زيارة الرئيس الأرجنتيني إلى إسرائيل: “تحالف الحرية” و”اتفاقات إسحاق”
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات
مقدمة : بدأت في التاسع عشر من الشهر الجاري الزيارة الثالثة للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلاي إلى إسرائيل خلال عامين ونصف العام، وكانت الزيارة الأولى قد جرت في شهر تشرين الثاني من عام 2023. وإلى جانب الإعلان عن تشغيل رحلات جوية مباشرة بين بوينس آيرس وتل أبيب، تم الاتفاق على عدة مجالات للتعاون، شملت الأمن، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى توقيع مذكرات تفاهم. كما دارت مناقشات لاستكمال الخطوات لنقل السفارة الأرجنتينية إلى القدس.
من المتوقع أن تُسفر زيارة الرئيس الأرجنتيني عن خطوة سياسية أوسع نطاقاً، تتمثل في إطلاق ما يُعرف بـ”اتفاقات إسحاق”. وتشكل الزيارة الحالية تمهيداً لانطلاق هذه الاتفاقات الإقليمية بين إسرائيل وأمريكا الجنوبية، المستلهمة من “اتفاقات إبراهيم” الإقليمية. وتحمل هذه الاتفاقات، في معظمها، بُعدين أساسيين: الأمني والاقتصادي، إضافة إلى الإسناد السياسي لإسرائيل في المحافل الدولية.
برز ضمن المتحدثين الرسميين في حفل الاستقبال السفير الأمريكي مايك هاكابي، حاملاً تحيات الرئيس ترامب، ومؤكداً أن هذه العلاقات تتجاوز المفهوم الثنائي الضيق، بل إن الولايات المتحدة ممثلة بوزير خارجيتها ماركو روبيو، قد أسهمت بشكل جوهري فيها وعُنيت بها.
تحليل:
تندرج هذه الزيارة ضمن مسعى أمريكي تندمج فيه إسرائيل في تغيير خارطة التحالفات على مستوى العالم، واستبدال الأحلاف القديمة والتقليدية بأحلاف جديدة تقوم على أسس تتماشى مع الشعبوية السياسية التي ترافق الحقبة الحالية عالمياً. وتقوم هذه الأحلاف على التقرب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك على حساب القانون الدولي والشرعية الدولية. كما تقوم على عقيدة أقصى اليمين، وعقيدة الإنجيليين الجدد الذين يشكلون البيئة الحاضنة لترامب وأفكاره.
بالنسبة إلى إسرائيل، فإنها تسعى وفقاً لنتنياهو، كما هو الحال مع ميلاي، إلى ما يسمى “تحالف الحرية”. وإيغالاً في إسباغ هوية دينية توراتية، تحدث نتنياهو، في استقبال ضيفه، عن الخطوة القادمة في سلسلة الاتفاقات وهي “اتفاقات يعقوب”، دون أن يفصح عن الدول المعنية. ويبدو أنه يقصد الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء، والتي تشهد في العقود الأخيرة تحولات في النخب السياسية الحاكمة باتجاه الإنجيليين الجدد. وينعكس ذلك على مواقفها المتعلقة بإسرائيل، مقابل التراجع عن دعم قضايا العرب، وحصراً قضية فلسطين، مما يشكل تحدياً للاتحاد الأفريقي في مواقفه الداعمة للحق الفلسطيني. فيما تراهن إسرائيل دولياً على عدد من الدول الأفريقية التي تناصرها في المحافل الدولية، سعياً إلى منع اتخاذ قرارات ضدها.
بمتابعة التحالفات التي تقيمها إسرائيل مؤخراً، نجد أنها تحالفات غير تقليدية وغير محدودة جغرافياً، خاصة وأن نتنياهو يتحدث عن مقومات دولة عظمى إقليمياً ودولياً في مجالات معينة، ويقصد بذلك التكنولوجيا ومنظومات الأمن. كما تقوم الأحلاف الجديدة على شراكات في التطوير التكنولوجي عالي التطور، وفي دمج الذكاء الاصطناعي، وتقطيع المواقف الدولية التقليدية. فمع الهند، أطلق نتنياهو ومودي مفهوم “تحالف الأقوياء”، وكذلك الأمر بالنسبة للتحالف العسكري وفي مجال إمدادات الطاقة مع اليونان وقبرص، ومع الأرجنتين “تحالف الحرية”.
يراهن كل من نتنياهو وميلاي، وكذلك وزير الخارجية الأمريكي، على رؤية استشرافية مؤداها توفير إطار دائم للتحولات السياسية الأوسع نطاقاً التي تشهدها أمريكا اللاتينية في السنوات الأخيرة، والمتمثلة في تعزيز الحكومات والتيارات السياسية الساعية إلى التقارب مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتبني موقف أكثر حزماً تجاه إيران، والابتعاد عن التقاليد الدبلوماسية الحذرة التي ميزت بعض دول القارة في الماضي.
لا يمثل الرئيس الأرجنتيني الاتجاه العام في أمريكا اللاتينية ، بل يخالفه، وذلك حصراً بعد عودة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا إلى الحكم، وسقوط الشعبوي اليميني بولسونارو، المناصر لإسرائيل والولايات المتحدة وغير المكترث بالقانون الدولي. لتعود البرازيل وتتبوأ موقعها المتصدر في كتلة “بريكس”، والدفع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب لا يخضع للهيمنة الأمريكية. إلا أن نتنياهو، حين يتحدث عن تحالف ذي بعد إقليمي أمريكي جنوبي، فإنه يتحدث عن دول أخرى من الأمريكتين قد تنضم.
من اللافت أن خافيير ميلاي يُعدّ ليبرالياً يمينياً وشعبوياً، ويدعم اقتصاديات عدم التدخل، ويتماشى بشكل خاص مع مبادئ الفوضوية الرأسمالية، وهو داعم للسياسات الإسرائيلية والأمريكية، ويرفض قرار محكمة الجنايات الدولية بحق نتنياهو، وإلى حد كبير يلتقي عقائدياً مع كل من ترامب ونتنياهو والرئيس المجري السابق فيكتور أوربان.
في إسرائيل، يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها المحاولة الأولى لبناء إطار إقليمي جديد بين إسرائيل ودول أمريكا الجنوبية، يقوم على أساس دعم إسرائيل والولايات المتحدة ومعارضة إيران. ويبدو التوقيت ملائماً لحكومة نتنياهو التي تواجه العزلة الدولية الأكبر، وربما في تاريخ إسرائيل، وحصراً في مرحلة يزداد فيها الضغط الأوروبي نحو فرض عقوبات واتخاذ إجراءات، بما فيها إعادة النظر في اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، والتي تشكل بحد ذاتها بالنسبة لها اتفاقية فائقة الأهمية في المجالات الاقتصادية والعلمية والبحثية والتجارية.
كما تأخذ حكومة نتنياهو بالحسبان أنه، وبعد رحيل نظام أوربان في هنغاريا، فإن ذلك قد أزال أحد أهم المعوقات أمام الموقف الأوروبي الجماعي لاتخاذ إجراءات ضد إسرائيل ولصالح إقامة دولة فلسطينية. كما تشهد العلاقات الأوروبية الأمريكية تراجعاً غير مسبوق، وقد تتحول إلى قطيعة في عدة مجالات بعد الموقف الأوروبي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ورفض دول الناتو المشاركة فيها.
الخلاصات:
**تتجاوز زيارة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلاي إلى إسرائيل العلاقة الثنائية بين البلدين، إذ تندرج ضمن مشاريع أمريكية كبرى لإعادة رسم خارطة التحالفات العالمية القائمة على التوافق السياسي والعقائدي، متجاوزة الشرعية الدولية، ومتخلية عن الحلفاء التقليديين في أوروبا والغرب الذين باتوا أكثر نقداً للسياسات الأمريكية والإسرائيلية.
**من وجهة نظر إسرائيل، لا يُعد هذا مجرد لقب شرفي يُمنح لزعيم متعاطف، بل محاولة لتوفير إطار دائم سعياً لاستيعاب التحولات السياسية في أمريكا الجنوبية، القائمة على تعزيز الحكومات المتقاربة مع إسرائيل وأمريكا، وتبني موقف حازم تجاه إيران، والابتعاد عن التقاليد الدبلوماسية الحذرة. غير أن التمحور حول إيران يبدو فزاعة تبريرية أكثر منه واقعية سياسية.
**تراهن إسرائيل على متغيرات عالمية، حصراً في أمريكا الجنوبية ممثلة بالأرجنتين، وعلى حكم مودي في الهند، وعلى النخب الأفريقية الجديدة في جنوب الصحراء المتأثرة بعقيدة الإنجيليين الجدد القريبة من الرواية الصهيونية الدينية، وكذلك على اليونان وقبرص والاخيرتين على تحالف يواجه النفوذ التركي في شرق المتوسط. في مجالات الطاقة والممرات المائية والامن.
**التحولات في أمريكا اللاتينية، وحصراً في البرازيل، لا تشير إلى أن ميلاي يملك دفّة القيادة في القارة باتجاه “اتفاقات إسحاق”، بوصفها استنساخاً لـ”اتفاقات إبراهيم” في ظرف وجغرافيا مختلفين. فهذه الاتفاقات تراجعت مع الحرب على غزة، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي تحولت إلى أكبر مزعزع للاستقرار في المنطقة. في المقابل فإن مواقف خافيير ميلاي لا تعكس بالضرورة مواقف الشعب في الارجنتين.
**يبدو الرهان الأمريكي الإسرائيلي على ميلاي مبالغاً فيه على أرض الواقع، إلا أنه يكشف بوضوح نوايا إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، والتوجه الذي تسعى إليه في المرحلة القادمة.