زيارة الدبيبة إلى أبو ظبي: إعادة تموضع إماراتي ضمن المسار الأميركي لتسوية الأزمة الليبية

ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن

المقدمة:
في ظل تسارع الإيقاع الدبلوماسي الدولي والإقليمي الرامي لإنهاء الأزمة الليبية الممتدة منذ أكثر من عقد، زار رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، أبو ظبي يوم الخميس 2 يوليو 2026، حيث أجرى مباحثات مع رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد. تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، متزامنة مع تصاعد الحراك الدبلوماسي حول الملف الليبي، وعقب انطلاق المبادرة الأميركية التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس. ولا تمثل هذه الزيارة مجرد محطة في إطار العلاقات الثنائية بين طرابلس وأبو ظبي فحسب، بل تُقرأ كإحدى الحلقات الأساسية في مسلسل إعادة ترتيب الأوراق الليبية، حيث تتقاطع المصالح الأميركية الضامنة مع الأدوار الإقليمية الفاعلة، في محاولة أخيرة للوصول إلى تسوية شاملة تركز على توحيد المؤسسات السيادية والأمنية كمدخل للاستقرار الدائم.

التحليل:
أولاً: المسار الأميركي بين الأمن والاقتصاد والسياسة:
تكتسب الزيارة أهمية مضاعفة في ضوء التصريحات الأخيرة لمسعد بولس، والتي أكد فيها أن الإمارات تعد من الدول الداعمة للمبادرة الأميركية “بشكل مكثف”. وتكشف المعطيات أن واشنطن تتبنى مقاربة جديدة تختلف عن المسارات السياسية التقليدية كمسار برلين أو ملتقى الحوار، حيث تركز حالياً على المسار الأمني الاقتصادي كمدخل للحل. وقد جاءت الزيارة بعد استضافة واشنطن لمسؤولين بارزين من المعسكرين؛ هما وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية عبد السلام زوبي، ونائب قائد قوات القيادة العامة صدام حفتر. وتناولت الاجتماعات سبل توحيد المؤسستين العسكرية والاقتصادية، وهو مؤشر واضح على أن واشنطن تسعى لتطبيق جدول زمني عملي على الأرض، مدركة أن التوافق على تقاسم عوائد النفط والأمن هو الكفيل بضبط إيقاع التسوية السياسية لاحقاً، بما يمهّد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب آجال ممكنة.

ثانياً: التحول الإماراتي من الحاضنة السياسية إلى الوسيط الضامن:
على الرغم من الارتباط التقليدي لأبو ظبي بمعسكر المشير خليفة حفتر منذ عام 2014، إلا أن المصادر الغربية تشير الى ان الإمارات أجرت مراجعة شاملة لمقاربتها تدريجياً بعد فشل معارك طرابلس بين 2019 و2020، فانتقلت من سياسة الانحياز الكامل إلى سياسة الانخراط المتوازن، محافظةً على قنوات اتصال فاعلة مع حكومة طرابلس، إلى جانب استمرار علاقاتها الوثيقة مع شرق البلاد. وقد تجسد هذا التحول البراغماتي في رعاية أبو ظبي لتفاهمات غير معلنة عام 2022، أسفرت عن ترتيبات لتقاسم المصالح في المؤسسة الوطنية للنفط، وهو ما أسهم في الحفاظ على هدوء نسبي ومنع انهيار الاقتصاد الليبي. وتبدو الزيارة امتداداً لهذا النهج، ولكن ضمن مظلة أميركية أوسع، فالإدراك الإماراتي يفيد بأن أي تسوية نهائية في ليبيا لن تنجح دون غطاء أميركي، وأن حماية الاستثمارات الإماراتية الضخمة في قطاعات الطاقة والإعمار والبنوك تتطلب استقراراً مؤسسياً يكفله اتفاق دولي. وتأتي هذه الزيارة في سياق رغبة أبو ظبي في الحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف الأطراف في ليبيا، وعدم المخاطرة بتحالفها القديم مع الشرق في حال أفضت التسوية إلى ترتيبات جديدة لا تراعي مصالحها، مما يجعلها تراهن على موقعها كشريك لا غنى عنه في أي معادلة سياسية مقبلة.

ثالثاً: توقيت الزيارة ودلالاته السياسية:
يشير توقيت الزيارة إلى دبلوماسية استباقية يمارسها الدبيبة، فالانخراط المباشر في المسار الأميركي يتطلب تنسيقاً مسبقاً مع أبو ظبي لضمان عدم حدوث صدمة في شرق البلاد. وتُقرأ الزيارة كرسالة طمأنة من الدبيبة إلى محمد بن زايد مفادها أن حكومة طرابلس، رغم انفتاحها على المسار الأميركي وشركاء إقليميين آخرين مثل تركيا وإيطاليا، لا تتجه إلى إعادة تموضع كامل بعيداً عن المظلة الإماراتية، وأن أبا ظبي ستظل شريكاً أساسياً في أي ترتيبات مستقبلية. في المقابل، تسعى الإمارات من خلال هذا اللقاء إلى ضمان أن المبادرة الأميركية لن تأتي بحسابات تهمش دورها أو تفرط في نفوذها الاقتصادي والأمني المكتسب في غرب وشرق ليبيا على حد سواء، خاصة في ظل الحديث عن ترتيبات جديدة لإعادة هيكلة المؤسسة الوطنية للنفط.

رابعاً: التحديات والعقبات التي تواجه المسار الأميركي:
رغم التفاؤل الحذر الذي تبثه هذه التحركات، فإن المسار الأميركي يواجه تحديات جوهرية، أبرزها مدى استعداد طرفي الانقسام للتنازل عن السيطرة الفعلية على المؤسسات الاقتصادية، خاصة النفط، إضافة إلى ضرورة مواءمة هذا المسار مع المصالح الأوروبية ممثلة بإيطاليا وفرنسا، والمصالح الروسية في البحر المتوسط. كما تبرز عقبة حساسة تتعلق بمستقبل القوات الأجنبية والمرتزقة في ليبيا، وهو ملف شائك يتطلب تنسيقاً دولياً واسعاً، فضلاً عن صعوبة إقناع الفرقاء الليبيين بقبول ترتيبات أمنية تنتقص من نفوذهم الميداني، وهو ما سيشكل اختباراً حقيقياً للدبلوماسية الأميركية في الأشهر المقبلة.

الخلاصات والتوقعات:
• تعكس الزيارة تحولاً جذرياً في الدور الإماراتي في ليبيا؛ من دعم طرف بعينه إلى لعب دور الوسيط الضامن الذي يملك القدرة على الضغط على كلا الجانبين، وذلك للحفاظ على نفوذها ومكاسبها الاقتصادية ضمن الإطار الذي تقوده الولايات المتحدة، وتجنباً لأي ترتيبات دولية قد تُفرض عليها لاحقاً.
• في المقابل، يسعى الدبيبة من خلال زيارته لأبو ظبي، بالتزامن مع انفتاحه على واشنطن، إلى تعظيم أوراق ضغطه، إذ يريد أن يظهر للأميركيين أنه قادر على تمرير أي تسوية في غرب البلاد، ويريد أن يثبت للإماراتيين أنه شريك موثوق لا يمكن تجاوزه، مما يعزز موقعه التفاوضي كصانع سلام إقليمي.
• تشكل العلاقة الثلاثية بين أبو ظبي والدبيبة ومعسكر الشرق ممراً إلزامياً لنجاح مبادرة مسعد بولس، فبدون ضمانات إماراتية لشرق البلاد، وبدون التزام الدبيبة بتسليم أو دمج المؤسسات الأمنية والاقتصادية وفق الجدول الأميركي، ستبقى المبادرة حبراً على ورق.
في المحصلة، يبقى اختبار مدى استعداد الأطراف للتنازل عن المصالح الضيقة لصالح الاستقرار الشامل هو العامل الحاسم في مصير المبادرة الأميركية ومسار التسوية الليبية برمته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.