حادث أمني كبير قرب قاعدة فيرفورد البريطانية: تباين الروايات بين لندن وواشنطن وتداعياته على مسار الحربين

د. محمد قواص – مركز تقدم للسياسات، لندن

ملخص تنفيذي:

يدل استمرار الطوق الأمني وإخلاء السكان وفحص الشاحنات بالروبوتات، رغم الاعتقالات، على أن الأجهزة لم تعتبر الخطر منتهيًا. لكن الشرطة ترى في الوقت نفسه أن الحادث “محتوى”، وتنتظر مراجعة الطوق.

الموقوفون الخمسة بريطانيون في العشرينات من العمر، وتتراوح أعمارهم بين 23 و25 عامًا. الأرجح أننا أمام عملية بأدوات محلية، مع توجيه أو تمويل خارجي محتمل.

يكشف التباين بين الرواية الأميركية التي تتحدث عن رصد مسبق، والرواية البريطانية التي تنسب الاكتشاف إلى بلاغ من أحد السكان، عن ارتباك استخباراتي حرج، وعن حسابات سياسية غير متسقة بين العاصمتين.

يضع الحادث القاعدة البريطانية في دائرة الاستهداف، إذ تغيب الحدود بين انخراط بريطاني مباشر ودعم لوجيستي لواشنطن.

تبقى فرضية الارتباط بإيران أو روسيا غير مثبتة. أحد خطوط التحقيق يبحث في احتمال أن يكون ممثلون للنظام الإيراني قد دفعوا لآخرين لتنفيذ المخطط، فيما نفت السفارة الإيرانية في لندن ذلك. وإذا ثبتت الفرضية، فإنها تستدعي تموضعًا بريطانيًا جديدًا في الحربين: حرب إيران وحرب أوكرانيا.

مقدمة:

يُعدّ الكشف عن “حدث أمني كبير”، وفق التوصيفات الرسمية، قرب قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية تطورًا مهمًا، وقد يكون مفصليًا في مسار الحربين في أوكرانيا وإيران، إذا ثبت تورط إيران أو روسيا في عملية كانت معدة لاستهداف هدف استراتيجي بهذا المستوى داخل أراضي المملكة المتحدة. ويضيف حذر لندن، على خلاف خطاب الرئيس الأميركي، أبعادًا من الغموض بشأن الجهة التي تقف وراء العملية، وبشأن الأسباب التي تمنع بريطانيا، حتى كتابة هذه الورقة، من اتهام جهة بعينها.

الوقائع والدلالات:

• في 27 سبتمبر 2026، تلقت الشرطة في غلوسترشاير، جنوب غرب بريطانيا، اتصالًا نحو الساعة 00:45 بشأن ثلاث مركبات مشبوهة بدت متجهة إلى القاعدة. واعتقلت خمسة رجال قرب قرية ويلفورد (Whelford)، التي تبعد نحو ميلين (3 كلم) عن القاعدة، بشبهة ارتكاب مخالفات بموجب قانون المتفجرات. ثم أضيفت إليهم شبهة “الإعداد لعمل إرهابي”. ويتيح قانون مكافحة الإرهاب احتجاز المشتبه بهم حتى 14 يومًا قبل توجيه التهم، ولم توجه تهم حتى الآن.
• أُخلي نحو 85 منزلًا وفُرض طوق بنحو 400 متر حول المركبات، وانتشر خبراء إبطال المتفجرات في الجيش، وظهر روبوت لفحص الشاحنات، وبدت أبواب شاحنتين من الثلاث مفتوحة خلفيًا. وتحدثت تقارير عن العثور على متفجرات في الشاحنات، دون جرد رسمي لمحتوياتها. وأفادت مصادر بأن تفجيرات متحكما بها نُفذت طوال الليل، بعد أن كانت الأصوات مجرد تقارير غير مؤكدة.
• قالت الشرطة إنها ترى أن الحادث “محتوى”، وأبقت الطوق قائما. ويعني استمرار الإخلاء والطوق بعد السيطرة على الأشخاص والمركبات أن التقييم العملياتي لم يستبعد وجود خطر متبق في المنطقة.
• تعزز مؤشرات أخرى القراءة نفسها: صور تكشف أن نقطة الاعتقال تقع على بعد نحو 350 مترا من بوابة طوارئ تؤدي إلى المدرج؛ واستمرار حضور مسلح وحواجز ومروحيات في المكان؛ ورفع التأهب حول فيرفورد، مع الإشارة إلى تشديده في مواقع أخرى تستضيف قوات أميركية؛ وروى سكان أن إجراءات الحماية حول القاعدة كانت مشددة منذ أسابيع، مع وضع آليات ثقيلة عند البوابات، ما يوحي بوجود إنذار مسبق لدى السلطات. وفي المقابل، فإن المزارعة التي اتصلت بالشرطة أشارت إلى احتمال وجود مشتبه بهم آخرين طلقاء، وهذا يتعارض مع توصيف الشرطة للحادث بأنه “محتوى”.

قاعدة فيرفورد:

تقع قاعدة سلاح الجو الملكي فيرفورد (RAF Fairford) قرب بلدة فيرفورد في مقاطعة غلوسترشير بإنجلترا. أُنشئت عام 1944، وتحولت منذ الحرب الباردة إلى قاعدة رئيسية للقوات الجوية الأميركية في أوروبا، واستضافت على مدى عقود قاذفات استراتيجية وطائرات تزويد بالوقود. واستُخدمت في عمليات أميركية عدة، منها ليبيا عام 1986 وحرب الخليج عام 1991 وحرب العراق عام 2003.

وتنبع أهميتها الحالية من كونها منصة متقدمة للعمليات الأميركية بالقاذفات الثقيلة في أوروبا، بما في ذلك استضافة طائرات بي-52 وبي-1 وبي-2، ما يمنحها وظيفة تتجاوز البنية العسكرية البريطانية إلى منظومة الانتشار والردع الأميركية والأطلسية. فموقعها يوفر للقوات الأميركية وصولا أسرع إلى مسارح العمليات في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي سياق الحرب مع إيران، تكتسب فيرفورد حساسية استراتيجية إضافية. فمنذ مارس تستخدمها القوات الأميركية لشن ضربات على إيران، وذلك بعدما سمح رئيس الوزراء آنذاك كير ستارمر بعمل أميركي “دفاعي” ضد مواقع صواريخ إيرانية. ومن هنا، فإن أهمية الحادث لا ترتبط فقط بكونه يستهدف القاعدة فعلًا، بل بما يكشفه عن انتقال التهديد من ساحات الحرب إلى البنية العسكرية التي تستند إليها الولايات المتحدة داخل الأراضي البريطانية.

تعدد الروايات:

تنسب الصحافة البريطانية اكتشاف الحدث إلى مزارعة من المنطقة عادت إلى منزلها فوجدت بابه مسدودا، ورأت مجموعة كبيرة من رجال ملثمين، فاتصلت بالطوارئ.

وبالمقابل، وصف الرئيس دونالد ترامب الاعتقالات بأنها “رائعة”، وقال إن واشنطن ولندن كانتا تراقبان الرجال “منذ فترة طويلة”، وإنهم كانوا “يسعون إلى إلحاق ضرر كبير” بالقاعدة. وأفادت مصادر بريطانية بأن العملية لم تكن استخبارية مسبقة.

ويرى مراقبون أن تناقض الروايتين يمكن أن يفسر بأن الرصد لم يترجم إلى انتشار بريطاني على الطرق الفرعية، أو بأن الخطاب السياسي الذي سارع إليه ترامب سبق الأدلة الميدانية. وفي الحالتين تظهر ثغرة أمنية تتحمل لندن مسؤوليتها.

من جهة لندن، وصف رئيس الوزراء أندي بيرنهام الوضع بأنه مثير للقلق العميق، وتعهدت حكومته باتخاذ “كل خطوة ضرورية” لحماية البلاد. وقال وزير الدفاع ويس ستريتينغ إن التكهن “غير مسؤول”. وكشفت الشرطة جنسية الموقوفين وأعمارهم، لكن أسماءهم لم تعلن ولا جرد رسمي لمحتوى الشاحنات. وقد يعكس ذلك حرصًا على سرية التحقيق ومنع التصعيد الدبلوماسي المبكر، لكنه يترك المجال لتأويلات تربط الحادث فورًا بطهران، ويكشف تباينًا بين لندن وواشنطن في إدارة المعلومات.

من يقف وراء الحدث؟

في يوليو 2026 صنف الحرس الثوري الإيراني أي قاعدة تستخدم لضرب إيران هدفًا مشروعا، وحدّد فيرفورد بالاسم في سياق استضافتها قاذفات بي-1 الأميركية. وتُضاف التهديدات الإيرانية المعلنة إلى بيئة حرب هجينة تُنسب إلى روسيا، من خلال حرائق ومسيّرات وتجنيد عن بعد وتهديدات لبريطانيا على خلفية دعمها لأوكرانيا.

وتبحث أجهزة مكافحة الإرهاب فرضية الصلة الإيرانية، مع بقاء فرضيات أخرى قيد البحث، بينها روسيا أو دوافع متطرفة. ويتقدم في هذا السياق خط تحقيق يتعلق باستخدام وكلاء محليين مدفوعي الأجر، وهو نمط يتسق مع كون الموقوفين بريطانيين. ونفت السفارة الإيرانية “بشكل قاطع” ما وصفته بتكهنات لا أساس لها و”خبيثة”.

وفي حال ثبت تورط إيران، فإن ذلك سيتطلب موقفًا حكوميا بريطانيا قد يستدعي تموضعا عسكريا جديدا نأت لندن بنفسها عنه منذ بدء الحرب في فبراير 2026. فقد اكتفت بالسماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها لعمليات ذات طابع “دفاعيّ”، أما هجوم على أراضي المملكة المتحدة فقد يستدعي قرارا استراتيجيا. وقد يفسر ذلك تريث الحكومة في الكشف عن نتائج التحقيق.

ويُعد الحدث البريطاني حدثا أوروبيا بامتياز، بالنظر إلى تهديدات سبق أن وجهتها إيران إلى دول أوروبية في حال دعمت واشنطن أو انضمت إلى خطة “النبذ الاقتصادي” التي أعلنها وزير الخزانة سكوت بيسنت في أغسطس 2026. كما أن حلف شمال الأطلسي سيكون معنيا بالتقييم البريطاني، وإن كان تفعيل المادة الخامسة يتطلب شروطا وقرارا سياسيا من الحلفاء.

خلاصة واستنتاجات:

– استمرار الإخلاء والطوق والفحص التقني بعد ضبط الموقوفين يدل على تقدير رسمي لخطر ما زال قائما، رغم وصف الشرطة الحادث بأنه محتوى. وقرب نقطة الاعتقال من محيط قاعدة تستخدمها القاذفات الأميركية يجعل أي عبوة أو مواد متفجرة في المنطقة حدثًا ذا دلالة أمنية واستراتيجية. وكون الموقوفين بريطانيين يرجّح فرضية الوكلاء المحليين، ويضع قدرة الأجهزة على رصد شبكات التجنيد والتمويل الداخلية في صلب المساءلة.

– التباين بين رواية بريطانية عن بلاغ مواطنة ورواية واشنطن عن رصد مسبق يكشف التباسًا في المعلومات، وغياب تنسيق واضح في إنتاج رواية مشتركة. ويحمي الحذر الرسمي سرية التحقيق، لكنه يحول غياب المعلومات إلى تراكم تكهنات بشأن هوية الطرف الدولي المسؤول.

– إذا ثبتت صلة إيران، فلن يكون التهديد موجهًا إلى القوات الأميركية في مسرح خارجي فحسب، بل إلى منشأة مرتبطة مباشرة بالمملكة المتحدة، بما يفرض على لندن إعادة تعريف حدود انخراطها في الحرب. وإذا ثبتت صلة روسيا، فسيأخذ الحادث بعدا يتعلق بالحرب الهجينة داخل أوروبا وقدرة موسكو على نقل أدوات الضغط إلى العمق البريطاني. وأيا كانت هوية المسؤول، فإن حربَي أوكرانيا وإيران قد تنتقلان إلى جغرافيا أوسع وتستدرجان مواقف جديدة من بريطانيا وأوروبا والأطلسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.