خيارات ترامب تجاه إيران: قراءة في تقييمات الخبراء الغربيين وتحليله
حمزة علي – مركز تقدّم للسياسات
تقديم: أعلنت طهران أنها ما تزال تبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع واشنطن، في وقتٍ كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرس كيفية الرد على ما وصفه بـ”القمع الدموي” الذي نفذته السلطات الإيرانية بحق موجة احتجاجات شعبية اجتاحت مناطق متعددة من البلاد، في واحدة من أخطر التحديات التي تواجه النظام الإيراني منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979.
وفي سياق تصعيد الضغط، أعلن ترامب مساء الاثنين 12 يناير 2026 أن أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران، باعتبارها من كبار منتجي النفط في العالم، ستُفرض عليها تعرفة جمركية بنسبة 25% على صادراتها إلى الولايات المتحدة. وقد نشر ترامب هذا الإعلان عبر منصّة “إكس”، مؤكدًا أنه “نهائي وحاسم”، دون أن يقدّم توضيحات حول الأساس القانوني الذي يستند إليه، أو ما إذا كانت الرسوم ستُطبّق على جميع شركاء إيران التجاريين.
كما وجّه ترامب تحذيراً مباشراً إلى القيادة الإيرانية، مهددًا بشنّ هجوم عسكري أميركي إذا أقدمت قوات الأمن الإيرانية على إطلاق النار ضد المتظاهرين. وفيما بدا أنه تمهيد لهذا التهديد، أفادت تقارير بأن وزارة الدفاع الأميركية قدّمت للرئيس حزمة موسعة من الخيارات العسكرية، تتجاوز في مداها ما كان معلنًا في السابق. وتشمل هذه الخيارات استهداف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى مواقع للصواريخ الباليستية، وهو ما يتجاوز حدود الضربات الجوية التي نُفذت في يونيو/حزيران الماضي.
– اعتبرت مجلة “الإيكونوميست” في عددها الصادر بتاريخ 12 يناير أن الرئيس ترامب يواجه معضلة استراتيجية فعلية، إذ رغم خطابه المتشدد وميله المعلن نحو تنفيذ تهديداته، فإن الخيارات العملية أمامه تبقى محدودة بطبيعتها. فلا توجد سابقة واضحة لقيام الولايات المتحدة بشنّ عمل عسكري دعمًا لاحتجاجات شعبية سلمية، لاسيما في ظل غياب قيادة واضحة أو تنظيم مركزي لهذه الاحتجاجات، وعجزها عن كسب تأييد من داخل البُنى الصلبة للنظام، خصوصًا الأجهزة الأمنية المسيطرة.
– وتوضح المجلة أن الدعم الأميركي، حتى لو وُجد، من شأنه أن يرفع معنويات المحتجين، لكنه لن يكون كافيًا لتغيير موازين القوى. ويبرز في هذا السياق طيف من الخيارات “المقيّدة” التي لا تخرج عن إطار الضربات الرمزية، التي قد تمنح زخماً مؤقتاً للاحتجاجات، لكنها قد ترتد بنتائج عكسية في حال فسّرها النظام على أنها دليل ضعف أو عدم رغبة في التصعيد، وهو ما قد يشجع السلطات على تشديد قبضتها الأمنية.
– أما الخيار الأوسع، بحسب تحليل المجلة، فيكمن في استهداف “الحرس الثوري الإيراني”، الذي يُعد الذراع الضاربة للنظام ودرعه الأساسي. ورغم أن مثل هذا الاستهداف قد يُلحق ضررًا حقيقيًا بالبنية العسكرية والأمنية للدولة، ويوجّه رسالة قوية للداخل والخارج، فإنه في الوقت نفسه لن يمنع القوات التابعة للحرس أو الميليشيات المتحالفة معه مثل “الباسيج” من استخدام العنف ضد المتظاهرين. كما أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر تنفير شرائح اجتماعية من الإيرانيين ممن يخشون تكرار سيناريوهات الانهيار والفوضى التي عرفتها دول أخرى في المنطقة.
– الخيار الأكثر جذرية الذي تطرحه المجلة يتمثل في استهداف شخصيات قيادية في النظام، وربما المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه. وتشير المجلة إلى أن ترامب قد يُغريه تنفيذ عملية خاصة بنمط عمليات الكوماندوس، خاصة بعد ما يراه نجاحًا مماثلاً في فنزويلا، إلا أن تنفيذ مثل هذه العملية داخل إيران سيكون أكثر تعقيدًا من أي تجربة سابقة. ولهذا، ترجّح المجلة أن يتجه القرار إلى توجيه ضربات جوية انتقائية تستهدف مسؤولين بارزين، على غرار ما قامت به إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي. ومع أن نجاح مثل هذه الضربات قد يُحدث تغييرًا سياسيًا في رأس السلطة، فإن السياق الداخلي الإيراني، من ضعف المعارضة وتماسك المؤسسات القمعية، قد يدفع بكفة الصراع لصالح التيارات الأكثر تشددًا، ويمنح الحرس الثوري وحلفاءه موقعاً أقوى في إدارة ما بعد الأزمة.
– تعزّز صحيفة “وول ستريت جورنال” هذا التقييم، مشيرة في تقرير نشرته في 12 يناير إلى أن المؤشرات المتاحة تفيد بأن واشنطن تميل إلى المسار الدبلوماسي أكثر من العمل العسكري، رغم اللهجة التصعيدية الظاهرة. الموقف نفسه تكرره “نيويورك تايمز” في تقرير مواكب، إذ نقلت عن الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي، كريم سجادبور، أن إيران تسعى من خلال التلويح بالمحادثات والصفقات إلى ردع ترامب عن المضي في الخيار العسكري. وفي السياق ذاته، قال فالي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، إن إيران تعتمد مقاربة براغماتية هدفها تجنب الحرب، وفي الوقت نفسه ضبط أي تحرك إسرائيلي موازٍ قد يشعل الإقليم.
– أما إيلي جيرانمايه، نائبة رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فقد رأت في مقابلة أجريت معها يوم الجمعة، أن ثمة مؤشرات ظهرت في نهاية الأسبوع على أن السلطات الإيرانية وجهت تعليمات لقوات الأمن بكبح استخدام العنف المفرط، لتفادي منح واشنطن ذريعة للتدخل.
– تنقل “نيويورك تايمز” عن مصادرها أن أي ضربة أميركية محتملة لن تهدف إلى إسقاط النظام، بل إلى توجيه رسالة تحذيرية للقيادة الإيرانية بشأن تعاطيها مع الاحتجاجات.
– في حديثه لصحيفة “الغارديان” في 11 يناير، حذر السفير البريطاني السابق لدى طهران، روب ماكايير، من أن الضربات الأميركية “قد لا تسير كما يأمل البعض”، مؤكداً أن العمليات السابقة لم تؤدِ إلى تآكل فعلي في سلطة النظام، بل ساهمت أحيانًا في إعادة ترتيب صفوفه. لكنه أشار إلى فجوة متزايدة بين خطاب ترامب المرتفع سقفه، وبين حدود الواقع الذي يفرض نفسه على خيارات صانع القرار.
الخلاصة التحليلية :
** تُجمِع تقييمات الخبراء ووسائل الإعلام الغربية على وجود فجوة متنامية بين خطاب التصعيد الذي يتبناه الرئيس ترامب تجاه إيران، وبين القدرة الفعلية للولايات المتحدة على تحويل هذا الخطاب إلى فعل استراتيجي حاسم. فرغم التهديد باستخدام القوة العسكرية رداً على قمع الاحتجاجات، إلا أن الخيارات المتاحة تبقى محدودة، محفوفة بالمخاطر، ومكبّلة بتكلفة سياسية عالية.
** فكرة توظيف العمل العسكري كأداة دعم لاحتجاجات شعبية غير منظّمة، تفتقر إلى السوابق وتُنذر بنتائج غير محسوبة، إذ إن الضربات الرمزية قد تُضعف هيبة الموقف الأميركي وتمنح النظام الإيراني فرصة لتعزيز قبضته، في حين أن الضربات الأوسع قد تُفضي إلى نتائج عكسية، كتعزيز مواقع التيارات المتشددة داخل النظام، وتهميش الحراك المعارض، بل وفتح الباب أمام فوضى تتيح للحرس الثوري إعادة احتكار السلطة.
** في المقابل، تُظهر طهران إدراكاً دقيقاً لمحدودية القرار الأميركي، وتُحسن المناورة عبر ضبط وتيرة القمع، والإيحاء بالاستعداد للحوار، والتلويح بتسهيلات دبلوماسية تهدف إلى تحييد التصعيد الأميركي دون تقديم تنازلات جوهرية.
** ضمن هذا الإطار، يبدو أن الاستراتيجية الأميركية الأكثر ترجيحًا ترتكز على أدوات غير عسكرية: ضغوط اقتصادية، عمليات سيبرانية، دعم الوصول إلى المعلومات، وإشارات دبلوماسية عالية النبرة. هذه المقاربة تتيح الحفاظ على مستوى مرتفع من الضغط، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا تملك واشنطن السيطرة على مسارها أو مآلاتها.