حزب الخضر البريطاني: صعود انتخابي حقيقي أم فقاعة احتجاج؟

تقدير موقف – وحدة الشؤون الأوروبية، مركز تقدم للسياسات، لندن

تقديم
حقق حزب الخضر البريطاني في انتخابات السابع من مايو 2026 البلدية أداءً يستحق قراءة متأنية، إذ تجاوز للمرة الأولى عتبة الحضور المحلي المتفرق إلى اختراقات جغرافية في معاقل عمالية تاريخية. غير أن التساؤل المشروع هو: هل يمثّل هذا الصعود تحولاً سياسياً بنيوياً قادراً على منافسة حزب العمال على السلطة في انتخابات 2029 البرلمانية، أم أنه موجة احتجاج مؤقتة تعترضها موانع برنامجية وهيكلية عميقة؟

أولاً: المعطيات
النتائج :
حقق الخضر مكاسب بلغت 287 مقعداً وسيطروا على ثلاثة مجالس جديدة، وفازوا بأول دائرة انتخابية لهم في لندن في وولثام فورست، فضلاً عن الفوز بعمادتين منتخبتين في هاكني ولويشام. وفي جنوب غرب إنجلترا، أصبح الخضر المجموعة الثانية في مجلس إكستر بعد ثلاثة مكاسب ترفع إجمالي مقاعدهم إلى عشرة، في مدينة ظل العمال يحكمونها أربعة عشر عاماً.

تقييم الخبراء والمراكز البحثية:
ترى لويز تومبسون، أستاذة السياسة في جامعة مانشستر، أن هذا سيكون في أي ظروف أخرى لحظة انتخابية استثنائية للخضر، لكن مكاسبهم تبدو شاحبة قياساً بمكاسب Reform الهائلة. ومع ذلك كان يوماً جيداً يُظهر مدى بحث الناخبين عن بدائل للحزبين الرئيسيين، والسؤال الآن ليس عن المصداقية الانتخابية التي أثبتوها، بل عن قدرتهم على كسب ثقة الناس على المدى البعيد.
أما تيم بيل، أستاذ السياسة في جامعة كوين ماري بلندن، فيُقدّم قراءة أكثر نقدية؛ إذ يرى أن الخضر في عهد بولانسكي باتوا “أكثر يسارية وليبرالية وانشغالاً بغزة من انشغالهم بالبيئة”، ويُرجع ارتفاع أرقامهم إلى ثلاثة عوامل متضافرة: مهارات التواصل البارزة لزعيمهم، والحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان، وخيبة الأمل الواسعة بين الناخبين اليساريين الليبراليين من خطاب حكومة ستارمر المتشدد في ملف الهجرة.

– التحليل
أولاً : نجاح حقيقي لكن في ظل الظل:
الخضر هم الفائز الثاني فعلياً في هذه الانتخابات بعد حزب إصلاح المملكة المتحدة ، لكن ضخامة مكاسب الأخير جعلت إنجازهم يبدو أقل مما هو عليه. وقد أعلن بولانسكي في أعقاب النتائج أن “السياسة الثنائية الحزبية لم تعد تحتضر فحسب، بل ماتت ودُفنت”، مقترحاً أن المعركة الحقيقية على مستقبل بريطانيا ستكون بين الخضر والإصلاح لا بين العمال والمحافظين. وهو خطاب طموح يعكس ثقة القيادة، لكنه يتجاوز ما تسمح به الأرقام الفعلية على أرض الواقع.

ثانياً — معضلة الهوية: بيئيون أم يساريون أم حزب غزة؟
تكشف التقييمات الأكاديمية عن إشكالية هوية حقيقية في صميم الخضر. فقد انتقل الحزب في عهد بولانسكي من حزب بيئي بامتياز إلى ما يُشبه حزب الاحتجاج التقدمي الشامل، ما منحه زخماً انتخابياً واسعاً لكنه يطرح تساؤلات جدية حول استدامة هذا الزخم. فقاعدته الانتخابية المتنامية تأتي في جزء كبير منها من ناخبين يبحثون عن موقف واضح من غزة وعن بديل يساري لستارمر، لا عن برنامج بيئي تقني. وهذا يعني أن مستقبل الحزب بات مرتبطاً بمآلات الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني وبالمزاج السياسي اليساري بقدر ما هو مرتبط ببرامجه الداخلية.

ثالثاً — الموانع البرنامجية: هل يستطيع الخضر منافسة العمال على السلطة؟
على صعيد السياسة الضريبية: يتبنى الخضر ضرائب تصاعدية طموحة على الثروة ورأس المال تستقطب الناخبين الشباب والحضريين المتعلمين، لكنها تُنفّر الطبقة الوسطى الصاعدة وأصحاب المشاريع الصغيرة في الدوائر المتأرجحة. وقد أثبتت التجربة البريطانية تاريخياً أن الأحزاب المُصنَّفة “خطيرة على الاقتصاد” تخسر في اللحظة الأخيرة حتى مع ارتفاع استطلاعاتها.

على صعيد الرؤية الاقتصادية: يطرح الخضر نموذجاً يقوم على تقليص النمو الاقتصادي التقليدي لصالح الاستدامة البيئية، وهو خطاب يلقى صدى في الأوساط الجامعية لكنه يصطدم بقلق حقيقي لدى العمال الصناعيين وسكان المناطق التي تعاني من الركود. والفجوة بين بيئية المدينة وواقع الضاحية الصناعية تظل إشكالاً بنيوياً في خطابهم.

على صعيد الصحة والتعليم: يتبنى الخضر تأميماً كاملاً للقطاع الصحي الخاص وإلغاء رسوم الجامعات، وهي مطالب شعبية من حيث المبدأ لكنها تطرح تساؤلات جدية حول مصادر تمويلها. وقد نجح العمال تاريخياً في احتكار هذا الملف بوصفهم “حزب الـ NHS”،- مؤسسة الخدمة الصحية العامة- وإعادة احتكار الدولة العريقة للخدمة الصحية ستكون معركة طويلة.

رابعاً — الموانع الهيكلية والانتخابية:
العقبة الأكبر هي النظام الانتخابي البريطاني القائم على الفوز بالأغلبية البسيطة في كل دائرة، وهو نظام يُعاقب الأحزاب ذات الدعم الجغرافي الموزع. فالخضر يستطيعون التحدي في نوريتش وشيفيلد وداخل لندن، لكن 12-14% من التصويت الوطني قد لا يُترجَم إلا إلى عشرين مقعداً أو أقل في ظل هذا النظام.

خامساً — ملف غزة والتضامن الفلسطيني: قوة تستقطب وتُقيّد في آنٍ معاً
جعل حزب الخضر من التضامن مع الشعب الفلسطيني ومعارضة الحرب الإسرائيلية على غزة ركيزةً مركزية في خطابه السياسي، وهو ما منحه زخماً انتخابياً واسعاً في المجتمعات المسلمة والأوساط التقدمية الحضرية، ويُفسّر جزءاً كبيراً من اختراقاته في معاقل عمالية تقليدية. غير أن هذا الموقف استُثمر من قِبَل منافسيه، ولا سيما اليمين البريطاني ووسائل إعلام محافظة، للتشكيك في الحزب عبر تضخيم قضايا فردية لبعض المرشحين وتقديمها بوصفها ظاهرة مؤسسية. وقد سارع بولانسكي إلى التبرؤ من أي تصريحات تتجاوز حدود النقد المشروع، مؤكداً أن هذه الحالات الفردية لا تُعبّر عن توجه الحزب الذي يضم 4,500 مرشح. وتظل المعضلة الحقيقية أن الموقف الإنساني من غزة، رغم أنه يُكسب الخضر قواعد جديدة، يُوفّر في الوقت ذاته ذريعةً جاهزة لخصومه لتضييق مساحته في بعض الدوائر الانتخابية.

الخلاصة والاستنتاجات:
هل يشكّل الخضر بديلاً حقيقياً للعمال؟ الإجابة في الوقت الراهن: بديل احتجاجي موثوق، لكن ليس بديلاً حكومياً جاهزاً.
يستطيع الخضر مواصلة نزع مقاعد من العمال في المدن الجامعية والأحياء الحضرية التقدمية، وهو ما يُربك حسابات العمال ويُضعف أغلبيتهم المحتملة. لكن الوصول إلى خمسين مقعداً برلمانياً – كما اشارت بعض الاستطلاعات – يستلزم ثلاثة شروط متزامنة نادراً ما تجتمع: استمرار تراجع العمال حتى 2029، وتركّز أصوات الخضر في دوائر قابلة للاختراق، ومعالجة الموانع البرنامجية التي تجعل برنامجهم مرفوضاً في الدوائر المتأرجحة ولدى الطبقة الوسطى المأزومة.

والسيناريو الأكثر واقعية يتراوح بين خمسة عشر وخمسة وعشرين مقعداً، ما يجعلهم قوة احتجاج لافتة ومؤثرة في موازين البرلمان، لكن دون بلوغ عتبة التحوّل إلى قوة حاكمة. وتظل المعضلة البنيوية الكبرى أن الخضر ينمو بسبب ما يرفضه ناخبوه لا بسبب ما يؤمنون به من برنامج، وهو أساس هش لبناء أغلبية انتخابية مستدامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.