حول المؤتمر الثامن لحركة فتح: سجال مع ورقة د. غانية ملحيس*

محمد مشارقة*.

أولاً: الأسر الفكري التاريخي — ثلاثة مصادر لم تتجدد:
تُشخّص ورقة د. ملحيس أزمة فتح بوصفها انتقالاً مشوَّهاً من الثورة إلى السلطة، وهو تشخيص دقيق في حدوده، لكنه يتوقف عند عتبة الأزمة دون أن يغوص في جذورها الأعمق. فالمشكلة لا تبدأ من لحظة أوسلو 1993، بل تمتد إلى البنية الفكرية التأسيسية للحركة الوطنية الفلسطينية منذ ثلاثينات القرن الماضي، حين نشأت حبيسة ثلاثة مصادر فكرية لم تخرج من سطوتها حتى اليوم.
المصدر الأول هو التيار القومي بتلاوينه المتعددة، من القومية العربية الناصرية إلى البعثية إلى التعبيرات المحلية الفلسطينية، والتي قدّمت تحرير فلسطين بوصفه حلقة في مشروع قومي أشمل. والمصدر الثاني هو التيار اليساري بمرجعياته الماركسية والاشتراكية، التي أضفت على القضية طابع الصراع الطبقي والتحرر من الاستعمار الرأسمالي الذي ينتهي وتنتهي معه قاعدته المتقدمة ، اسرائيل. والمصدر الثالث هو التيار الإسلامي الذي يُعرّف الصراع بوصفه واجباً دينياً وجهاداً لا تحكمه حسابات السياسة.

وقد كان لهذه المصادر الثلاثة ما يبرّرها في سياق الحرب الباردة، حيث انقسم العالم بين معسكرين يفرضان التخندق خلف شعارات وبرامج جذرية لا تحتمل المساومة. فالأيديولوجيا كانت سلاحاً ووقوداً في آنٍ معاً. غير أن المشكلة أن هذه الحركة استمرت تستنشق من الرئات الثلاث ذاتها بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع مشروع القومية العربية وتحوّل الإسلام السياسي، فبقيت أسيرة أدوات تفسيرية وتعبوية فقدت سياقها التاريخي.

والنتيجة أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تُنتج في أي مرحلة مشروعاً سياسياً حديثاً مستقلاً عن هذه الروافد الثلاثة، مشروعاً يقوم على حسابات السياسة لا على حرارة الأيديولوجيا، وعلى منطق بناء الدولة لا على منطق التعبئة.

ثانياً: هل يمكن للمقاتل لا يبني الدولة، سؤال فلسفي وسياسي:
ثمة سؤال مُحرج تتحاشاه ورقة د. ملحيس وتتحاشاه معظم أدبيات النقد الفلسطيني، وهو في جوهره سؤال فلسفي وسياسي خطر ومعقد: هل يستطيع المقاتل أو الفدائي أن يبني دولة عصرية؟ وهل تستطيع حركة نشأت لتحرير أرض أن تُعيد تعريف نفسها كمؤسسة حوكمة، وأن تُقدّم الكفاءة العلمية والإدارية على ولاء النضال والقِدَم التنظيمي؟

الجواب العملي الذي تقدمه تجارب حركات التحرر في العالم قاسٍ ومؤلم. فمعظم هذه الحركات، حين انتقلت إلى الحكم، لم تُقدّم نماذج ناصعة وناجحة في بناء الدولة. فيتنام بعد التحرير أقامت نظاماً شمولياً متصلباً وجرح مفتوح عند اهل الجنوب. والجزائر انزلقت من حرب التحرير إلى عقود من الاستبداد العسكري والفساد المؤسسي . وجنوب أفريقيا التي احتفى بها العالم نموذجاً حوّلت حركة عريقة – المؤتمر الوطني- إلى ماكينة فساد انتخابي. وزيمبابوي حوّل موغابي الثوري مشروع التحرر إلى نظام إرهاب وتسلط وفساد. وموزمبيق وأنغولا لم تخرجا من دوامة الحروب الداخلية عقوداً بعد الاستقلال. والقائمة طويلة وصادمة.

السمة المشتركة في هذه الحالات أن شرعية النضال لا تتحول آلياً إلى أهلية الحكم، وأن الكاريزما الثورية تتناقض بنيوياً مع متطلبات المساءلة والشفافية والكفاءة المؤسسية. المقاتل المحترف يُتقن المناورة والصمود والتعبئة، لكن بناء الدولة يستدعي مهارات مختلفة جذرياً: التخطيط الاقتصادي، وإدارة الخلاف السلمي، والخضوع للرقابة، والقبول بالتداول على السلطة.
وفتح ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما هي نموذجها الأكثر فجاجة؛ إذ جمعت بين أسوأ ما في الثورة وأسوأ ما في السلطة: احتفظت بعقلية المقاتل الذي لا يساءل ولا يخضع للرقابة، وأضافت إليها امتيازات البيروقراطية وريوع السلطة، في غياب تام لأي من مزايا الثورة في التضحية والإخلاص للمشروع.

ثالثاً: مساهمة نقدية لورقة د. ملحيس : التنظير بديلاً عن المواجهة:
تقع ورقة د. ملحيس، رغم جدارتها الأكاديمية وجرأة أسئلتها، في الفخ الذي تحاول تشخيصه. فهي تُشخّص الأزمة بلغة نظرية رفيعة لكنها تُعيد إنتاج وهم قابلية فتح للإصلاح، وهو الوهم الذي يُبقي الحركة الفاسدة في موقعها بذريعة أنها لم تُعطَ الفرصة لتجديد نفسها.

الإشكال الأول هو أن الورقة تعامل أزمة فتح كأزمة وظيفة تحتاج إلى إعادة تعريف، في حين أن الأدق وصفها بأزمة شرعية أفضت إلى انتهاء صلاحية. فالسؤال ليس “ماذا يجب أن تكون فتح؟” بل “هل ما تزال فتح كياناً قادراً على أن يكون شيئاً غير ما هو عليه؟” وهذا سؤال مختلف جذرياً يستدعي إجابة مختلفة.

الإشكال الثاني أن مقترح الورقة بـ”إعادة توزيع الوظائف” بين السلطة والحركة ومنظمة التحرير يفترض أن الفاعلين المستفيدين من الوضع القائم سيُشاركون طوعاً في تفكيكه. وهذا ليس افتراضاً سياسياً ساذجاً فحسب، بل هو تجاهل لما هو موثق من تاريخ الحركة في قمع كل صوت إصلاحي داخلها.

الإشكال الثالث والأخطر أن الورقة تتجنب تماماً مواجهة السؤال الأكثر إلحاحاً في لحظة ما بعد السابع من أكتوبر 2023: ما الذي أنتجته فتح طوال ثلاثين عاماً من إدارة السلطة؟ الجواب الموثق هو: فساد بنيوي ممنهج، واحتكار تمثيل بلا إنجاز، وتنسيق أمني مع الاحتلال في مقابل امتيازات نخبوية، وإقصاء منهجي لكل كفاءة لا تنتمي إلى شبكة الولاء. ثلاثون عاماً كافية لأي حكم، والنتيجة ليست حاجة إلى تجديد، بل دليل إدانة يستوجب المحاسبة.

رابعاً: لا حل في التجديد — الحل الوحيد هو الرحيل:

خلافاً لما تقترحه الورقة من إعادة تأسيس ضمن البنية القائمة، فإن الخلاصة هنا مغايرة: لا حل للنظام السياسي الفلسطيني القائم إلا بأن يعترف بفشله ويتنحى. ليس هذا حكماً أخلاقياً، بل استنتاج سياسي، فالأنظمة التي تُدار بمنطق الريع والولاء لا تتجدد من الداخل.

الحل الواقعي يقوم على تشكيل حكومة مستقلة عن الفصائل ومنظمة التحرير لمدة خمس سنوات، تتولى إعادة بناء المؤسسات وإدارة المرحلة الانتقالية وفق الشروط الدولية والإقليمية. وخلال هذه المرحلة تُعيد الفصائل تأهيل ذاتها للتحول إلى أحزاب سياسية برامجية حقيقية، تخوض المنافسة على أساس ما تطرحه من رؤى ومشاريع للمستقبل، لا على ما تدّعيه من إرث نضالي. ثم تأتي الانتخابات الحرة لتُجدّد التمثيل عبر صندوق الاقتراع لا عبر الوراثة التنظيمية.
الشرعية لا تُورَّث ولا تُستأجر من التاريخ، بل تُكتسب في كل مرحلة من جديد.

هذا المقترح ليس طوباويا؛ فالسوابق التاريخية تُثبت أن التنازل عن السلطة لحكومات تكنوقراطية مؤقتة في لحظات الأزمات أنتج نتائج أفضل بكثير مما أنتجه التجديد الداخلي للأنظمة المترهلة. الفارق الوحيد أن ذلك يتطلب شجاعة اعتراف بالفشل، وهي الشجاعة الأكثر ندرة في تاريخ حركات التحرر التي تحولت إلى أنظمة حكم.

خاتمة:
السؤال الذي يجب أن يطرحه المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس “كيف نُجدّد الحركة؟” بل “من أعطانا الحق في الاستمرار؟” والإجابة عن هذا السؤال لا تأتي من داخل قاعات المؤتمر، بل من الشعب الفلسطيني الذي يُنتج الشرعية ولا يُستشار فيها. وما لم تقبل فتح بهذه المساءلة الجذرية، فإن كل حديث عن إعادة التأسيس والتجديد لن يكون سوى تنظير أكاديمي أنيق يُؤخّر الاعتراف بالحقيقة التي باتت يعرفها الجميع.

• مدير مركز تقدم للسياسات
• رابط ورقة الدكتورة غانية ملحيس:
https://alantologia.com/blogs/93429/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.