سجال متصاعد شيعي–شيعي في لبنان: الحيثيات والتحديات
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
تقديم: منذ بداية عهد رئيس الحكومة والحكومة الحالية في لبنان، أظهرت مواقف حركة أمل وحليفها حزب الله تبايناً في المقاربات، رغم حرص الطرفين على الحفاظ على وحدة “الثنائي الشيعي”. غير أن هذا التباين بات أكثر وضوحاً في الأسابيع الأخيرة، مع بروز مؤشرات داخلية وخارجية، لا سيما من منابر إيرانية، بالتزامن مع انطلاق مسار التفاوض غير المباشر بين لبنان وإسرائيل، ما يطرح تساؤلات حول حدود هذا التباين واحتمالات تطوره.
في المعطيات:
• في 15 أبريل 2026، كتب حسام الدين آشنا، المستشار السابق للرئيس الإيراني حسن روحاني، منشوراً على منصة (X) تساءل فيه عن مسار نبيه بري وإمكانية حدوث انشقاق داخل الطائفة الشيعية في لبنان، وموقف حركة أمل من حكومة تتفاوض مع إسرائيل.
• أثار المنشور ردود فعل واسعة، واعتُبر مؤشراً على ارتياب إيراني من توجهات محتملة لدى رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل.
• انتشر المنشور على نطاق واسع في الإعلام اللبناني والعربي، واعتُبر تحذيراً من انقسام شيعي–شيعي قد يضعف “محور المقاومة”.
• قوبل المنشور بحملة هجومية من أنصار حركة أمل ضد آشنا، تخللتها مواقف حادة، بدت منظمة ومكثفة.
• في اليوم نفسه، توجّه علي حسن خليل، معاون الرئيس بري، إلى الرياض للقاء موفد سعودي إلى لبنان، في زيارة وُصفت بالعاجلة. تناولت الزيارة بحسب المصادر اللبنانية ملفات وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، في سياق تحرك سياسي نشط.
• بالتوازي، استمرت الاتصالات السعودية–الإيرانية، حيث جرى اتصال بين وزيري خارجية البلدين في 14 أبريل 2026، في إطار متابعة التطورات الإقليمية.
• في 14 أبريل، اعتبر وزير المالية ياسين جابر أن اللقاء في واشنطن يمثل مدخلاً لوقف إطلاق النار، مشيراً إلى اجتماع تمهيدي أميركي–لبناني–إسرائيلي.
• في المقابل، أعلن مسؤولون في حزب الله رفضهم لمسار التفاوض، واعتبروه خرقاً للدستور وتنازلاً سياسياً.
• شهدت وسائل التواصل الاجتماعي بين 11 و13 أبريل حملات متبادلة حادة بين أنصار حزب الله وحركة أمل.
• اتهم أنصار الحزب حركة أمل بالانحراف عن خط “المقاومة” ، بينما دافع أنصار أمل عن براغماتية بري.
• ترافقت هذه الحملات مع مظاهرات في بيروت والضاحية، رُفعت خلالها شعارات طائفية، ما استدعى تحذيراً من الجيش اللبناني.
• أصدر حزب الله وحركة أمل بياناً مشتركاً يدعو إلى وقف التوتر واحتواء الفتنة.
• في 9 أبريل، قرر مجلس الوزراء اللبناني حصر السلاح بيد الدولة في بيروت، مع تكليف الجيش تعزيز السيطرة. اعترض وزراء حزب الله على القرار، فيما أبدت مصادر موافقة ضمنية من وزراء حركة أمل عليه.
• أعاد الجدل التذكير بالمواجهات السابقة بين الحزبين في أواخر الثمانينيات.
• أشارت تقديرات إلى استمرار الدور السعودي في دعم استقرار لبنان، مقابل استمرار التواصل مع إيران لاحتواء التوتر.
التحليل:
تكشف هذه المعطيات عن تبلور تباين بنيوي داخل “الثنائي الشيعي”، لم يعد قابلاً للاحتواء الكامل ضمن الصيغة التقليدية القائمة على تقاسم الأدوار. فبينما يتمسك حزب الله بأولوية “المقاومة” بوصفها إطاراً استراتيجياً إقليمياً مرتبطاً بإيران، تميل حركة أمل بقيادة نبيه بري إلى مقاربة أكثر براغماتية، تضع في الحسبان كلفة الانخراط في صراعات مفتوحة على البيئة الشيعية في لبنان.
يشير دخول منابر إيرانية على خط السجال إلى حساسية هذا التباين بالنسبة لطهران، التي تنظر إلى أي انقسام داخل الطائفة الشيعية في لبنان بوصفه تهديداً مباشراً لتماسك “محور المقاومة”. غير أن رد الفعل الغاضب من جمهور حركة أمل يعكس في المقابل وجود هامش لبناني مستقل نسبياً داخل هذا المحور، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باعتبارات داخلية.
في السياق نفسه، تعكس زيارة مبعوث بري إلى السعودية محاولة لإعادة التموضع ضمن توازن إقليمي دقيق، يستفيد من الانفتاح السعودي–الإيراني دون الانخراط الكامل في أي محور. هذا السلوك يعزز فرضية أن حركة أمل تسعى إلى لعب دور وسيط أو موازن، لا مجرد شريك تابع ضمن المعادلة الإقليمية.
داخلياً، فالسجال الشعبي والإعلامي بين جمهور الطرفين يمثل تطوراً لافتاً، إذ ينقل التباين من مستوى النخب إلى مستوى القواعد، ما يزيد من خطورة تحوله إلى انقسام مجتمعي، خاصة في ظل ذاكرة الصراع الدموي بين الطرفين في الثمانينيات. لذلك، جاء البيان المشترك لاحتواء التوتر، إدراكاً لحساسية الانزلاق نحو فتنة داخلية.
في المقابل، يشكل ملف التفاوض مع إسرائيل وحصرية السلاح بيد الدولة نقطة التباين الأكثر حدة. فحزب الله يرى في هذه المسارات تهديداً مباشراً لدوره ووظيفته، بينما تميل حركة أمل إلى التعامل معها ببراغماتية، انطلاقاً من موقعها داخل مؤسسات الدولة.
بذلك، يمكن القول إن التباين الحالي ليس ظرفياً، بل يعكس إعادة تعريف للأولويات داخل البيئة الشيعية بين منطق “المقاومة الإقليمية” ومنطق “حماية الكيان اللبناني”، وهو تباين مرشح للاستمرار، وإن بقي مضبوطاً ضمن سقف يمنع الانفجار الكامل.
الخلاصة:
• يسعى حزب الله وحركة أمل إلى مواراة تباين عقائدي بين الهوية العربية والإيرانية، للحفاظ على تماسك “الثنائي الشيعي”، إلا أن عناوين العهد الجديد في لبنان، ومسائل موقع الدولة و”المقاومة”، تضغط باتجاه تظهير هذا التباين.
• في مقابل رفض وزراء حزب الله لمسألة حصرية السلاح بيد الدولة والتفاوض مع إسرائيل، إلى درجة الانسحاب من الحكومة (من دون الاستقالة) ، يسعى وزراء حركة أمل إلى عدم الابتعاد عن مواقف الحزب، مع دعم قرارات الحكومة ومحاولة تبريرها.
• تمثل مرحلة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل تحدياً داهماً لوحدة “الثنائي”، مع بروز مواقف نقيضة بين رفض الحزب المطلق والتفهّم المشروط لدى الحركة.
• اضطر الحزب إلى ملاقاة الحركة في إصدار بيان (بعد مظاهرات طائفية رددت شعار “شيعة شيعة شيعة”) يستنكر الهتافات وينأى عنها، لتجنب احتكاكات طائفية.
• فرضت الحكومة حصرية السلاح في مدينة بيروت، مع نشر مكثف للجيش اللبناني، وسط رفض الحزب ودعم مبطن من الحركة.
• يشكّل تشكيك منابر إيرانية بسياسات الرئيس بري عاملاً مؤججاً للخلاف بين الحزب والحركة، وقد أثار غضب أنصار حركة أمل.
• يظهر تحرك سعودي من خلال التواصل مع بري وتوجّه مبعوث له إلى الرياض، وسط تحليلات بشأن سعي بري إلى تحقيق توازن إقليمي، وسعي سعودي لتبريد الجبهة الداخلية اللبنانية.
• يُعدّ التباين، ثم الخلاف والحملات المتبادلة بين جمهوري الحركة والحزب، مؤشراً مقلقاً بالنظر إلى الماضي الدموي للمواجهات بين الطرفين في ثمانينيات القرن الماضي.
• يصف الحزب بري بـ”الأخ الأكبر” ، وفق كلمات نعيم قاسم، وتعوّل الأوساط اللبنانية والعربية والدولية عليه لدمج الطائفة الشيعية في التحوّلات، لا سيما في مسألة حصرية السلاح بيد الدولة ومستقبل الصراع مع إسرائيل.