زلزال ألمانيا: تحذير لأوروبا والغرب

ورقة سياسات.

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات – لندن

ملخص تنفيذي:

حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف نتيجة قياسية بنسبة 44% في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، وهي أفضل نتيجة يحققها على الإطلاق في أي انتخابات. وجزء من هذه النتيجة محلي: فالولاية صغيرة، ريفية، يبلغ عدد سكانها نحو 2.1 مليون نسمة، وتقع فيما كان يعرف بألمانيا الشرقية الشيوعية سابقاً، وهي أفقر من المتوسط الألماني، وتعد معقلاً تقليدياً للحزب منذ عقد، حيث كان يحصل فيها على نحو ضعف نسبته الوطنية.

لكن الأمر ليس مجرد مفاجأة محلية. فالحزب يحقق أيضاً سلسلة انتصارات وطنية: جاء ثانياً في الانتخابات الفيدرالية الأخيرة، ويتصدر حالياً استطلاعات الرأي الوطنية متقدماً على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) بزعامة المستشار فريدريش ميرز. وتعد نتيجة ساكسونيا-أنهالت ، الأفضل في تاريخ الحزب، وتقربه أكثر من أي حزب يميني متطرف آخر منذ الحرب العالمية الثانية من إدارة حكومة ولاية ألمانية. وقد أثارت النتيجة قلقاً واسعاً في أوروبا: فالقوميون يحتفلون بها كاختراق، بينما يعتبرها قادة التيار الرئيسي إشارة تحذير.

– ما حدث:
للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، أصبحت ولاية ألمانية على وشك انتخاب حكومة يمينية متطرفة، بعد الفوز في ساكسونيا-أنهالت الذي وصفته مجلة “دير شبيغل” بأنه “زلزال سياسي” بقوة 9.0 درجات. وبفارق يقارب 27 نقطة عن حزب CDU المشارك في الحكم، حقق الحزب اختراقاً ستمتد ارتداداته عبر ألمانيا وخارج حدودها.

وإذا تولى الحزب السلطة في الولاية، فسيحظى بسيطرة واسعة على التعليم والثقافة والأمن الداخلي. ومن بين سياساته المعلنة، وعد بإطلاق حملة “هجرة عكسية” وترحيل، وبحظر أعلام قوس قزح في المدارس، ووقف بناء مزارع الرياح الجديدة. وهو يدخل الآن بزخم قوي إلى انتخابات ولايتين أخريين متبقيتين هذا الشهر.

قالت أليس فايدل، الزعيمة المشاركة للحزب، في برلين إن حزبها يستهدف نتيجة 40% في الانتخابات العامة المقبلة المقررة عام 2029. ويتصدر الحزب حالياً استطلاعات الرأي الوطنية بنسبة 28%. وعلّق ريتو ميترغر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هومبولت ببرلين، قائلاً: “ما حدث في ساكسونيا-أنهالت يشبه إلى حد كبير ما يحدث في ألمانيا على المستوى الوطني، لكن بجرعة مضاعفة”.

لماذا حدث ذلك:

لم تكن هذه انتخابات قضية واحدة. فالأرقام تشير إلى لامبالاة وإحباط عميقين بقدر ما تشير إلى أي نقاش سياسي منفرد. وجدت استطلاعات الخروج أن الهجرة كانت عاملاً محفزاً لناخبي الحزب؛ إذ وافق 91% منهم على أنهم “قلقون جداً من وجود عدد كبير من الأجانب في ألمانيا”. لكن الأمن والاقتصاد كانا أيضاً بثقل مماثل تقريباً.

بلغ عدم الرضا عن حكومة الولاية، التي يقودها CDU منذ 2002، نسبة 66% بين جميع الناخبين. وكانت الآراء في حكومة ميرز الفيدرالية أسوأ: إذ قال 83% إنها لا تهتم بما يكفي بمشاكل الناس العاديين.

وقد جاء تقييم موجز من معهد «تشاتام هاوس» في لندن قصيراً لكنه قاسٍ: إن لم يكن هذا حدثاً سياسياً زلزالياً، فيمكن على الأقل قراءته كهزة تحذيرية مسبقة لزلزال قادم، إذا استمر تآكل جاذبية الأحزاب الرئيسية.

قصة التعبئة:

جزء من نجاح الحزب تمثل في الوصول إلى أشخاص لا يصوتون عادة. وجد بحث لصحيفة “فايننشال تايمز” أن صافي مكسب الحزب المتوقع من غير المصوتين سابقاً بلغ 170 ألف صوت، أي نحو 30% من إجمالي 576 ألف صوت حصل عليها، وأغلبيتها من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة. وقد ظهر النمط نفسه، على نطاق أصغر، في الانتخابات الفيدرالية الأخيرة: كان معظم مؤيدي الحزب الجدد من غير المصوتين سابقاً، يليهم ناخبون سابقون لـCDU أصابهم الإحباط.

– تحول الرسالة:
الأفكار الجديدة، المقدمة بطريقة جديدة، أثبتت أنها وصفة ذات مصداقية. خلال الحملة، تجاوز المرشح الرئيسي أولريش زيغسموند، وهو بائع معطرات جو سابق وجاذب إعلامياً، وقيادات أخرى في الحزب، وسائل الإعلام التقليدية لصالح منصات مثل تيك توك، مخاطبين الناخبين مباشرة ورفعوا بسرعة صورة الحزب العامة. وبينما كان الحزب يعتمد طويلاً على شعارات غاضبة مثل “كفى”، قدّم زيغسموند شخصية ودودة ومناسبة لوسائل التواصل الاجتماعي، وركّز على رسالة متفائلة: “كل شيء ممكن”.

– الصورة الأوروبية الأوسع:
يُقرأ الصعود على نطاق واسع كجزء من مسيرة استمرت عقداً لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا. وكما قال مراسل “الغارديان” البريطانية في أوروبا، فإن وسط القارة العجوز يخشى موجة قومية بعد فوز الحزب، لكنه لا يملك من يلوم إلا نفسه. وفقاً لبحث بقيادة ماتيجس رودوين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أمستردام، فإن ما يقرب من واحد من كل أربعة ناخبين في أوروبا يدلي الآن بصوته لحزب يميني متطرف، وهي حصة نمت نحو خمسة أضعاف منذ منتصف التسعينيات، وارتفعت بشكل حاد بشكل خاص خلال السنوات الثلاث الماضية. ووجد التحليل، الذي استعان بأكثر من 150 عالماً سياسياً في 31 دولة، أن نسبة الأوروبيين الذين صوتوا لليمين المتطرف في أحدث انتخابات وطنية في بلدانهم ارتفعت إلى أكثر من 23% في 2026، مقابل نحو 10% قبل عقد، و5% تقريباً في 1995.

جدير بالتنويه ان الأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة موجودة الآن في الحكم ضمن ائتلافات حاكمة في كرواتيا وتشيكيا وإيطاليا وفنلندا؛ وتدعم حكومة أقلية يمينية في السويد؛ وتتصدر استطلاعات الرأي في النمسا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا. ويرى علماء سياسة أنه إلى جانب فشل الحكومات الرئيسية المستمر في تلبية مطالب الناخبين الذين يعانون من أزمة تكلفة المعيشة، فإن العامل الأهم هو التطبيع والدمج التدريجي لأفكار اليمين المتطرف، وهو ما قاد ولا يزال يقود هذا التقدم المطرد.

وأشارت صحيفة “واشنطن بوست” إلى أن المظالم التاريخية والازمة الاقتصادية الطويلة الأمد في ألمانيا الشرقية السابقة ساعدت الحزب على كسب تأييد ناخبين يشعرون بالاغتراب عن السياسيين التقليديين، وقد تفاقم ذلك بفعل الإرهاق العميق من حزب الاتحاد المسيحي الذي يقود حكومة الولاية منذ 2002.

– ماذا يعني ذلك مستقبلاً:
التقط المراقبون استراتيجية الحزب كنموذج. وكما لاحظ تقييم لـمجلة “بوليتيكو”، مع تصدر اليمين المتطرف استطلاعات الرأي قبل انتخابات كبرى متوقعة هذا العام والعام المقبل في السويد وفرنسا وإسبانيا وبولندا وإيطاليا، فإن اختراق الحزب يتردد صداه بعيداً خارج شرق ألمانيا. وهو يطرح احتمالاً مقلقاً لمؤسسة أوروبا: أن الموجة المقبلة من التحديين الشعبويين قد تجد سبباً أقل لمحاكاة ميلوني الإيطالية أو لوبان الفرنسية ، وحافزاً أكبر لنسخ الحزب على المستوى القاري.

وقال جيروم جامين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة لييج في بلجيكا الذي درس الحركات الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة: “هناك علاوة على الخطاب الراديكالي، فهو يجدي أكثر مما كان عليه في السابق”.

الخلاصة :

– لا ينبغي أن يكون أي من ذلك مفاجئاً. فقد تراكمت إشارات التحذير لسنوات، ليس فقط في ساكسونيا-أنهالت، وليس فقط في ألمانيا، بل في كثير من دول العالم الديمقراطي. إذ لم يتحول الناخبون إلى اليمين المتطرف بين عشية وضحاها؛ بل ظلوا يبتعدون عن التيارات الرئيسية المركزية فترة طويلة، والأحزاب التي كان يُفترض أنها تستمع إليهم لم تفعل.

– عبر أوروبا والأميركتين وخارجهما، أمضى يمين الوسط ويسار الوسط سنوات في التعامل مع إحباط الناخبين كضجيج خلفي لا كإنذار. جرت انتخابات ورُبحت وخُسرت، وشُكلت ائتلافات وأُعيد ترتيبها، لكن الغضب الكامن، بسبب تكلفة المعيشة والإسكان والشعور بعدم الاستماع من أصحاب السلطة، لم يعالج بصورة سليمة. و83% من الألمان الذين يقولون إن حكومتهم لا تهتم بالمشاكل العادية ليسوا حالة شاذة خاصة ببلد واحد، بل هم عرض لنمط أوسع: طبقات حاكمة توقفت عن التعامل مع خيبة أمل الناخبين كأمر عاجل.

– يظهر جليا ان الحزب المبني بشكل كبير على خطاب معادٍ للمهاجرين، والذي يتعهد بترحيل جماعي، ليس أداة احتجاج محايدة، بل مشروع سياسي محدد ومقلق. والتصريح بذلك بوضوح مهم، حتى مع الاعتراف بالإحباط الذي يغذي صعوده.

– القراءة الأقرب للدقة هي: فشل التيار الرئيسي خلق الفرصة، لكن لم يكن لا بد أن يملأها اليمين المتطرف. لم يلجأ الناخبون إلى سياسات الترحيل وسياسات الحروب الثقافية لأنها كانت المنفذ الوحيد المتاح لإحباطهم، بل لجأوا إليها لأن لا أحد آخر قدّم بديلاً مقنعاً ومسموعاً. وهذا هو الفشل الذي يجب على الوسط السياسي أن يواجهه، لا تفويضاً استحقه اليمين المتطرف على أساس جدارة أفكاره.

– ما يجري الآن هو نمط عالمي، وليس عاصفة عابرة محصورة في منطقة واحدة. وهو ليس مشكلة ستحل نفسها. إنه يتطلب دروساً حقيقية، للتعلم والترجمة إلى أفعال، لا مجرد ملاحظات تُسجل وتُنسى بين دورات انتخابية.

– الافتراض القديم بأن الوسط سيصمد تلقائياً وأن اليمين المتطرف مجرد تصويت احتجاجي هامشي لم يعد قابلاً للتصديق في أي مكان. وما سيحل محله لا يزال سؤالاً مفتوحاً، وكل ديمقراطية تراقب ساكسونيا-أنهالت لها مصلحة في الإجابة عنه. لكن التعامل مع هذا الواقع الجديد لا يمكن أن يعني تبني الأجوبة التي يقدمها اليمين المتطرف، بل يعني بناء أجوبة أفضل، قبل أن تحوّل الانتخابات المقبلة السؤال إلى أمر نظري.

• الورقة مترجمة من الإنجليزية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.