شعوب التاج الملكي تطالب بتقرير المصير: أي تهديد لوحدة المملكة المتحدة؟
ورقة سياسات.
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
ملخص تنفيذي:
– شهدت كارديف في 14 سبتمبر 2026 توقيع مذكرة تفاهم بين الحزب الوطني الاسكتلندي وحزب بلايد كيمرو وحزب شين فين، وهي الأولى من نوعها بين قوى قومية تتولى رئاسة حكومات اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية. تؤكد المذكرة حق شعوب الأقاليم الثلاثة في تقرير المصير، لكنها لا تطرح انفصالاً فورياً ولا جدولاً زمنياً للاستفتاءات.
– تستثمر الخطوة خطاب رئيس الوزراء آندي بيرنهام حول اللامركزية، وتتغذى على سياق دولي حساس: تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وحدة أيرلندا، وموقف لندن الداعم لحق تقرير المصير في فلسطين. وتربط المذكرة المطلب الدستوري بأجندة اقتصادية وطاقية وأوروبية، بما يجعل الاستقلال مشروعاً تنموياً أكثر منه شعاراً سياسياً.
– يبدو التصعيد الراهن أداة ضغط من أجل صلاحيات أوسع وتمويل أفضل وعلاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي، أكثر من كونه تهديداً وشيكاً لوحدة المملكة المتحدة. ويتوقف مستقبل المسار على قدرة لندن على احتواء التفاوت عبر اللامركزية والتنمية: نجاحها يقلل جاذبية الانفصال، وفشلها يعزز رواية القوميين.
تقديم:
قمة العاصمة الويلزية كارديف اسفرت عن توقيع مذكرة تفاهم، لا تشكل معاهدة انفصال ولا جدولاً زمنياً للاستفتاءات، لكنها أول تنسيق علني منظم بين قوى قومية تسيطر الآن على حكومات البلدان الثلاث. تأتي الخطوة في سياق تبشير رئيس وزراء بريطانيا باللامركزية، وبعد أيام من “تمنّي” الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحدة أيرلندا. فما الذي يعنيه هذا التطور حول مستقبل وحدة المملكة المتحدة؟
عناوين مذكرة التفاهم:
تشمل مذكرة التفاهم ملفات عديدة يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
1. تقر المذكرة أن لاسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية تواريخ وهويات وتقاليد سياسية متمايزة، وأن لكل أمة الحق في تقرير مستقبلها بوسائل ديمقراطية وفق إرادة شعبها.
2. تلتزم الأحزاب الثلاثة بالعمل معاً بما يخدم شعوبها، وتعلن أن الأمم والمجتمعات التي تمثلها تستحق طموحاً أكبر وفرصة اقتصادية أوضح وصوتاً أقوى في رسم مستقبلها.
3. تسجّل أن المشهد السياسي تغيّر، وأن الوزير الأول في اسكتلندا والوزير الأول في ويلز والوزيرة الأولى في شمال أيرلندا يؤيدون الاستقلال عن المملكة المتحدة للمرة الأولى في آن واحد.
4. تعتبر هذا التوافق أوضح إشارة إلى أن زمن “وستمنستر” يقترب من نهايته، وتعلن أن الزخم يسير مع الحركات القومية وأن التغيير الدستوري قادم.
5. تدعو إلى تعاون الأمم بوصفها أطرافاً متساوية تتبادل الأفكار والخبرات، وتبني علاقاتها على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
6. ترفض ما تسميه النموذج الاقتصادي المعطوب في وايتهول، وتتعهد بتبادل الخبرات لبناء اقتصادات منتجة تخلق وظائف جيدة وتقلل التفاوت وتوزّع الثروة والفرصة بعدل.
7. تلتزم بتوسيع الموارد الطاقية الذاتية، ولا سيما الطاقة المتجددة، لخفض فواتير الأسر والشركات، وتؤكد أن ثروة الطاقة يجب أن تخدم شعوب هذه الأمم.
8. ترى أن “بريكسيت” (الانفصال عن الاتحاد الأوروبي (أضر باقتصاداتها، وتعلن أن مستقبل هذه الأمم ينتمي إلى الاتحاد الأوروبي، وتتعهد بإعادة بناء العلاقات الأوروبية في التجارة والاستثمار والثقافة والتعاون.
9. تنص على ألا يحق لأي حكومة في وستمنستر تعطيل الديمقراطية أو النيل من مبدأ تقرير المصير، وتعترف في الوقت نفسه بأن لكل حزب موقفاً دستورياً مختلفاً وبأن كل أمة تسلك طريقها في وقتها.
10. تطلب من حكومة المملكة المتحدة أن تستعد وتخطط وتسهل التغيير الدستوري في كل ولاية قضائية، وترسم مستقبلاً تتعاون فيه هذه الأمم بثقة وتتحدث باسم نفسها وتبني علاقاتها على المساواة والاحترام والمنفعة المتبادلة.
– الخلفية التاريخية والسياق الراهن:
تعود جذور التحرك الحالي إلى تسويات أواخر التسعينيات، لا سيما استفتاءات الحكم الذاتي في اسكتلندا وويلز عام 1997، واتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 الذي أنهى العنف في أيرلندا الشمالية ووضع آلية لاستفتاء حدودي إذا ظهر أن الأغلبية تميل إلى الوحدة الأيرلندية. بقي الاستفتاء الاسكتلندي الوحيد الذي أُجري فعلياً عام 2014، وفاز فيه خيار البقاء بنسبة 55 بالمئة.
بعد بريكسيت تصاعد الشعور بأن السلطة في لندن لم تعد تمثل مصالح الأطراف، وأن النموذج المعتمد للتمويل غير عادل، وأن الخروج من الاتحاد الأوروبي قطع طرقاً اقتصادية وثقافية كانت الأقاليم تعتمد عليها.
ورغم هذه الخلفيات التاريخية، فإن قمة كارديف ليست إعلاناً سياسياً انفصالياً، بل مناسبة مهمة تُفصح فيها المقاطعات الثلاث عن طموحات وهواجس تبرر “تقرير المصير”.
فقد اجتمع القادة بصفاتهم الحزبية لا بصفاتهم الحكومية الرسمية لصياغة نص يمثل عناوين مشتركة نادراً ما اجتمعت في حيز واحد. ويُستنتج مما صدر عن المجتمعين تذكير بأن حكومات مؤيدة للاستقلال تقود الأقاليم الثلاثة لأول مرة، بما يوحي بأن على لندن أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار وأن تستعد لتسهيل التغيير الدستوري. وتجمع المذكرة بين مطلب تقرير المصير وبرامج عملية في الطاقة المتجددة والنمو الاقتصادي وإعادة بناء العلاقات مع أوروبا، مع تفضيل واضح لعضوية الاتحاد الأوروبي لاسكتلندا وويلز مستقلتين ولأيرلندا الشمالية عبر الوحدة مع الجمهورية.
– مفارقات لامركزية بيرنهام:
تولى آندي بيرنهام منصب رئيس الوزراء في 20 سبتمبر 2026 بعد استقالة سلفه كير ستارمر، حاملاً خطاباً عن تحديث الدولة البريطانية وتوسيع حصة الأطراف في إدارة البلاد. وتمثّل الأمر خصوصاً في إنشاء مقر آخر لرئاسة الوزراء في مانشستر يعمل بالتوازي مع المقر الأصلي في “10 داونينغ ستريت” في لندن. وتشمل خطته توسيع صلاحيات العمد في الإسكان والتعليم والنقل والطاقة، وزيادة السيطرة العامة على الخدمات الأساسية. ويرى بيرنهام أن النمو لا يُفرض من الأعلى، وأن إنجلترا نفسها تعاني مركزية مفرطة.
المفارقة أن هذا الخطاب يعيد القوميون تدويره لصالحهم. وتقوم حجة قمة كارديف على نظرية بيرنهام من جهة أنه إذا كان المبدأ أن الشعوب والمناطق تقرر مصيرها الاقتصادي والإداري، فلا شيء يحول دون مقاربة المصير الدستوري.
وكان بيرنهام قد أكد في مجلس العموم أن بيان حزب العمال الانتخابي لعام 2024 أعلن رفض استقلال المقاطعات. وقد قرأ القوميون فيما يعتقدون أنه تناقض في خطاب بيرنهام تراجع فرص المطالبة بحقوق دستورية أوسع، فيما تجد المصادر القريبة من الحكومة أن اللامركزية التي يبشر بها رئيس الوزراء تقتصر على الإنماء والخدمات والاقتصاد ولا تشمل أي تسهيلات من شأنها أن تقوّض سيادة ووحدة المملكة المتحدة.
بالمقابل، ترى مراجع سياسية مراقبة أن من شأن لامركزية بيرنهام وأجنداته الداخلية أن تساهم في تخفيف التصعيد الذي يلوّح به القوميون ويهوّلون به على لندن. وتوضح هذه المراجع أن نجاح خطط حكومة بيرنهام في لندن من شأنه أن يقلل من جاذبية الانفصال إذا شعر الاسكتلنديون والويلزيون أن النمو يصل إليهم. بالمقابل، فإن فشل تلك الخطط من شأنه أن يعزز رواية قوميي الأطراف الذين لطالما اتهموا إنجلترا بالاستيلاء على الحصة الأكبر من اقتصاد المملكة ومواردها على حساب بقية المقاطعات.
– فتوى ترامب وموقف لندن من المستوطنات:
قبل يومين من قمة كارديف، كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال زيارة إلى أيرلندا أنه “يحب أن يرى أيرلندا موحدة”، وأن ذلك “سيحدث في النهاية” وقد يكون “رائعاً”. وفيما قد يُدرج موقف ترامب في إطار تصريحاته المثيرة للجدل أو في إطار رد على سؤال تقليدي تفرضه مناسبة وجوده في أيرلندا ولا يتجاوز الأمر تمنّياً شخصياً لا موقفاً سياسياً رسمياً، فمن غير المستبعد أن يكون الموقف مقصوداً وجزءاً من سياق العلاقة المتوترة بين الإدارة في واشنطن وحكومات حزب العمال. وأيا يكن تفسير الموقف وخلفياته، فإنه يخرج عن الحياد التقليدي لواشنطن منذ اتفاق الجمعة العظيمة، ويغضب الوحدويين في بلفاست ولندن، فيما رحبت به الأوساط القومية.
إضافة إلى توتر واشنطن من وصول حزب العمال إلى الحكم وظهور تعليقات عدائية ضد حكومة لندن من قبل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وغيره من أعمدة الإدارة، فإن العلاقة الشخصية بين ترامب وبيرنهام تلعب دوراً غير ودي بين الرجلين. سبق لبيرنهام أن انتقد السياسة الأميركية المرتبطة بترامب واعتبرها وراء عدم الاستقرار، فيما وصف ترامب بيرنهام بأنه «ليبرالي متطرف» وشكك في استعداده لفتح آبار النفط في بحر الشمال.
لا يمكن استبعاد أن تكون تصريحات ترامب جزءاً من مسلسل الضغوط التي تمارسها واشنطن على لندن بسبب ابتعاد بريطانيا عن الولايات المتحدة إلى درجة رفض حكومة ستارمر السابقة استخدام الولايات المتحدة لقواعد بريطانية في مواجهة إيران، ثم فرض شروط من أجل ذلك. ومع ذلك، فإن قمة كارديف تقرأ موقفه من وحدة أيرلندا كإشارة إلى أن أكبر حليف تقليدي للندن لم يعد يعتبر وحدة المملكة خطاً أحمر تلقائياً.
في الوقت نفسه، اتخذت حكومة بيرنهام في 8 سبتمبر 2026 موقفاً متشدداً تجاه المستوطنات الإسرائيلية شمل عناوين أهمها:
– اعتبار الاحتلال غير قانوني.
– حظر استيراد سلع المستوطنات.
– استهداف جهات تمويل التوسع الاستيطاني.
وفيما تتحدث لندن، وعلى لسان بيرنهام، عن حق الشعوب في تقرير مصيرها والقانون الدولي في الشرق الأوسط، يتساءل قوميو المملكة المتحدة عن تردد لندن في تطبيق هذه العناوين والمعايير على الشعوب التي تعيش في ظل التاج الملكي.
خلاصة واستنتاجات:
1. تكتسب قمة كارديف دلالتها من كونها أول تنسيق علني منظم بين القوى القومية التي تدير حكومات الأقاليم الثلاثة، أكثر مما تكتسبها من مضمون مذكرة التفاهم نفسها. فالمذكرة، بحد ذاتها، لا تتضمن التزامات قانونية ملزمة ولا جدولاً زمنياً للاستفتاءات، لكنها تعمل كإطار رمزي وسياسي يمنح الحراك القومي قدراً من التنسيق والظهور الإعلامي، ويضع لندن أمام واقع جديد يتعين عليها التعامل معه.
2. يبدو أن القوى القومية تدرك أن الظرف الراهن لا يسمح بطرح الانفصال كخيار فوري، فاختارت صيغة أكثر مرونة تربط تقرير المصير بملفات اقتصادية وطاقية وأوروبية، بهدف بناء قاعدة تأييد اجتماعي أوسع داخل الأقاليم، وتحويل الاستقلال من شعار سياسي إلى مشروع تنموي قابل للقياس. وهذا الربط يجعل مستقبل المسار رهناً بأداء الحكومة المركزية في لندن: فإن نجحت في معالجة التفاوت الاقتصادي ووصل النمو إلى الأقاليم، تراجعت جاذبية الانفصال؛ وإن فشلت، وجد القوميون في هذا الفشل سنداً إضافياً لروايتهم.
3. يصطدم هذا التعويل بموقف حكومي بريطاني حاسم يرفض أي استفتاء على الاستقلال في المدى المنظور، ويصر على أن اللامركزية التي يبشر بها بيرنهام تقتصر على الإنماء والخدمات ولا تمس السيادة أو الوحدة. وبناءً على ذلك، فإن السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس الانفصال، بل استمرار الضغط من أجل صلاحيات أوسع وتمويل أفضل وعلاقات أوروبية أوثق، مع إبقاء الخيار الدستوري مفتوحاً كأداة تفاوض لا كهدف مرحلي.
4. على الصعيد الخارجي، فإن تصريحات ترامب حول وحدة أيرلندا، والموقف البريطاني المتشدد من المستوطنات الإسرائيلية، يمنحان الحراك القومي مادة خطابية مهمة، لكنهما لا يغيران في المدى المنظور القواعد القانونية البريطانية التي تحكم مسألة الاستقلال. وتبقى الإشارة الأميركية إلى وحدة أيرلندا، في أفضل الأحوال، عاملاً مساعداً على تغيير البيئة الدولية للنقاش، وليست عاملاً حاسماً في تحديد مساره.
يمكن تصنيف الآثار المحتملة لقمة كارديف على النحو التالي:
– أثر فوري محدود: لا تغيير في موازين القوى الدستورية، ولا استفتاءات مرتقبة، لكنها ترفع من منسوب التنسيق بين القوى القومية.
– أثر متوسط المدى: زيادة الضغط على لندن لتقديم تنازلات إدارية ومالية، وربما إعادة فتح النقاش حول نموذج اللامركزية نفسه.
– أثر بعيد المدى: إذا تراكمت هذه الضغوط وترافق معها فشل حكومي في معالجة التفاوت، فقد يتحول النقاش من صلاحيات أوسع إلى حق دستوري في الاستفتاء.