حرب إيران: صعود باكستان وديناميات دورها في المشهد الدولي
ورقة سياسات.
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
ملخص تنفيذي:
-تستفيد باكستان من لحظة تاريخية تجعل وساطتها ضرورية في ظل تراجع وساطة قطر وعمان التقليدية.
-تبرز باكستان كشريك مطلوب ومقبول من الأطراف المباشرين للصراع، ومن أطراف كبرى معنية بمصالح المنطقة.
-تتسلح إيران بموقعها وقدراتها العسكرية وما تحظى به من دعم إقليمي كما سمعة حزم في صراعها مع الهند وإيران سابقا
-تقوم الوساطة على مسلّمة التحالف مع الصين وتنامي علاقاتها مع إدارة ترامب في واشنطن واحترام بكين وواشنطن لجهودها.
-تطمح باكستان إلى تعظيم وزنها كدولة إقليمية كبرى قادرة على التواصل برشاقة مع الأضداد وتمثل مصالحهم على نحو متوازن
تقديم:
تكشف الأبعاد المستنتجة لحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بروزا غير مسبوق لباكستان، ليس فقط بصفتها وسيطا بين الأطراف، بل بالعوامل التي باتت تمتلكها في الأمن والدفاع والسياسة والموقع الجيوستراتيجي. فما علاقة باكستان بدوائر مصالح إقليمية ودولية متنافرة استطاعت إسلام أباد أن تمثلها وتطرح نفسها على الدول الكبرى والإقليمية كجهة وازنة تملك حق لعب أدوار كبرى في العالم.
– بديل عن قطر وعمان:
مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر فبراير 2026، برزت باكستان كوسيط رئيسي في الجهود الدبلوماسية لاحتواء الصراع والبحث عن حلول سلمية. عرضت إسلام آباد في 23 مارس 2026 استضافة المدينة كمكان للمفاوضات بين الطرفين، وبدأت في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران.
وقد ساهمت باكستان في التوصل إلى هدنة هشة مدتها أسبوعان في 8 أبريل 2026، واستضافت جولة مفاوضات مكثفة في 11-12 أبريل 2026 في العاصمة الباكستانية، استمرت أكثر من 20 ساعة، شارك فيها وفد أميركي برئاسة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووفد إيراني برئاسة رئيس مجلس الشورى الإيراتي محمد باقر قاليباف.
وقد جرت المفاوضات برعاية رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش المارشال عاصم منير. ورغم عدم التوصل إلى اتفاق نهائي في تلك الجولة، استمرت باكستان في دفع الجهود لعقد جولة ثانية، مع زيارات قادتها العسكريين والمدنيين إلى طهران والرياض وأنقرة، في محاولة للحفاظ على قناة الاتصال مفتوحة وتجنب عودة التصعيد.
كانت الوساطات السابقة في الملف الإيراني، خاصة المفاوضات النووية والأزمات الإقليمية، تُدار تقليدياً من قبل سلطنة عمان وقطر. لعبت عُمان دوراً بارزاً في استضافة محادثات سرية سابقة بفضل حيادها التاريخي، بينما اعتمدت قطر على موقعها الجغرافي وعلاقاتها الواسعة مع مختلف الأطراف. ومع ذلك، تراجعت الدولتان في سياق حرب 2026. تعرضت قطر لضغوط مباشرة بسبب قربها من مناطق التوتر ووجود قواعد أمريكية على أراضيها، مما جعلها عرضة لردود فعل إيرانية، وأعلنت صراحة أنها لا تستطيع أداء دور الوسيط طالما استمرت الهجمات. أما عمان، فقد فضلت الحفاظ على حيادها التقليدي دون الدخول في وساطة مباشرة في صراع عسكري مفتوح يهدد استقرار الخليج بأكمله، خاصة بعد أن أصبحت بعض دول الخليج أهدافاً للضربات.
– المزايا والأسلوب:
تقدمت باكستان بوساطتها معتمدة على عوامل أهمها:
1-موقع البلد الجغرافي المجاور لإيران مباشرة.
2-عدم وجود قواعد أمريكية على أراضيها.
3-امتلاكها شبكة علاقات واسعة أهمها مع الولايات المتحدة والصين والدول الخليجية.
سمحت لها تلك العوامل هذا الموقع بتوفير قناة اتصال أقل تعرضاً للضغوط المباشرة مقارنة بدول الخليج، مع الاستفادة من معرفتها العميقة بالديناميكيات الإيرانية.
وأصبحت باكستان موضع ثقة طهران وواشنطن لعدة أسباب مترابطة أهمها:
1-بالنسبة لإيران، ترجع الثقة إلى الحدود المشتركة الطويلة، والتعاون الأمني السابق في منطقة بلوشستان، وحسن رعاية الشيعة في باكستان (حوالي 20 بالمئة من عدد السكان)، مما يجعل إسلام آباد حساسة تجاه التطورات الإيرانية. كما أن باكستان لا تعترف بإسرائيل مما يقلل من الشكوك الإيرانية تجاهها.
2-بالنسبة للولايات المتحدة، فقد بنت واشنطن علاقاتها مع باكستان تحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثانية من خلال التواصل المباشر مع قائد الجيش عاصم منير، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وقد أشاد ترامب بمعرفة باكستان بإيران، معتبراً إياها قادرة على فهم السياق الإيراني بشكل أفضل.
وقد مكّنت هذه الثقة المتبادلة باكستان من نقل الرسائل واستضافة المفاوضات دون أن يُنظر إليها كطرف متحيز، بل كميسر يحظى بقبول الطرفين.
– القوة والتوازن:
تتواءم علاقات باكستان الممتازة مع الصين وعلاقاتها الصاعدة مع الولايات المتحدة في إطار استراتيجية توازن واقعية. تعتمد باكستان اقتصادياً على ممر الصين-باكستان الاقتصادي (CPEC)، الذي يشمل ميناء غوادر ومشاريع بنية تحتية حيوية تعزز الروابط التجارية والاستراتيجية مع بكين. في الوقت نفسه، شهدت علاقاتها مع واشنطن تحسناً ملحوظاً في ظل إدارة ترامب، من خلال اتفاقات تجارية محتملة، وتعاون في الموارد المعدنية الحيوية، ودعم أمني.
ويسمح هذا التوازن لباكستان بالاستفادة من التنافس الأمريكي-الصيني دون الالتزام الكامل بأحدهما. فالصين تدعم جهود الوساطة الباكستانية لأن استقرار المنطقة يحمي مصالحها في CPEC ويمنع اضطرابات قد تؤثر على طرق التجارة. بينما ترى واشنطن في باكستان قناة مفيدة لإدارة التوتر مع إيران دون تصعيد مباشر. ويعزز هذا النهج القائم على المسائل من مرونة باكستان الدبلوماسية ويحولها إلى لاعب قادر على التنقل بين المحاور المتنافسة.
وللمفارقة ساهمت مواجهات باكستان العسكرية السابقة مع الهند وإيران في تعزيز مكانتها الجديدة كوسيط مقبول. ففي يناير 2024، وقعت مواجهات حدودية مع إيران حول جماعات بلوشية مسلحة، شملت ضربات صاروخية متبادلة، لكنها انتهت بتهدئة سريعة وتعاون أمني مشترك في مواجهة الإرهاب. أما في مايو 2025، فشهدت أزمة مع الهند صراعاً قصيراً (عملية سندور الهندية)، انتهى بهدنة بعد تدخل أميركي، حيث أظهرت باكستان قدرة عسكرية في الرد السريع ومن ثم الانتقال إلى الدبلوماسية.
أكدت هذه التجارب لإيران قدرة باكستان على إدارة التوترات الحدودية بفعالية دون تصعيد دائم، وللولايات المتحدة أن إسلام آباد لاعب مسؤول يمكنه التعامل مع أزمات نووية محتملة. ساهمت هذه الخبرات في بناء صورة باكستان كدولة قادرة على التحول من التصعيد إلى التوسط، مما عزز قبولها كوسيط بين طهران وواشنطن في سياق حرب 2026.
وقد دعمت “الرباعية العربية الإسلامية” ( السنية)، المكونة من باكستان والسعودية وتركيا ومصر، الوساطة الباكستانية بشكل واضح. فقد عقدت هذه المجموعة اجتماعات في الرياض (مارس 2026) وإسلام آباد (29 مارس 2026)، ثم اجتماعاً آخر في أنطاليا (أبريل 2026) على هامش منتدى أنطاليا للدبلوماسية. وركزت الاجتماعات على تنسيق الجهود للتهدئة ودعم دور باكستان كميسر رئيسي.
وقد شارك وزراء خارجية الدول الأربع في مناقشات حول وقف التصعيد وضمان استقرار الخليج. وأعطى هذا الإطار الرباعي وزنا إقليمياً أكبر لجهود إسلام آباد، خاصة مع دعم السعودية كحليف وثيق، ومشاركة تركيا ومصر في تعزيز التنسيق الدبلوماسي. وأصبحت هذه الرباعية آلية للضغط على الأطراف نحو الحوار ومنع توسع الصراع.
– مصالح باكستان في الوساطة:
تمتلك باكستان إمكانيات عسكرية واقتصادية وجيوسياسية تجعلها دولة صاعدة في السياق الإقليمي:
1-عسكرياً، تمتلك باكستان جيشاً كبيراً مدرباً، وقدرات نووية، وتجربة واسعة في عمليات مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى تعاون مع الصين في التكنولوجيا العسكرية الحديثة.
2-اقتصادياً، رغم التحديات مثل الديون والتضخم، يوفر موقعها الاستراتيجي على طرق الطاقة وموانئ كراتشي وغوادر، وإمكانيات المعادن الحيوية، فرصاً كبيرة لجذب الاستثمارات الأجنبية.
3-جيوسياسياً، تحتل باكستان موقعاً محورياً بين إيران وأفغانستان والصين والهند، مع وصول مباشر إلى بحر العرب، مما يجعلها عقدة اتصال بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط.
4-ديموغرافيا، سكانها الشباب والدياسبورا الكبيرة يشكلان رأس مال بشرياً هاماً.
هذه العناصر مجتمعة سمحت لباكستان بتحويل الأزمات الإقليمية إلى فرص دبلوماسية تعزز نفوذها.
وتتمسك باكستان بالوساطة لأنها تتوافق مع مصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد. وللاستمرار في هذا الدور جوانب توفّر أهدافا أهمها:
1-يعزز الدور من شرعية البلاد الدولية.
2-يجذب دعماً اقتصادياً وأمنياً من الدول الغنية والكبرى.
3-يحمي أمن الحدود الغربية مع إيران.
4-نجاح أي تهدئة يقلل من مخاطر اضطرابات داخلية مرتبطة بالسكان الشيعة.
5-نجاح الوساطة يحافظ على تدفق الطاقة والتجارة عبر المنطقة.
6-المساهمة في الخروج من العزلة الدبلوماسية السابقة.
7-تعزيز مكانة البلد كلاعب مسؤول في نظام دولي متعدد الأقطاب، مما يفتح أبواباً للوصول إلى التكنولوجيا والأسواق العالمية.
8-يعزز الدور التوازن بين الصين والولايات المتحدة، ويحمي مصالح ممر CPEC الحيوي.
ومن العناصر المفيدة في فهم هذا الصعود، التأثيرات الداخلية مثل الاحتجاجات الشيعية في باكستان بعد أحداث مرتبطة بإيران، التي دفعت الحكومة نحو النشاط الدبلوماسي السريع. كذلك، دعم الصين لجهود إسلام آباد يضيف بعداً عالمياً للمبادرة، حيث ترى بكين في الاستقرار الإقليمي ضماناً لمشاريعها الاستراتيجية.
في النهاية، يعكس تحول باكستان من لاعب هامشي إلى وسيط نشط واقعية سياستها الخارجية، حيث تحولت نقاط الضعف السابقة مثل التوترات الحدودية إلى أدوات لتعزيز النفوذ الإقليمي في بيئة دولية معقدة ومتغيرة بسرعة. وكانت لافتة قدرة الصين على الموازنة ما بين التزاماتها داخل اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع السعودية والمحافظة على علاقات مع إيران على الرغم من تحذيرات إسلام أباد لطهران في هذا الصدد.
خلاصة واستنتاجات:
**تقوم وساطة باكستان على ثقة واشنطن وطهران، لكن أيضا على ثقة الصين ودول الخليج.
**تستفيد باكستان من دعم من قبل السعودية وتركيا ومصر الذين يمثلون بيئة عربية إسلامية حاضنة.
**تنطلق باكستان من كونها دولة دفاع وازنة تمتلك السلاح النووي وخرجت من مواجهات مع الهند وإيران أبرزت قدراتها على الردع والحسم.
**تتمتع باكستان بموقع جغرافي بجعلها مناسبة تواصل بين بلدان ومصالح بعضها متناقض لكنها تجد في باكستان الملاذ والأمان.
**تستفيد باكستان من تطور لافت في علاقة البلد مع الولايات المتحدة والعلاقة المتقدمة للرئيس ترامب مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير.
**تمكنت باكستان من الحفاظ على حيادها وثقة إيران رغم ارتباطها باتفاقية دفاع استراتيجي مشترك مع السعودية.
**تتمسك باكستان بواسطتها لتعويلها على نجاحها من أجل تخفيف العبء الاقتصادي وتجنّب قلاقل داخلية (مع شبعة البلد) وتعظيم الميزات لدى الدول المانحة وجذب الاستثمارات ولعب دور في قضايا السلام في العالم.