دروس خسائر القواعد الأمريكية في المنطقة:
تفاهم الضرورة أم الحسم الجذري؟
د. محمد قواص — مركز تقدم للسياسات:
ورقة سياسات:
ملخص تنفيذي:
تكشف التقارير عن خسائر جسيمة ومفاجئة منيت بها القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. وإقرار الإدارة الأمريكية بعامل المفاجأة الذي أفضى إلى هذه الخسائر يفضح الهوة بين القرار السياسي وتقارير استخباراتية مسبقة كانت قد توقّعت هذا المآل. وقد باتت سمعة الولايات المتحدة بوصفها قوة ردع جبارة لا تُقهر موضع دراسة معمّقة لدى دول المنطقة والدول الحليفة، فيما ترصدها بعناية خصوم كالصين. وتقف الولايات المتحدة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخروج من الحرب بمكتسبات محدودة تحدّ من التكاليف السياسية والعسكرية والاقتصادية، وإما الحسم العسكري الشامل دفاعاً عن مكانتها في موازين القوى الكبرى.
تقديم:
أظهرت تقارير أمريكية جردة حساب مقلقة بشأن ما تعرضت له القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ولا سيما في دول الخليج. وقد عبّرت هذه التقارير عن ذهول المراقبين إزاء عجز القدرات الأمريكية عن حماية قواعدها، فضلاً عن حماية حلفائها. ويطرح هذا الواقع أسئلة جوهرية حول أسباب هذا العجز وسبل ترميم التشوّه الذي أصاب سمعة الولايات المتحدة وموقعها في التوازنات الدولية، كما يُفرز احتمالات تتراوح بين التسوية والتفاهم من جهة، والحسم العسكري الشامل من جهة أخرى.
أولاً: خسائر كبرى وارتباك:
في أعقاب الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ابتداءً من الثامن والعشرين من فبراير 2026، كشفت تحقيقات إعلامية موثوقة عن حجم الخسائر التي لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. وأثبتت تقارير وتحقيقات أغلبها أمريكية أن إيران نجحت في إلحاق أضرار بما لا يقل عن ستة عشر موقعاً عسكرياً أمريكياً في ثماني دول في الشرق الأوسط، وهو ما يمثّل الغالبية الساحقة من المواقع الأمريكية في المنطقة.
وقد شملت هذه الأضرار أهدافاً عالية القيمة كأنظمة الرادار المتقدمة وطائرات الإنذار المبكر ومنشآت البنية التحتية، مما أثار تساؤلات عميقة حول قدرة الولايات المتحدة على صون نفوذها العسكري في المنطقة وحفاظها على صيتها ومكانتها، ليس فقط لدى دول المنطقة وفي مقدمتها الخليجية، بل لدى حلفائها الغربيين في أوروبا وحلف الناتو، وكذلك في موازين القوى في الصراع مع الصين وروسيا ودوائر جيوستراتيجية أخرى في العالم.
وتكشف المعلومات المتداولة علناً أن الخسائر شملت أضراراً مادية واسعة النطاق، إذ أصيبت ستة عشر موقعاً عسكرياً في كل من قطر في قاعدة العديد، والكويت في قاعدة علي السالم، والإمارات في قاعدة الظفرة، والبحرين في مقر الأسطول الخامس، والسعودية في قاعدة الأمير سلطان، والعراق. وقد أصبحت بعض هذه المواقع غير صالحة للعمليات أو باتت تحتاج إلى إصلاحات معقدة.
وتوزّعت طبيعة الخسائر على أربعة محاور: أنظمة الرادار والدفاع الجوي من طراز أواكس بقيمة تبلغ سبعمائة مليون دولار، والمعدات الأرضية والجوية والطائرات التي قدّرتها مراكز الدراسات الاستراتيجية بما بين 2.3 و2.8 مليار دولار، والبنية التحتية من مبانٍ وممرات ومستودعات اضطرت معها القوات الأمريكية إلى العمل عن بُعد أو الانتقال إلى فنادق ومكاتب، فضلاً عن خسائر بشرية محدودة نسبياً قُدِّرت بما بين ثلاثة عشر وخمسة عشر قتيلاً وما يقارب خمسمائة وثمانية وثلاثين جريحاً معظم إصاباتهم طفيفة، في حين بلغ الضرر التشغيلي حجماً كبيراً أدى إلى تشتيت نحو أربعين ألف جندي أمريكي في المنطقة.
وتتباين التقديرات المالية وتتصاعد أرقامها، لكنها تبلغ وفق أرقام البنتاغون ما لا يقل عن خمسة وعشرين مليار دولار حتى الآن، فيما رفعتها مصادر أخرى مطلعة إلى ما بين أربعين وخمسين مليار دولار عند إضافة تكاليف إصلاح القواعد العسكرية المتضررة وإعادة بنائها واستبدال المعدات المدمّرة من رادارات وطائرات وأنظمة دفاع جوي. بل تتحدث بعض التحليلات عن إمكانية وصول التكلفة الإجمالية، بما فيها إعادة التسليح على المدى البعيد والرعاية الصحية للجنود، إلى تريليون دولار على مدى سنوات. وتفوق هذه الخسائر ما أقرّت به الإدارة علناً، وهو ما يُشعل انتقادات الخبراء وعدد من أعضاء الكونغرس بشأن الجدوى السياسية والمادية من هذا الإنفاق الضخم.
ثانياً: فجوة بين الإدارة والاستخبارات:
لم تُخفِ الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتها الرئيس دونالد ترامب، مفاجأتها من القدرات التدميرية الإيرانية، وإن قدّم ترامب الأمر في صورة تفاجئه الشديد من الهجمات الإيرانية التي طالت الدول الحليفة في الخليج. غير أن “ذهول” ترامب لا يتّسق مع تقارير استخباراتية أمريكية سابقة كانت قد حذّرت من احتمالية رد إيراني واسع يستهدف القواعد والحلفاء في المنطقة.
ويرى الخبراء أن هذه الفجوة المُربِكة بين التقييمات الاستخباراتية والتوقعات السياسية قد تكون نتاج إفراط في الثقة بتفوق الدفاعات الأمريكية أو استخفاف بقدرات إيران على التنسيق مع حلفائها وإدارة حرب متعددة المستويات والجبهات.
وكشفت تقارير الخسائر الأمريكية عن امتلاك إيران قدرة على توجيه ضربات دقيقة ومؤثرة رغم التفوق التكنولوجي الأمريكي؛ إذ نجحت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية في اختراق دفاعات ما يصفه ترامب بـ”أقوى جيش في العالم”. وقد فرض هذا الواقع على الولايات المتحدة إعادة تقييم شاملة تتجاوز القدرات الإيرانية التقنية والعسكرية لتطال قدرة إيران بوصفها تهديداً سياسياً وعسكرياً للنفوذ الأمريكي في المنطقة، بحيث لم تعد إيران مجرد “دولة مارقة” بل قوة قادرة على فرض تكاليف باهظة على الولايات المتحدة دون الاضطرار إلى خوض حرب شاملة.
ويرتكز هذا التقييم والمراجعة على ضرورة معالجة ما خلّفته الخسائر في القواعد الأمريكية على السمعة والنفوذ الأمريكيين بوصفهما مرجعية قوة لا تُقهر، لا سيما لدى دول الخليج التي تعرّضت أراضيها للهجمات. وقد أشاع ذلك في هذه الدول مناخاً من الشكوك حول المناعة الأمريكية، ودفعها إلى الانخراط في البحث عن استراتيجيات دفاع وأمن تتطلب تنويع تحالفاتها أو إعادة قراءة مستويات الضمانات الأمريكية الكفيلة بتأمين أمن بلدان المنطقة.
ثالثاً: السؤال الأمريكي الداهم: ما العمل؟
تطرح إشكالية الواقع العسكري الذي كشفته الحرب، لجهة تحدي القوة الأمريكية والنيل من قواعد عسكرية كان يُفترض أنها استراتيجية عصيّة على التدمير، أسئلة جوهرية بشأن ما تطوّر من أهداف الحرب على إيران. ويذهب الباحثون إلى أن الواقع المستجد الذي لم يكن في الحسبان يفرض خيارين لا ثالث لهما.
الخيار الأول، هو التفاهم مع إيران والاعتراف بها قوة قادرة على رفع تكاليف أي مواجهة على المستويين العسكري والمالي والسياسي، ليس فقط على الولايات المتحدة بل على الحلفاء في الخليج وعلى الاقتصاد العالمي برمّته. ويعني هذا الخيار اندفاع الإدارة الأمريكية نحو تسوية دبلوماسية وفق ما تيسّره الوساطة الباكستانية، مع انتزاع أقصى التنازلات المتاحة من إيران لضمان عدم امتلاكها السلاح النووي، مقابل تخلٍّ أمريكي عن الشروط القصوى المطالَب بها. ويمكن استشفاف هذا الاتجاه من التوقف الإشكالي لترامب عن المطالبة بحسم ملف البرنامج الصاروخي وعلاقة إيران بأذرعها، مع تركيز مفرط وحصري على ملف البرنامج النووي.
الخيار الثاني: هو انتهاج استراتيجية عسكرية وسياسية واقتصادية شاملة تدفع نحو تصعيد بمستويات جديدة بهدف إنزال هزيمة حاسمة بالتحدي الذي باتت تمثّله إيران على سمعة الولايات المتحدة في قدرتها على أن تكون القوة الجبارة في العالم. ويقوم هذا الخيار على اعتبار القضاء على “الخطر الإيراني”، بعدما أنزلت طهران خسائر فادحة بالقواعد والانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، لم يعد ترفاً أو خياراً من الخيارات بل ضرورة تحتمها شروط استعادة الولايات المتحدة لمفاعيل الردع والقوة الجبارة في نظر العالم. ويمكن رصد أعراض هذا الخيار في الدفع المستمر بالموارد العسكرية إلى المنطقة، وفي إعلان ترامب “عملية عسكرية إنسانية” لإخراج السفن العالقة في مضيق باب المندب، وهو ما ينطوي على إمكانية إعادة إشعال الحرب.
ويرتكز هذا الخيار أيضاً على حاجة الولايات المتحدة إلى تثبيت موازين القوى لصالحها في صراعها مع الصين، لا سيما أن التقارير أكدت استفادة إيران من تقنيات صينية متقدمة عبر الأقمار الاصطناعية مكّنت نيرانها من رؤية جليّة ودقيقة للأهداف التي دمّرتها. وترى واشنطن أن الحفاظ على زمام المبادرة في صراعها مع الصين هو مفتاح القوة الذي لا تريد أن تفقده في علاقاتها مع قوى الصراع الأخرى في العالم.
خلاصة واستنتاجات:
**تمثّل الخسائر التي منيت بها القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة نقطة تحوّل في تقييم القدرات الإيرانية، وصدمة لواشنطن والمنطقة والعالم كشفت عن هشاشة قوة الردع الأمريكي. وتُعدّ هذه الخسائر عبئاً مزدوجاً على الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين؛ إذ إن استنزاف الموارد من صواريخ دفاع جوي ورادارات يضعف القدرة على التركيز على المحيط الهادئ، مما يتيح للصين تعزيز نفوذها في آسيا والشرق الأوسط على حدٍّ سواء.
**تنال هذه الخسائر من سمعة الولايات المتحدة ومكانتها بوصفها قوة ردع جبارة في العالم، مما يضعف نفوذها داخل المنطقة ولدى الدول الحليفة في أوروبا وحلف الناتو، ويُهدّد موقعها في الصراع مع الخصوم. كما تُشعل تقارير الخسائر جدلاً حاداً داخل الولايات المتحدة بشأن الفجوة بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية التي تتخذ قرارات الحرب والسلم في واشنطن.
**تُراقب بكين خرائط الحرب عن كثب، وقد تستخلص من الارتباك الأمريكي ما يعزز نفوذها ويُشجّع طموحاتها في آسيا. في المقابل، فتح عجز القدرات الأمريكية عن حماية قواعدها النقاش لدى دول الخليج حول الشروط المستجدة الواجب توافرها لبناء منظومة دفاعية لا تقوم على الحصرية في العلاقة مع واشنطن.
في المحصلة، يُفرز هذا التطور خيارين أمام الولايات المتحدة: التسوية لتخفيف الخسائر وإعادة تقييم السياسات، أو الحسم العسكري الشامل لإنقاذ السمعة الأمريكية واستعادة التفوق الاستراتيجي الحاسم في نظر العالم.