دعم روسيا لإيران: الوقائع والتداعيات
ورقة سياسات.
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
ملخص تنفيذي:
-تقارير مخابراتية تؤكد دعم روسيا العسكري واللوجستي وخصوصا المخابراتي لإيران يفسّر دقة إصابة أهداف أميركية.
-تقلل إدارة ترامب من شأن الدعم الروسي ولا تعتبره قادرا على تغيير موازين القوى على نحو يثير تساؤلات بشأن ضعف موقف واشنطن حيال موسكو.
– تستفيد روسيا من دعم إيران لتقوية وضع حليف استراتيجي من دون الانخراط في منع إضعافه.
-تستفيد روسيا من موارد نفطية إضافية ومن تشتيت موارد واهتمام الغرب نحو أوكرانيا.
تقديم:
بعد تمكّن إيران من إصابة أهداف أميركية في المنطقة بدقة، صدرت تقارير تتحدث عن دعم عسكري ومخابراتي تقدمه روسيا، يوفّر للقوات الإيرانية معلومات دقيقة موجهة عبر الأقمار الاصطناعية وغيرها من تكنولوجيات الحرب، بشأن المواقع والقواعد والمصالح الأميركية المنتشرة في بلدان الشرق الأوسط. ورغم أدلة ذلك الدعم، قارب الرئيس الأميركي الأمر بالتقليل من شأنه في تغيير موازين القوى من دون أدانة أو ردّ فعل سلبي. فما حقيقة هذا الدعم ولماذا المقاربة الأميركية الاستيعابية للأمر؟
المعطيات والمزاعم:
في 15 مارس 2026، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن أجهزة المخابرات الأوكرانية تمتلك دليلا موثوقا بنسبة عالية على أن إيران تستخدم طائرات مسيرة مم طراز “شاهد” روسية الصنع (أو معدلة بروسيا) في هجماتها على قواعد أميركية في الشرق الأوسط، ويؤكد أن روسيا تشارك معلومات استخباراتية مع إيران.
جاءت معلومات زيلنسكي لتلتقي مع ما تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 13 من نفس الشهر، قال فيه إنه يعتقد أن روسيا تساعد إيران “قليلاً”، وأن هذا الدعم العسكري والاستخباراتي يفسر جزئياً الدقة النسبية في بعض الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات على أهداف أمريكية حساسة، مثل قواعد، سفن، طائرات تزود بالوقود، ومواقع أخرى. ويصف ترامب الدعم بأنه “غير كبير” و”لا يغير النتيجة”، مشيراً إلى أن إيران تتعرض لتدمير واسع رغم ذلك.
سعت روسيا قبل ذلك، في 12 مارس 2026، ومن خلال المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إلى التقيد بخطاب دبلوماسي يدعو الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف الهجمات على إيران والعودة إلى المفاوضات، مع التأكيد على أن روسيا ستستمر في جهود إنهاء التصعيد سلمياً.
ورغم تأكيد ترامب أن روسيا تدعم “بشكل قليل” إيران، غير أن المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف كان كشف في 10 مارس أن روسيا نفت خلال مكالمة هاتفية بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين مشاركة معلومات استخباراتية مع إيران حول الأصول العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
بالمقال، قال السفير الروسي في بريطانيا أندريه كيلين، في 8 مارس 2026، إن روسيا “ليست محايدة” في الصراع، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الهجوم وإيران ترد فقط.
وفيما بدا أنه توجه عامة لإدارة ترامب في واشنطن، قلل وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في 7 مارس من أهمية التقارير عن الدعم الروسي، مؤكدا أن القوات الأمريكية تتابع عمليات التعاون الروسي-الإيراني وأنه لا توجد مخاطر حقيقية كبيرة.
غير أن تقارير استخباراتية أميركية متعددة، نشرتها منابر إعلامية رئيسية أميركية في 6 مارس، أفادت بأن روسيا تقدم معلومات استخباراتية دقيقة لإيران، تشمل مواقع السفن والطائرات الأمريكية، وهو ما عُد أول دليل واضح على تورط روسي غير مباشر في الحرب، بما يفسّر بعض الدقة في الهجمات الإيرانية.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أشار في نهاية فبراير 2026، إلى أن روسيا والصين تقدمان دعماً سياسياً وأشكالاً أخرى من المساعدة، مع الإشارة إلى تعاون عسكري طويل الأمد.
طبيعة الدعم الروسي وآفاقه:
تتحدث معطيات البحث عن أن الدعم العسكري الروسي لإيران، لا سيما في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران المندلعة منذ 28 فبراير 2026، يأخذ شكلاً غير مباشر في الغالب، يركز على الدعم الاستخباراتي والتكتيكي بدلاً من التورط المباشر بالقوات أو الأسلحة الثقيلة على نطاق واسع.
ويشمل هذا الدعم تقديم معلومات استخباراتية دقيقة حول مواقع وتحركات الأصول الأمريكية في الشرق الأوسط، مثل السفن الحربية، والطائرات، وطائرات التزود بالوقود، والقواعد العسكرية، بالإضافة إلى مشورات تكتيكية متقدمة في استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، مستمدة من الخبرة الروسية في حرب أوكرانيا.
ويعزز هذا النوع من الدعم دقة الهجمات الإيرانية، سواء على قواعد أمريكية، مواقع إسرائيلية، أو حتى عناوين حساسة ومنشآت مدنية/عسكرية مختلطة.
وتستند المعطيات الجديدة على العلاقة بين موسكو وطهران التي تطورت منذ عام 2022 بشكل تدريجي نحو شراكة استراتيجية أعمق، حيث كانت إيران المورد الرئيسي للطائرات المسيرة Shahed-136 إلى روسيا (والتي أنتجتها روسيا محلياً بكميات كبيرة)، مقابل دعم روسي محتمل في مجالات الدفاع الجوي، التكنولوجيا، والاستخبارات.
وفي سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية، تحول جزء من هذا التعاون إلى دعم إيراني روسي مباشر أكثر، لكنه يبقى محدوداً لتجنب مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.
موقف إدارة ترامب: التهميش والاستيعاب:
لاحظ مراقبون أن إدارة ترامب تتعامل مع التقارير عن الدعم الروسي بدرجة ملحوظة من التقليل والتهوين، رغم خطورة المضمون.
فقد تعمّد ترامب نفسه وصف الدعم الروسي بأنه “قليل” و”غير مؤثر”، على الرغم من اعتراف تقارير عسكرية أميركية بأنها وراء دقة قصف إيراني أنزل خسائر بأصول ومصالح وقواعد عسكرية أميركية.
وقد امتنع ترامب عن شنّ حملة دبلوماسية أو إعلامية قوية ضد بوتين شخصياً أو ضد روسيا ككل. ويرى خبراء أن لسلوك ترامب وإدارته عدة أسباب أهمها:
-أولاً: محافظة ترامب على علاقة شخصية مباشرة مع بوتين (كما في المكالمات الهاتفية المتكررة)، ويرى فيها قناة للتفاوض في ملفات أخرى مثل أوكرانيا أو الطاقة.
-ثانياً: التركيز ة على أولوية “أميركا أولاً” بإنهاء الصراع مع إيران بسرعة دون فتح جبهة إضافية مع روسيا، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط الذي يفيد روسيا اقتصادياً (زيادة إيرادات يومية كبيرة(
-ثالثاً؛ التقارير الاستخباراتية لا تثبت تورطاً روسياً مباشراً في توجيه الهجمات أو تقديم أسلحة ثقيلة، بل دعماً استخباراتياً محدوداً، مما يسمح بتصنيفه كـً”غير حاسم”.
رابعاً: تلقى ترامب نفياً روسياً رسمياً، مما يعطي مبرراً لعدم التصعيد.
ويعكس هذا النهج حسابات براغماتية تهدف إلى تجنّب حرب متعددة الجبهات، والتركيز على النصر السريع ضد إيران.
تداعيات الدعم الروسي على حربي إيران وأوكرانيا:
يعتقد خبراء في الشؤون العسكرية أن للدعم الروسي المحتمل لإيران سمات عديدة أهمها:
1. يرفع الدعم الاستخباراتي والتكتيكي الروسي من كفاءة الهجمات الإيرانية الانتقامية.
2. يزيد الخسائر الأميركية والإسرائيلية في الأصول البحرية والجوية.
3. يستهلك مخزون الدفاعات الجوية (مثل صواريخ Patriot Thaad) بسرعة أكبر.
4. يطيل أمد الصراع نسبياً، ويرفع التكاليف المالية واللوجستية على الولايات المتحدة.
5. يعزز صمود النظام الإيراني مؤقتاً من خلال تحسين دقة الردود.
6. لا يغير مواقع التفوق الجوي والتكنولوجي الأمريكي-الإسرائيلي.
7. لا يمنع الضربات الاستراتيجية على البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية.
ويلفت الخبراء العسكريون المشتغلون على ظروف اندلاع الحرب ضد إيران إلى أن لظروف تلك الحرب تداعيات مباشرة على الحرب في أوكرانيا تستفيد منها روسيا وفق العوامل التالية:
– تؤدي حرب إيران إلى إعادة توجيه جزء من الموارد الأمريكية (مخزون الصواريخ الاعتراضية والذخائر المضادة للمسيرات) نحو الشرق الأوسط، مما يقلل القدرة على دعم أوكرانيا دفاعياً.
– تزيد ظروف الحرب من إيرادات روسيا من النفط جراء ارتفاع أسعاره لا سيما بسبب الاضطرابات في مضيق هرمز، مما يدعم روسيا في تمويل حربها في أوكرانيا.
– تخسر أوكرانيا موقعا متقدما على رأس أولويات الأجندة الأميركية والأوروبية، في الإعلام وفي غرف صنع القرار، وهو ما وصفته دراسات بأنه نافذة حاسمة لروسيا للتصعيد بأقل كلفة دبلوماسية.
– مع انشغال العواصم الغربية بالشرق الأوسط، تستطيع موسكو اختبار خطوط حمراء جديدة في اوكرانيا (ضربات مكثفة على المدن، استخدام أوسع للمسيّرات والصواريخ) مع ردود فعل أضعف أو أبطأ.
– توظف روسيا حرب إيران، وما يرافقها من دعم غربي، لتغذية سردية “ازدواجية المعايير” الغربية في استهداف المدنيين واستخدام القوة، وتحاول من خلالها تبرير ما تفعله في أوكرانيا داخليا وخارجيا.
خلاصة واستنتاجات:
**تتدافع تقارير مخابراتية أميركية تؤكد قيام روسيا بتقديم دعم عسكري ولوجستي ولا سيما مخابراتي لإيران، ما من شأنه تعزيز قوة إيران في الرد على المواقع الأميركية والإسرائيلية.
**تؤكد التقارير أن الدعم الروسي يقف وراء دقة إصابة أهداف وأصول أميركية من خلال الدعم المعلوماتي المخابرات المدعم بالأقمار الاصطناعية.
**رغم تأكيد تقارير مخابراتية أميركية هذا الدعم، قلل الرئيس الأميركي ووزير الدفاع من شأن هذا الدعم على تغيير موازين القوى.
**يعتقد أنه إضافة إلى الدعم اللوجيستي والمخابراتي، فإن روسيا تقدم لإيران نسخا من مسيّرات “شاهد” الإيرانية بعد تعديلها في المصانع الروسية.
**الأرجح أن ترامب لا يريد فتح اشتباك سياسي مع بوتين يؤثر على مجريات الحرب والسلم في أوكرانيا، كما يريد التركيز على حرب إيران وتجنّب فتح نزاع جانبي مع روسيا.
**تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط ما يعزز مواردها المالية الممّولة للحرب في أوكرانيا.
**لروسيا مصلحة في عدم انهيار نظام في إيران يعتبر حليفا وإن لا تنخرط في منع إضعافه.
**بالنسبة لروسيا يمثل دعم إيران فرصة تعقيد حرب من شأنها تشتيت موارد وأنظار الغرب عن أوكرانيا.
**توفّر حرب إيران لروسيا مبررات لحربها في أوكرانيا وحجة تأثيم لازدواجية المعايير التي تمارسها الولايات المتحدة.
**يبقى الموقف الرسمي الروسي ضمن سقف الدعم السياسي لإيران وإدانة الضربات الأميركية الإسرائيلية مع المحافظة على إدارة سليمة لعلاقات بوتين وترامب.