول الحقيقة. واستخدام ميليباند عبارة “تطهير عرقي” لوصف ما يجري في الضفة الغربية لافت، إذ لم يستخدمه أي من أسلافه. وفي سياق العدوان الإسرائيلي على غزة، لم تُصرّح حكومتا ستارمر أو سوناك في أي لحظة بأن إسرائيل انتهكت القانون الدولي، باستثناء مرة واحدة حين أخطأ وزير الخارجية آنذاك ديفيد لامي في التعبير، فدفعه مقر رئاسة الوزراء إلى تصحيح تصريحه.

وذهب ميليباند أبعد من ذلك، بدعمه المسارات القانونية الدولية لتحديد ما إذا كانت إسرائيل قد انتهكت القانون الدولي، واستشهاده بتقرير لجنة التحقيق الأممية التي اتهمت إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة.

بداية لا نهاية:

لاقت القطيعة مع التقليد ترحيباً واسعاً، وهي تولّد بالفعل ضغوطاً لمزيد من الإجراءات. رحّبت افتتاحية “الغارديان” في 9 سبتمبر بالإعلان، لكنها شددت على أنه يجب أن يكون بداية تحوّل نموذجي في التعامل مع إسرائيل، لا نهايته. وخلصت إلى أن الاختبار الحقيقي ليس ما قاله ميليباند، بل ما سينفذه في الأشهر المقبلة. فقد وعد بـ”نظام عقوبات” يستهدف “الشركات والأفراد” الداعمين للمستوطنات. وقد قبلت بريطانيا المبدأ القائل بوجوب قطع الروابط التجارية التي تغذي احتلالاً غير قانوني؛ والاختبار الآن هو ما إذا كان الوزير قادراً على تحويل هذا المبدأ إلى حظر شامل، لا مجرد قائمة سوداء رمزية. ومن الجدير بلاتنويع الى ان ا الخطوة البريطانية اتخذت بالاشتراك مع 11 دولة أخرى، بينها فرنسا وكندا، ما يعني أن ثلاث دول من مجموعة السبع تفرض الآن عقوبات على المستوطنات. وقد تنضم دول أخرى لاحقاً، وقد شجّع التعليق عليها على ذلك.

ردّ إسرائيل والتداعيات الدبلوماسية:

رأى مراسل “بي بي سي” الدبلوماسي، في تقييم موسّع وتحليلي في 8 سبتمبر، أن إسرائيل منزعجة بعمق من إجراء الثلاثاء الذي اتخذته بريطانيا و11 دولة أخرى، بينها فرنسا وإسبانيا وكندا. وقد لا تمثّل المنتجات المصنّعة في المستوطنات حصة كبيرة من الصادرات الإسرائيلية، لكن الرمزية السياسية لإفرادها بالذكر قوية. وخلص المراسل إلى أن العلاقات الإسرائيلية-البريطانية تشهد ما يشبه إعادة تفكير جذرية، ما يترك العلاقة في أدنى مستوياتها منذ عقود. وأيد معلّقون آخرون هذا التقييم، مشددين على دلالة عدد الدول المنضمة إلى الجهد.

تداعيات عبر الأطلسي:

تناولت “نيويورك تايمز” في مقال نشرته في 9 سبتمبر كيف تنضم أوروبا إلى بريطانيا في هذه الخطوة، ما يخلق كتلة عمل موحّدة حتى مع مخاطرة إثارة الغضب الأمريكي.

وقال دانيال ك. كورتزر، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، للصحيفة: “فكرة مقاطعة سلع المستوطنات أو حتى معاملتها بشكل مختلف جمركياً كانت مطروحة دائماً، لكن لم يُفعل شيء تقريباً حتى الآن”. وأضاف: “حتى فكرة وسم سلع المستوطنات بوضوح للتمييز بينها وبين ‘صنع في إسرائيل’ لم تلقَ رواجاً”. ووصف كورتزر، الذي يدرّس الآن في جامعة برينستون، الخطوة بأنها قد تكون “ضربة اقتصادية بالغة الأهمية لحركة المستوطنات وأي حكومة إسرائيلية تدعمها”.

وقال دانيال ليفي، مدير “مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط” – وهو مركز أبحاث في لندن ونيويورك يركّز على السلام في الشرق الأوسط – إن الخطوة “تنقل الأمر إلى أرضية جديدة، بالتأكيد على الجانب البريطاني”. وأضاف: “إنها تختبر فرضية أن بريطانيا لا تزال تمتلك بعض الثقل. هذه بريطانيا تأخذ دوراً قيادياً، وهو ما يمنح دولاً أخرى مجالاً للمناورة”.

وأشارت “واشنطن بوست” في 9 سبتمبر إلى أن الخطوات تمثّل أوضح قطيعة حتى الآن مع الدور التقليدي لبريطانيا كداعم راسخ لإسرائيل، وتُظهر كيف أن تصرفات إسرائيل في الضفة الغربية وحربها في غزة تُرهق تحالفات عريقة. وبريطانيا واحدة من 12 دولة – بينها فرنسا وإيرلندا وكندا – تفرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية؛ وقد اتخذت إيرلندا وإسبانيا بعض الإجراءات بالفعل، بينما كانت فرنسا تضغط دون نجاح لتحرك الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة.

حجة الضغط الدولي:

اكتسبت فكرة أن الضغط الدولي قادر على تغيير مواقف كانت تُعدّ يوماً محرّمة سياسياً اعترافاً أوسع. وفي مقال بـ”فايننشال تايمز”، رأى ميخائيل بن يائير – المدعي العام الإسرائيلي بين 1993 و1996 – أن السبيل الوحيد ذا المعنى لتحقيق تصحيح المسار هو أن يوضح المجتمع الدولي أن استمرار ترسيخ الاحتلال غير مقبول، وأن للسياسة تبعات. والإجراءات البريطانية الجديدة ليست محدودة بالمستوطنين العنيفين؛ بل تشمل حظر التجارة مع المستوطنات وتوسيع العقوبات ضد من يتغاضون عن العنف والتوسع الإقليمي. وقد تكون بريطانيا أول حليف مهم لإسرائيل يعلن إجراءات من هذا النوع، لكن – كما يظهر البيان الصادر في اليوم نفسه عن 11 وزير خارجية آخرين – من غير المرجح أن تكون الأخيرة

الخلاصة والتقدير:

– ليس هذا قطيعة. فإسرائيل لا تزال حليفاً لبريطانيا، وقد قال كبار الوزراء ذلك صراحة، ولا أحد في الحكومة يتظاهر بخلافه. لكن الخطأ سيكون في قراءة الأمر كإيماءة معزولة. إنه أحدث مرحلة في تآكل أطول: الأسس التي جعلت الدعم البريطاني لإسرائيل يبدو تلقائياً وغير مشروط وفوق المساءلة تتهاوى.
– هذا صدع آخر، لحظة أخرى تُهتك فيها قواعد التعامل القديمة ويبدأ إجماع جديد في حلّها. والنمط الآن لا لبس فيه: كل صدع يجعل دعم إسرائيل أصعب تبريراً كخيار افتراضي غير مشروط، وكل صدع يجعل المساءلة أصعب تأجيلاً. واتجاه المسار واضح: الحقوق الفلسطينية تتصدر أكثر، وسلوك إسرائيل يواجه تبعات كانت تُعدّ مستحيلة قبل سنوات قليلة. هذا الزخم هو جوهر القصة هنا – ويجب الحفاظ عليه، لا أن يتوقف كإعلان لمرة واحدة.
توصيات :

أولاً: ترجمة المبدأ إلى إجراء. على بريطانيا تحويل التزامها بقطع الروابط التجارية مع الاحتلال إلى حظر شامل، لا قائمة رمزية، مع جدول زمني واضح للتنفيذ.

ثانياً: توسيع الكتلة الدولية. البناء على التنسيق مع فرنسا وكندا و11 دولة أخرى لضم دول أوروبية وغربية إضافية، بما في ذلك الضغط على الاتحاد الأوروبي للتحرك ككتلة واحدة.

ثالثاً: التمييز الجمركي والوسم. اعتماد آليات عملية لوسم سلع المستوطنات وتمييزها جمركياً، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات السياسية.

رابعاً: استهداف الشبكات المالية. توسيع العقوبات لتشمل الكيانات المالية والدبلوماسية الداعمة للمستوطنات، لا الشركات التجارية فقط.

خامساً: حماية المسار القانوني الدولي. دعم المسارات القانونية الدولية، بما في ذلك لجنة التحقيق الأممية، وضمان عدم إفلات إسرائيل من المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي.

سادساً: إدامة الزخم. تجنّب تحويل الإعلان إلى حدث لمرة واحدة، عبر إنشاء آلية متابعة دورية تُصدر تقارير عن تنفيذ الإجراءات وتأثيرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.