زيارة أحمد الشرع إلى السعودية: الأهداف الداهمة في ظل حرب إيران

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات.

تقدير موقف:

تقديم:
تختلف زيارة الرئيس السوري إلى المملكة العربية السعودية، في مستهل جولة خليجية، عن سابقاتها من حيث سياقها الضاغط وطابعها العملي، إذ تأتي في ظل تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، وما تفرضه من تحولات في ملفات الأمن والدفاع والطاقة، فضلاً عن إعادة تشكيل التوازنات الجيوستراتيجية في الإقليم. وعليه، تكتسب الزيارة دلالات تتجاوز بعدها البروتوكولي، لتطرح تساؤلات حول أهدافها المباشرة وانعكاساتها المحتملة.

في المعطيات:
– في الحادي والعشرين من نيسان 2026، قام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارة إلى مدينة جدة، التقى خلالها بولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ووفق البيانات الرسمية، تناول الاجتماع تعزيز العلاقات الثنائية، ولا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية، وتوسيع الشراكات القائمة، إضافة إلى بحث تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية وانعكاساتها على أمن المنطقة واستقرارها. وتُعد هذه الزيارة الرابعة للرئيس الشرع إلى المملكة، وجاءت في مستهل جولة خليجية لم تُعلن تفاصيلها الكاملة بعد.

– تشير تقديرات المراقبين إلى أن تكرار الزيارات يعكس تحولاً نوعياً في العلاقات السورية–السعودية بعد سقوط النظام السابق، في ظل دعم سعودي مبكر للتحول السياسي في سوريا، شمل جهوداً دبلوماسية للضغط باتجاه تخفيف أو رفع العقوبات الدولية. كما تأتي الزيارة في سياق تحولات إقليمية كبرى، أبرزها الحرب المرتبطة بإيران وتأثيراتها على إمدادات الطاقة العالمية، ولا سيما في ظل التوترات في مضيق هرمز، ما رفع من أهمية البحث عن مسارات بديلة لنقل الطاقة، من بينها المسار السوري نحو البحر المتوسط.

– تندرج الزيارة ضمن مساعي سوريا لإعادة بناء اقتصادها، مقابل سعي المملكة العربية السعودية لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي ضمن رؤية السعودية 2030 ومشاريع الربط الإقليمي. كما عكس الإعلان المتأخر عن الزيارة طابعاً عملياً سريعاً في التحضير والتنفيذ.

– تركزت أجندة الزيارة على الشراكات الاقتصادية وإعادة الإعمار، حيث ناقش الجانبان فرص الاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار، وجرى بحث مشاريع كبرى، من بينها مشروع “قاسيون”، إلى جانب إعادة تفعيل وتوسيع اتفاقيات استثمارية بمليارات الدولارات. كما تم التأكيد على الموقع الجغرافي لسوريا كممر استراتيجي لتصدير النفط العراقي والخليجي عبر موانئ البحر المتوسط، ضمن مشاريع الربط الإقليمي مثل “البحار الأربعة”، مع الإشارة إلى بدء استخدام هذا المسار في ضوء التحولات الجيوسياسية الراهنة.

– كما تناولت المباحثات الملفات الأمنية والإقليمية، بما في ذلك تداعيات الحرب المرتبطة بإيران على أمن الخليج، وسبل التنسيق لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، إضافة إلى التعاون في مكافحة الإرهاب والتنسيق في المحافل الإقليمية والدولية. وشملت النقاشات أيضاً الدعم المالي لإعادة الإعمار، والتعاون الأمني والاستخباراتي.

– تفيد مصادر دبلوماسية بأن الزيارة تندرج ضمن حراك سوري أوسع لإعادة تشكيل تحالفات استراتيجية جديدة، في ظل تراجع نسبي في قدرة إيران على التحكم بممرات الطاقة، ما يفتح المجال أمام المسار السوري كبديل محتمل. وتؤكد تقديرات اقتصادية أن مشاريع الربط الإقليمي، مثل “البحار الأربعة” و”طريق الطاقة”، تمثل أولوية استراتيجية، لما توفره من تقليل التكاليف والمخاطر، ودعم التوجهات الاقتصادية السعودية، وفتح المجال أمام استثمارات في البنية التحتية السورية، وتعزيز دور سوريا كمحور عبور إقليمي.

– تتقاطع هذه التوجهات مع مصالح الطرفين، إذ تبحث السعودية عن ممرات آمنة لإمدادات الطاقة وأسواق جديدة، فيما تسعى سوريا إلى تأمين التمويل والدعم السياسي لإعادة الإعمار. غير أن نجاح هذه المسارات يبقى مشروطاً باستقرار الداخل السوري، وقدرة الحكومة على تنفيذ التزاماتها وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار.

التحليل :
تعكس الزيارة تحوّلاً متعدد الأبعاد يتجاوز البعد الثنائي إلى إعادة تشكيل جزء من هندسة الإقليم، إذ تتقاطع فيها اعتبارات الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة والاقتصاد السياسي والتحالفات الأمنية؛ فمن زاوية الطاقة، تبرز سوريا بوصفها عقدة عبور محتملة ضمن معادلة تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، ما يمنحها قيمة تفاوضية جديدة ويعيد إدماجها في شبكات الإمداد الإقليمية، بينما يمنح السعودية هامش مناورة أوسع في تنويع المسارات وتقليص المخاطر الجيوسياسية.

ومن زاوية الاقتصاد، تفتح الزيارة الباب أمام نموذج “إعادة إعمار مُسَيَّسة” يرتبط فيه تدفق الاستثمارات بتحقق حد أدنى من الاستقرار المؤسسي والأمني، بما يجعل الاقتصاد أداة لإعادة تثبيت الدولة لا مجرد نتيجة لها، ويتقاطع ذلك مع أولويات رؤية السعودية 2030 في بناء منظومات لوجستية عابرة للحدود

أما أمنياً، فتؤشر الزيارة إلى سعي لتشكيل ترتيبات ردع مرنة وغير معلنة بالكامل، تقوم على تنسيق استخباراتي وضبط الحدود ومكافحة التهديدات غير التقليدية، بما يخفف من كلفة الانخراط العسكري المباشر ويستعيض عنه ببنى تعاون شبكية؛ وعلى مستوى التوازنات الإقليمية، تعكس الزيارة انتقالاً من مقاربات الاستقطاب الحاد إلى براغماتية انتقائية تُعيد توزيع الأدوار في ظل تراجع نسبي في قدرة إيران على التحكم بمفاصل معينة، من دون إقصائها كلياً، ما يفتح المجال أمام صيغ “تعايش تنافسي” بدل الصدام الصفري.

كما تحمل الزيارة بعداً دولياً غير مباشر، إذ تتقاطع مع مصالح قوى كبرى تبحث عن استقرار سلاسل الإمداد وتقليل صدمات السوق، ما يمنحها قابلية للقبول الخارجي المشروط؛ غير أن استدامة هذه المسارات تبقى رهناً بجملة عوامل حاسمة، أبرزها قدرة الدولة السورية على ترسيخ بيئة قانونية وأمنية جاذبة، وتماسكها الداخلي، وإدارة توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي وعدم الارتهان، فضلاً عن قدرة الشركاء على تحويل الالتزامات السياسية إلى مشاريع تنفيذية قابلة للقياس، ما يجعل الزيارة أقرب إلى نقطة انطلاق لمسار طويل من إعادة التموضع، لا إلى محطة مكتملة النتائج.

الخلاصة:
**تؤشر الزيارة إلى انتقالها من إطار بروتوكولي إلى طابع عملي يرتبط بإعادة تعريف العلاقات الثنائية وفق المصالح المباشرة. كما تعكس حاجة متبادلة بين سوريا والسعودية في ضوء التحولات الناتجة عن الحرب المرتبطة بإيران، لا سيما في ما يتعلق بأمن الطاقة.
**يبرز موقع سوريا كممر محتمل لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز، ما يعزز أهمية مشاريع الربط الإقليمي مثل “البحار الأربعة” و”طريق الطاقة”. وتندرج الزيارة ضمن سياق إعادة تموضع إقليمي أوسع، في ظل تراجع نسبي في نفوذ إيران، وصعود أنماط جديدة من الشراكات التي تجمع بين الأبعاد الأمنية والاقتصادية.
**كما تعكس الزيارة استمرار الدعم الإقليمي والدولي للحكومة السورية الجديدة، وتوفر زخماً لجولة الشرع الخليجية، خاصة في ظل الطابع العملي للملفات المطروحة، ما يرجح أن تسهم في تسهيل مسار التعاون الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.