سجون تنظيم الدولة في شمال شرق سوريا

اختبار الأمن والسيادة أمام حكومة دمشق

عمر سعيد – مركز تقدم سياسات

تقدير موقف

تقديم: تُعد أزمة سجون تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمال شرق سوريا أحد أخطر التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه حكومة دمشق في مرحلتها الانتقالية الراهنة. فهذه السجون، التي تضم آلاف المقاتلين من ذوي الخبرة القتالية، إلى جانب عشرات الآلاف من عائلاتهم، لم تعد مجرد منشآت احتجاز، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى ملف سيادي مركزي، استُخدم كورقة نفوذ سياسي وأمني من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وشركائها الدوليين.
ومع ترتيبات الوضع في شمال شرق الفرات، بما في ذلك نقل الصلاحيات الأمنية والإدارية إلى الحكومة السورية، عاد ملف سجون التنظيم إلى الواجهة باعتباره “قنبلة موقوتة” تهدد الاستقرار الهش، وتختبر في آن واحد قدرة الدولة على بسط سيادتها، ومنع عودة التنظيم، وإغلاق بوابة التدويل الأمني التي فُتحت طوال عقد من الصراع.
تنطلق هذه الورقة من سؤال محوري: هل تمتلك حكومة دمشق القدرة والأدوات اللازمة لاجتياز اختبار سجون تنظيم الدولة بوصفه اختباراً للأمن والسيادة معاً، لا مجرد أزمة أمنية طارئة؟

السياق والخلفية: من الاحتجاز إلى التسييس:
منذ الهزيمة العسكرية لتنظيم الدولة عام 2019، تولت قسد إدارة شبكة واسعة من السجون والمعسكرات في الحسكة والشدادي والقامشلي (ديريك) وسجن الأقطان في الرقة، إضافة إلى مخيم الهول. وتضم هذه المنشآت، وفق تقديرات أمريكية عام 2023، نحو تسعة آلاف مقاتل من التنظيم، وأكثر من 27 ألفاً من عائلاتهم في مخيم الهول، إضافة إلى عشرات الآلاف من المحتجزين من جنسيات تقارب سبعين دولة.
خلال هذه المرحلة، لم يُدار الملف بوصفه شأناً أمنياً انتقالياً، بل جرى استثماره سياسياً لتكريس دور قسد باعتبارها “شريكاً لا غنى عنه” في مكافحة الإرهاب، وربط أي انسحاب لها من شرق الفرات بخطر انهيار أمني شامل، بما يبرر استمرار الوصاية الدولية غير المباشرة على المنطقة.
غير أن التحول الذي أُعلن عنه في 18–19 يناير/كانون الثاني 2026، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقسد، ونقل الإدارة الأمنية والعسكرية لمحافظتي الرقة ودير الزور، ودمج قوات قسد في الجيش السوري، أعاد ترتيب المشهد بصورة مفاجئة. فقد تزامن هذا التحول مع اشتباكات قرب سجون الشدادي وسجن الأقطان، وتصريحات عن فقدان السيطرة على بعض مواقع الاحتجاز، واتهامات متبادلة بشأن إطلاق سراح عناصر من التنظيم أو الامتناع عن تسليم السجون كاملة.
هذا الواقع، أعاد ملف السجون إلى صدارة المشهد بوصفه نقطة هشاشة كبرى في لحظة سياسية وأمنية انتقالية.

التقدير: جوهر الأزمة ومخاطرها:
لا تكمن خطورة سجون تنظيم الدولة في احتمال الهروب الجماعي للسجناء فحسب، بل في طبيعتها المركبة بوصفها مخزوناً بشرياً مؤدلجاً قابلاً لإعادة التنظيم، وأداة ضغط سياسي داخلي وخارجي، واختباراً مباشراً لقدرة الحكومة السورية المؤقتة على فرض السيادة بعد سنوات من التفكك.
إن الفشل في إدارة هذا الملف قد يفتح الباب أمام عودة التنظيم بصيغة جديدة أقل مركزية وأكثر شبكية، أو يعيد تبرير التدخلات الخارجية بذريعة “مكافحة الإرهاب” وحماية الأمن الإقليمي والدولي.
في هذا السياق، تتقاطع مصالح عدة أطراف مع سيناريو الانفلات. فقسد، سواء فقدت السيطرة فعلياً أم استخدمت الانسحاب كورقة ضغط، تستفيد من ترسيخ سردية أن غيابها يعني الفوضى، في محاولة لإعادة فرض نفسها شريكاً أمنياً. أما تنظيم الدولة، فيستفيد من الفوضى الجزئية لإعادة تنشيط خلاياه من دون الحاجة إلى هروب واسع النطاق. وفي المقابل، تراقب أطراف دولية أداء الحكومة السورية، وتربط نجاحها أو فشلها في هذا الملف بإمكانية إعادة الاعتراف بدورها، أو تبرير استمرار التدويل والوصاية الأمنية.

السيناريوهات المحتملة:
أول السيناريوهات يتمثل في نجاح حكومي نسبي قائم على السيطرة السريعة على السجون، ومنع الهروب واسع النطاق، وتفكيك البنى التنظيمية داخل أماكن الاحتجاز. في هذه الحالة، تعزز الحكومة شرعيتها داخلياً، وتفتح نافذة لإعادة التعامل الدولي معها بوصفها فاعلاً قادراً في مكافحة الإرهاب.
أما السيناريو الثاني، فهو الاستنزاف الأمني طويل الأمد، حيث تستمر محاولات الهروب والاضطرابات المحدودة، وتترافق مع عمليات منخفضة الوتيرة لتنظيم الدولة وضغوط سياسية وإعلامية خارجية. ويمثل هذا السيناريو نجاحاً أمنياً جزئياً بكلفة عالية، مع بقاء الملف مفتوحاً على التدويل.
السيناريو الثالث، والأخطر، يتمثل في الوقوع في “فخ الفوضى”، عبر هروب أعداد مؤثرة من السجناء وتصاعد العمليات الإرهابية، بما يؤدي إلى تحميل الحكومة مسؤولية الفشل، وإعادة تدويل الملف، وفرض ترتيبات أمنية تنتقص من سيادة الدولة.

خلاصات وتوصيات:
** يمثل ملف سجون تنظيم الدولة الاختبار الأخطر لحكومة دمشق في مرحلتها الانتقالية. فالنجاح فيه لا يعني فقط منع عودة التنظيم، بل إسقاط آخر أوراق الابتزاز السياسي والأمني في شمال شرق سوريا. أما الفشل، فسيعيد إنتاج التنظيم كذريعة، ويفتح الباب أمام عودة الوصاية الدولية بصيغ جديدة.
** التقدير يوصي بالتعامل مع هذا الملف بوصفه معركة سيادة طويلة الأمد، لا أزمة أمنية ظرفية، عبر تفكيك التنظيم لا الاكتفاء بإدارة السجون، وعزل القيادات العقائدية، وتفريق السجناء جغرافياً لمنع إعادة التشكل، وفرض إدارة وطنية كاملة للمنشآت، مع قبول رقابة تقنية محدودة لا ترقى إلى الشراكة الأمنية. كما يتطلب الأمر معالجة خاصة لمخيم الهول من خلال تفكيكه إلى وحدات أصغر، وفرز أمني–اجتماعي–قانوني، وإشراك البعد المحلي والعشائري، وبناء شبكات إنذار مبكر، وتجفيف الحاضنة الاجتماعية قبل ملاحقة الخلايا.
** المدخل الطبيعي ولمصلحة الاستقرار في سوريا الجديدة يكمن في تسريع انجاز الاتفاق السياسي والأمني لحكومة دمشق مع قوات سوريا الديمقراطية بما يشمل كافة الملفات بما فيها قضية معتقلات الجماعات الإرهابية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.