جيل Z الفلسطيني: بين الثورة الرقمية وأزمة التمثيل السياسي.
الفاعلون الجدد داخل فلسطين والشتات واستلهام التجارب العالمية.
محمد مشارقة: مركز تقدّم للسياسات
أولًا: المقدمة النظرية:
تُعدّ ظاهرة جيل Z المولود تقريبًا بين 1997 و2012، نتاجًا مباشرًا لتحولات كبرى أصابت البنى الاجتماعية والسياسية في العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لا سيما في ظلّ الثورة الرقمية وتراجع النموذج الصناعي للدولة الحديثة.
يُعدّ هذا الجيل أول جيلٍ وُلد داخل العولمة الرقمية، يمارس مواطنته وهويته عبر المنصات، ويعيد تعريف الفعل السياسي والثقافي عبر مفاهيم المشاركة المفتوحة والعدالة العابرة للحدود.
نظريًا، يمكن ردّ الجذور الفكرية لهذا التحوّل إلى عدد من المفكرين أبرزهم:
•مانويل كاستلز الذي يرى أن العالم دخل مرحلة “مجتمع الشبكة” حيث تحدد التكنولوجيا والاتصال الرقمي أسس الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.
•زيغمونت باومان ويصف الواقع الجديد بـ*“الحداثة السائلة” ، أي عالم متغيّر سريع، هشّ العلاقات والقيم، لا يعرف الثبات.
•جيل ليبوفيتسكي ويركّز على تحوّل القيم نحو الفردانية المتصلة، حيث يعيش الأفراد استقلالهم داخل شبكات تواصل جماعية.
باختصار، يؤسّس هؤلاء نظريًا لفهم جيلٍ يعيش في فضاء رقمي، سريع التحوّل، يتأرجح بين الحرية الفردية والارتباط الشبكي. فجيل Z لا يتحرك ضمن أيديولوجيا حزبية أو طبقية، بل ضمن شبكات رقمية ذات بعد قيمي وإنساني، تتجاوز الانتماء القومي أو الجغرافي نحو سرديات عالمية جديدة للعدالة والهوية.
– التحولات الاجتماعية–الاقتصادية كبيئة ولادة جيل Z العالمي:
إن صعود جيل Z العالمي لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي شهدتها المجتمعات الغربية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين تفككت الطبقة العاملة الكلاسيكية وتراجع نفوذ النقابات والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية التي كانت تمثلها.
حلّ محلّ العامل الصناعي مفهوم “العامل المرن” في اقتصاد المنصات الرقمية، مما قاد إلى إعادة تعريف العمل والهويّة الطبقية.
هكذا انتقل الوعي الاجتماعي من مطلب المساواة الطبقية إلى مطالب العدالة الاجتماعية والبيئية والعرقية والجندرية، وتحولت المنصات إلى فضاءات تعبئة بديلة للأحزاب.
جيل Z إذن هو ابن الثورة الرقمية وأزمة النيوليبرالية في آنٍ واحد: ابن التقنية من حيث الأدوات، وابن اللامساواة من حيث الدوافع.
نأتي هنا على مثالين بارزين وراهنين لاستخدامات الجيل الجديد لمجتمعات الشبكات الأول في المغرب والثاني في نيويورك:
فالانتفاضة الأخيرة في المغرب ضمن الأفق الذي رسمه كاستلز وباومان وليبوفيتسكي. تزامنت دون تنظيم رأسي في المدن المختلفة، تعبّر عن نمط جديد من الاحتجاج الشبكي الذي يتجاوز الأطر التنظيمية التقليدية، ويتغذّى من منطق مجتمع الشبكة (كاستلز)، حيث تنتج التعبئة الاجتماعية من الاتصال الأفقي بين الأفراد عبر المنصات الرقمية. واستخدام تطبيقات غير قابلة للتتبع يعكس كذلك روح الحداثة السائلة (باومان): انعدام الثبات، وانسيابية الهوية والانتماء، وتحول العمل الجماعي إلى فعل لحظي ومتحرّك.
أما في ضوء أفكار ليبوفيتسكي، فالأمر يظهر كتعبير عن الفردانية المتصلة: فالأفراد يمارسون احتجاجهم بوصفهم ذواتًا حرّة، لكنهم في الوقت نفسه جزء من موجة جماعية رقمية تتشكل عبر أدوات التواصل.
بالتالي، يمكن القول إن هذه الانتفاضة المغربية ليست فقط حدثًا سياسيًا محليًا، بل أيضًا تجسيد ميداني لثقافة جيل Z في بعدها العالمي، جيل يتواصل، يحتج، وينظّم ذاته من خلال الشبكة، خارج الأطر المؤسسية الكلاسيكية.
– ظاهرة زهران ممداني في نيويورك:
يقدّم زوهران ممداني، الفائز لحاكمية مدينة نيويورك وأحد أبرز وجوه ما يُعرف بـ”اليسار الشبكي”، نموذجًا ملموسًا لهذا التحوّل البنيوي في الثقافة السياسية الغربية.
ينتمي ممداني إلى جيلٍ سياسي جديد يتجاوز الانقسام الكلاسيكي بين اليمين واليسار، ويربط بين العدالة الاجتماعية والمناخية، والمساواة العرقية، والدفاع عن فلسطين، في إطار تضامني عابر للقوميات.
يمثل خطابه السياسي ترجمة فكرية لأخلاقيات جيل Z الذي يرى السياسة كممارسة إنسانية رقمية تتجاوز الأطر الحزبية والنقابية القديمة.
إن صعود أمثال ممداني، وألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، وإلهان عمر، وبيرني ساندرز، يعكس انتقال محور الفعل السياسي إلى جيل رقمي يدمج بين الأخلاق والعدالة والتمكين التواصلي.
ظاهرة زوهران ممداني تمثّل أيضا تجسيدًا ملموسًا للأفكار التي طرحها كاستلز، وباومان، وليبوفيتسكي، خاصة في سياق الجيل الشبكي (جيل Z) والسياسة الجديدة المتصلة بالهويات الرقمية والعابرة للحدود.
يمكن توضيح ذلك على النحو التالي:
1. في ضوء مانويل كاستلز (مجتمع الشبكة):
ممداني هو نتاج الفضاء الشبكي العالمي؛ سياسي صاعد بفضل حضوره الرقمي القوي، استثمر الإعلام البديل وشبكات التواصل لبناء شرعية سياسية مستقلة عن المؤسسات التقليدية. فهو نموذج لـ”الفاعل الشبكي” الذي يتجاوز الإطار القومي، ويتحرك داخل شبكة من التضامنات العابرة للهوية والمكان (فلسطين، المهاجرين، العدالة الاجتماعية…).
2. في ضوء زيغمونت باومان (الحداثة السائلة):
ممداني يجسّد السياسة السائلة، حيث تختفي الحدود بين المحلي والعالمي، والخاص والعام. خطابه متحوّل، مرن، يتكيّف بسرعة مع موجات الرأي العام على الإنترنت، ويعكس حالة انعدام الثبات التي يعيشها جيل ما بعد الأيديولوجيا الصلبة.
3. في ضوء جيل ليبوفيتسكي (الفردانية المتصلة):
ممداني مثال على الفرد المنخرط رقمياً؛ هو ذات فردية قوية تعبّر بحرية عن موقفها، لكنها متصلة دومًا بجماعة رقمية واسعة تتقاطع حول قضايا العدالة والمساواة. حضوره العام يعتمد على بناء علاقة وجدانية مع المتابعين أكثر من انتماء حزبي صلب.
إجمالًا، زوهران ممداني هو تجسيد سياسي وثقافي لجيل Z في بعده الكوني: فاعل يستخدم الشبكة لا كأداة، بل كبيئة للوجود، يمارس من خلالها السياسة والهويّة والاحتجاج ضمن منطق الحداثة الرقمية السائلة.
ثانيًا: جيل Z الفلسطيني – التعبير عن أزمة التمثيل:
يُقدر في المستقبل المنظور أن يكون جيل Z الفلسطيني العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل الخريطة السياسية خلال العقد المقبل، إذ يطرح هذا الجيل تحديًا بنيويًا أمام الأحزاب والفصائل القائمة.
فالأحزاب التقليدية، سواء في منظمة التحرير أو خارجها، بُنيت على مفاهيم الانضباط التنظيمي والهرمية المركزية، بينما ينتمي جيل Z إلى ثقافة الأفقية والشفافية والتشاركية، وهي قيم تتناقض جوهريًا مع منطق “القيادة الأبدية” أو “المركزية الديمقراطية الصارمة” او “الشرعية التاريخية”.
من جهة أخرى، أدت الثورة الرقمية إلى زعزعة احتكار الفصائل لوسائل التعبئة والتأثير الجماهيري، إذ لم تعد الجريدة أو البيان أو المسيرة أدواتها الوحيدة.
بشكل مختصر، يمكن فهم جيل Z الفلسطيني بوصفه تجسيدًا حيًا لتحوّلات مجتمع الشبكة والحداثة السائلة والفردانية المتصلة في سياق استعماري خاص.
هذا الجيل يعيش أزمة تمثيل مزدوجة: من جهة، رفضٌ للأطر السياسية الفلسطينية التقليدية التي فقدت شرعيتها، ومن جهة أخرى، مواجهة مع منظومة الاحتلال التي تسعى إلى محو صوته وهويته.
كما تتجلى حركيّته الجديدة في المبادرات الرقمية، وحملات التضامن الشبكي، والمقاومة الميدانية المنسّقة عبر تطبيقات مشفّرة، تعبّر عن تحوّل المقاومة إلى فعل شبكي لا مركزي، يقوده جيل متصل عالميًا، يصوغ سرديته خارج الوسائط الرسمية.
جيل Z الفلسطيني هو جيل المقاومة الشبكية؛ جيل يعيد تعريف النضال والهوية في زمن ما بعد التنظيم، حيث يصبح الفضاء الرقمي ساحة الوعي والمواجهة مع الاحتلال ومع البُنى السياسية المتكلّسة معًا.
فمنصات التواصل الاجتماعي أصبحت الحقل السياسي الجديد، حيث تُصاغ المواقف، وتُدار الحملات، وتُنشأ التحالفات العابرة للحدود، ما جعل الفصائل تعيش أزمة تمثيل مزدوجة.
– تعامل الفصائل الفلسطينية مع الجيل الجديد: أزمة في الخطاب، وأزمة في الوسيط:
رغم محاولات الفصائل الفلسطينية التكيّف مع التحولات الرقمية عبر إنشاء أذرع شبابية وحسابات تواصل اجتماعي، فإنّ حضورها ظلّ في الغالب شكليًا وبعيدًا عن التأثير الفعلي في أوساط جيل Z. فقد تعاملت معظم الفصائل مع الفضاء الرقمي بوصفه مجرّد منبر دعائي تقليدي وليس فضاءً تفاعليًا مفتوحًا، فحوّلت صفحاتها إلى امتدادٍ للصحيفة الحزبية القديمة، تُعيد فيها نشر بيانات مكاتبها السياسية وخطابات قياداتها، وتستعيد بصورة متكررة سردية “الشرعية التاريخية” ومرحلة الكفاح المسلّح وسِيَر الشهداء.
بهذا المعنى، نقلت الفصائل صراعاتها وممارساتها التنظيمية القديمة إلى المجال الرقمي بدل أن توظّفه لإعادة بناء الثقة مع الأجيال الجديدة، فتحوّلت المنصّات إلى الدعاية لإثبات الوجود وساحة للمناكفات الفصائلية وتبادل الاتهامات والجدل الفكري العقيم، لا إلى أدوات تواصل وتعبئة شبابية.
يكشف هذا السلوك عن عجز بنيوي في فهم طبيعة الثورة التكنولوجية وإمكاناتها في إنتاج وعي سياسي جديد قائم على التفاعل الأفقي والمشاركة الجماعية. وبدل أن تكون الفصائل وسيطًا بين الجيل الرقمي والمجال العام، أصبحت رمزًا للعزلة التنظيمية والانفصال عن الواقع الاجتماعي الجديد، ما عمّق القطيعة مع جيل Z وأضعف شرعيتها الشعبية. فجيل Z لا يكتفي بالإصلاح الداخلي بل يميل إلى تجاوز الإطار الحزبي نفسه نحو فضاءات مدنية مفتوحة.
وبذلك، يمكن القول إن الجيل الجديد لا يهدم التنظيمات، بل يتجاوزها؛ فهو يعيد تعريف السياسة بوصفها عملاً قيمياً وتواصلياً لا انتماءً تنظيمياً.
على المدى المتوسط، يُرجّح أن يؤدي هذا التحول إلى:
•انحسار الأطر التقليدية في الضفة وغزة والشتات،
•ظهور حركات مدنية شبكية بديلة.
•وإعادة توزيع الشرعية السياسية على أساس الكفاءة والخدمة والمصداقية الرقمية، لا على أساس التاريخ النضالي فقط.
– تحوّل مفهوم الفاعلية في السياق الفلسطيني:
منذ منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، برزت داخل فلسطين والشتات فئة جديدة من الفاعلين تتجاوز الحدود التقليدية للمقاومة بمعناها العسكري أو التنظيمي، نحو مقاومة معرفية ـ سرديةـ مدنية يقودها جيل Z الفلسطيني.
لم يعد الفاعل المقاوم هو من يحمل السلاح بالضرورة، بل من يمتلك القدرة على إنتاج سردية مضادة للاحتلال، وتشكيل رأي عام عالمي عبر أدوات الاتصال الرقمي.
بهذا المعنى، يمكن القول إن المقاومة الفلسطينية المعاصرة تشهد انتقالًا من “الميدان الترابي” إلى “الميدان السردي” ، أي من الاشتباك العسكري إلى الاشتباك الرمزي والرقمي.
1. من الفصيل إلى الفرد: باسل الاعرج نموذجا:
مع انحسار دور التنظيمات المسلحة وتآكل شرعيتها، يمكن رصد تحوّل صاعد رغم انه بطيء في مركز الفعل الوطني نحو الفرد المستقل والمبادر الذاتي.
تمثل تجربة “المثقف الفلسطيني المشتبك” باسل الأعرج الجسر الرمزي لهذا التحوّل: فهو لم يتحرك باسم حزبٍ أو فصيل، بل باسم “الوعي المقاوم” كفعل أخلاقي ومعرفي.
وقد ألهمت تجربته عشرات الناشطين الرقميين والصحفيين الشباب الذين يمارسون اليوم أشكالًا من المقاومة غير المركزية في الضفة، غزة، والقدس والشتات.
مثّل الاعرج نموذجًا فريدًا للمثقف المقاوم، وجسّد فكرًا ثوريًا جمع بين المعرفة والعمل، فصار مرجعًا للجيل الفلسطيني الجديد في وعيه الحركي والسياسي. يمكن تلخيص أبرز أفكاره فيما يلي:
1.المثقف المشتبك: رفض دور المثقف المنعزل أو الأكاديمي البارد، ودعا إلى مثقفٍ يشتبك ميدانيًا مع قضايا شعبه، يعيش فكره في الفعل المقاوم لا في التنظير المجرد.
2.المعرفة المقاومة: رأى أن المعرفة الحقيقية هي التي تُنتَج في سياق المواجهة مع الاحتلال، وأن الوعي سلاح لا يقل أهمية عن البندقية.
3.التحرّر من الوساطة السياسية: انتقد الأطر التقليدية الفلسطينية والبيروقراطية الحزبية التي عطّلت مشروع التحرّر، ودعا إلى مبادرة شعبية مستقلة تستعيد روح الانتفاضة الأولى.
4.الزمن الفلسطيني الجديد: اعتبر أن جيل الشباب يجب أن يكتب تاريخه بنفسه، بعيدًا عن النماذج القديمة، عبر وعي نقدي يجمع بين التراث الثوري والتكنولوجيا الجديدة.
5.وحدة الفكر والفعل: مثّل الأعرج بفعله، حتى استشهاده ، الفكرة القائلة إن المثقف الحقيقي هو من يحمل سلاحه عندما يتعرّض فكره للاحتلال.
باختصار، كان باسل الأعرج ضمير جيلٍ فلسطينيٍّ جديد يرى في الوعي والمعرفة والاشتباك الميداني طريقًا واحدًا للتحرّر من الاحتلال ومن الجمود الداخلي معًا.
2. من الخطاب الأيديولوجي إلى الفعل السردي:
من الخطاب الأيديولوجي إلى الفعل السردي: تحوّلات المقاومة في سياق جيل Z الفلسطيني:
يشير التحوّل في أنماط الفعل السياسي لدى جيل Z الفلسطيني إلى انتقال نوعي من الخطاب الأيديولوجي التقليدي إلى ما يمكن تسميته بـ الفعل السردي الشبكي. في هذا السياق، لم تعد المقاومة تُعبَّر عنها أساسًا من خلال الانتماء الحزبي أو النشاط المسلّح، بل من خلال إنتاج سرديات رقمية تراكميّة تساهم في إعادة تشكيل الإدراك العالمي للقضية الفلسطينية.
يُوظّف هذا الجيل أدوات الاتصال الحديثة بوصفها فضاءات للفعل المقاوم، حيث تتحول الصور والمقاطع المصوّرة والمقالات والوسوم إلى مكوّنات لسرد جماعي متصل يعيد بناء الحقيقة الفلسطينية في مواجهة الرواية الإسرائيلية المهيمنة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحملات الرقمية العابرة للحدود مثلSaveSheikhJarrah وFreePalestine، إضافة إلى المبادرات الإعلامية المستقلة مثل “Eye on Palestine”، التي أصبحت منصّات بديلة لإنتاج المعرفة البصرية حول واقع الاحتلال.
لقد أسهم هذا التحوّل في بروز نموذج مقاومة لا مركزية، تتجاوز الأطر التنظيمية والحزبية التقليدية، وتعتمد على التفاعل اللحظي والشبكي في التعبئة ونشر المعلومة. ونتيجة لذلك، بات ميزان الفاعلية السياسية يقاس بمدى التأثير في الرأي العام المحلي والعالمي، لا فقط بمدى القدرة على الفعل الميداني المباشر.
في المقابل، أدركت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خطورة هذا التحوّل، فباشرت حربًا رقمية موازية تستهدف الفضاء السردي الفلسطيني عبر الرقابة، وحذف المحتوى، وتقييد الوصول إلى الحسابات الناشطة. هذا الصراع على الفضاء الرقمي يؤكد أن جيل Z الفلسطيني لا يشارك فقط في مقاومة ميدانية أو رمزية، بل في معركة سرديات تسعى إلى تفكيك احتكار إسرائيل للحقيقة وتمثيل الضحية.
وعليه، يمكن القول إن المقاومة الرقمية لدى جيل Z الفلسطيني باتت أحد أهم مظاهر التحوّل في الوعي السياسي المعاصر، إذ تمثل نموذجًا جديدًا للفعل الجمعي الشبكي، حيث تتقاطع المعرفة، والاتصال، والهوية في صياغة استراتيجية مقاومة تقوم على إنتاج المعنى لا على احتكار العنف أو الانتماء التنظيمي.
3. من المركز إلى الشبكة: تحوّل بنية الفعل الوطني الفلسطيني:
يشهد المشهد الفلسطيني الراهن انتقالًا جوهريًا في أنماط التنظيم والعمل من المركز الهرمي إلى الشبكة اللامركزية، حيث لم يعد الفاعلون الجدد، ولا سيما من جيل Z يتحركون ضمن أطر حزبية أو مؤسساتية تقليدية، بل عبر بنى شبكية مرنة تربط بين غزة والضفة الغربية والقدس والشتات في فضاء تفاعلي واحد.
تجسّد منصات مثل We Are Not Numbers وGaza Sky Geeks هذا التحوّل البنيوي، إذ تجمع بين العمل الثقافي والحقوقي والتقني ضمن مشروع وطني رقمي لا يقوم على الانتماء التنظيمي، بل على المعرفة المشتركة والإنتاج التعاوني. هذه المبادرات تمثل ملامح اقتصاد مقاومة معرفي يسعى إلى إعادة تعريف الفعل الوطني في بيئة ما بعد الحدود، حيث تتقاطع السردية السياسية مع ريادة الأعمال الرقمية والمجتمع المدني العابر للمواقع الجغرافية.
وبذلك، تحوّل الفعل الوطني إلى بنية موزّعة ومتعددة المراكز، يصعب احتواؤها أو إخضاعها من قبل الفصائل أو السلطات السياسية القائمة. هذا الشكل الجديد من الفعل الجمعي الشبكي يعكس تحوّلًا في الوعي السياسي الفلسطيني نحو نمط مقاومة أكثر انفتاحًا وابتكارًا، يزاوج بين الثقافة الرقمية والتعبئة الاجتماعية في إطار وطني شامل ومتجدد.
4. من المقاومة المسلحة إلى المقاومة الذكية: تحوّل أدوات النضال في الوعي الفلسطيني الجديد:
يشير التحوّل في أنماط الفعل المقاوم لدى جيل Z الفلسطيني إلى انتقال من نموذج المقاومة الصلبة، التي تجسّدها المواجهة المسلحة والتنظيمات الهرمية، إلى نموذج المقاومة الذكية التي تقوم على المعرفة، التكنولوجيا، والاقتصاد البديل. هذا التحوّل لا يعني انقطاعًا عن الوعي التاريخي بالمقاومة المسلحة، بل إعادة توزيع لأدوات النضال وفق منطق الزمن الرقمي، حيث تصبح المعلومة والصورة والبيانات أشكالًا جديدة من القوة السياسية.
.. من الناحية النظرية، يمكن تأصيل هذا التحوّل ضمن ما يسميه مانويل كاستلز بـ”قوة التواصل” (The Power of Communication)، حيث يتحوّل الفضاء الشبكي إلى ميدان للصراع الرمزي بين الهيمنة والمقاومة. كما يتقاطع مع تصور زيغمونت باومان عن الحداثة السائلة، التي تفرض أشكالًا أكثر مرونة وانسيابية من الفعل الجمعي تتجاوز العنف المادي إلى التأثير السردي والمعرفي. أما في ضوء جيل ليبوفيتسكي، فإن المقاومة الذكية تعبّر عن فردانية منخرطة رقميًا توظّف مهاراتها التقنية والشخصية ضمن مشروع جماعي متصل بالشبكة.
تتجلى هذه المقاومة الجديدة في مبادرات التوثيق الميداني الرقمي، وحملات المقاطعة (BDS)، والمشروعات الاقتصادية التضامنية، التي تعمل جميعها على تقويض البنية المادية والرمزية للاحتلال من خارج منطق الاشتباك العسكري المباشر. إنها مقاومة لا تشتبك بالنار، بل بـ المعلومة، والصورة، والخطاب العالمي، ما يمنحها قدرة أعلى على الاستدامة والتكيّف، ويجعل من قمعها أكثر صعوبة في ظل فضاء اتصالي مفتوح ومتعدد المراكز.
تُظهر هذه المقاربة أن المقاومة الذكية ليست بديلًا عن الكفاح المسلح بقدر ما هي امتداد تطوري له في بنية ما بعد رقمية، حيث يُعاد تعريف الفعل التحرّري وفق أدوات أكثر فاعلية في التأثير على الإدراك الدولي، وتحصين الوعي الجمعي الفلسطيني ضد التهميش أو التزييف.
5. التقييم التحليلي:
يمثل جيل Z الفلسطيني، ومعه الفاعلون الجدد في المقاومة، تحولًا بنيويًا في مفهوم النضال الوطني من حيث الوسائل، اللغة، والموقع الجغرافي.
فالاحتلال الذي اعتاد مواجهة فصائل واضحة البنية يجد نفسه اليوم أمام جيل شبكيّ متحوّل لا يمكن تصنيفه أو السيطرة عليه بسهولة.
وهذا التحول لا يُضعف المقاومة، بل يُعقّدها، ويمنحها طابعًا مفتوحًا عابرًا للحدود، يعيد تعريف فكرة “الوطن” باعتباره مجالًا رقميًا متصلًا كما هو جغرافي منقسم.
• شبكات جيل Z الفلسطيني: ربط الشتات بالداخل في الفضاء الرقمي:
التحول الهويّاتي الذي يقوده جيل Z الفلسطيني، ويكشف عن قدرة الجيل الجديد على خلق جغرافيا رقمية بديلة تتجاوز الحدود السياسية والمخيمات والأسوار، في وقتٍ فشلت فيه الفصائل التاريخية في إنتاج مشروع وطني جامع.
من أبرز ملامح جيل Z الفلسطيني أنه استعاد الوحدة الرمزية للمجتمع الفلسطيني الممزق — لا عبر التنظيمات السياسية، بل من خلال الشبكات والمنصات الرقمية.
ففي السنوات الأخيرة، ظهرت مبادرات رقمية يقودها شبّان وشابات من مخيمات لبنان وسوريا والضفة الغربية وغزة والداخل المحتل، هدفها توثيق التجربة الفلسطينية المشتركة وتبادل الذاكرة اليومية، عبر سرديات شخصية وصحفية وفنية.
– مبادرات ومشاريع رقمية تربط الشتات بالداخل: أمثلة رمزية:
1. التعاون بين صحفيات من غزة ومخيم شاتيلا في مشروع “رسائل من المخيم إلى البحر” الذي يوثق رسائل فيديو بين فتيات لم يغادرن المخيمات وأخريات تحت الحصار.
2. مبادرة “ذاكرة المخيمات الحية” التي أطلقتها طالبات جامعيات من رام الله وصيدا لتبادل أرشيف العائلات المفقودة بين الداخل والشتات.
3. We Are Not Numbers (WANN) – برنامج تمكين كتابي باللغة الإنكليزية للشباب الفلسطينيين من غزة والشتات، ينشر قصصاً من منظور جيل Z ويعزز التمثيل الذاتي.
4. VIRTU‑PEACE – مشروع تبادل افتراضي يربط شباب فلسطينيين من الضفة، غزة، القدس والشتات، من أجل بناء حوار حول الهوية والمصالحة الرقمية. .
5. MENACatalyst Foundation – مؤسسة تُعنى بتمكين ريادة الأعمال الفلسطينيّة، ربط الشباب المحليّين بالشتات، وتوظيف الكفاءات الرقمية.
6. UNICEF Palestinian Programme Lebanon – برنامج تعليمي ورقمي يدعم لاجئي فلسطين في لبنان، بخاصة في البُنى التحتية الرقمية والتعليم عن بُعد.
7. Palestine TechnoPark – مركز في الضفة الغربية يُعزّز مشاركة الشتات في الاقتصاد الرقمي الفلسطيني ويعمل على بناء شبكة تكنولوجية للشباب.
8. Elgoritthm Organization + Kayani Studio – مبادرة في لبنان لتدريب شباب لاجئي فلسطين (نساء وفتيات) على الصحافة الرقمية والمونتاج في مخيمات لبنان.
9. Orion Semiconductor Design – شركة فلسطينية تهدف إلى إنتاج أول رقاقة (chip) فلسطينية وتوظيف شباباً فلسطينيين في تكنولوجيا متقدمة ضمن سياق ظروف الاحتلال.
10. Palestine Youth Digital Innovators Program – مبادرة لشباب فلسطينيين (11-17 عاماً) لتطوير مهارات رقمية وابتكار مشاريع تقنية تُشغَّل افتراضياً.
11. Digital Hub Palestinian Refugees Lebanon – مبادرة رقمية تهدف إلى تحسين تأثير الرقمي للاجئي فلسطين في لبنان وإنشاء فضاءات تواصل ومشاريع رقمية.
12. Digital Storytelling with Palestinian Refugee Women in Lebanon – مشروع في مخيم مار إلياس لتدريب نساء فلسطينيات على التوثيق الصحفي الرقمي وصناعة الفيديوهات القصيرة من داخل المخيم.
13. المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي، يعنى بالحقوق الرقمية والتدريب على المناصرة الإلكترونية.
14. Baladnaجمعية الشباب العرب في حيفا، تعمل على تعزيز الهوية والحقوق المدنية لشباب فلسطينيي الداخل
15. Visualizing Palestine – مؤسسة بحث بصري تنتج إنفوغرافيك وسرديات بصرية لتغيير الرواية في الإعلام العالمي.
16. Grassroots Al-Quds – شبكة بحث وتنظيم مجتمعي في القدس، تدعم مبادرات محلية.
17. National Students for Justice in Palestine (NSJP) – حركة طلابية يقودها جيل Z في الجامعات الأميركية.
18. Within Our Lifetime (WOL) – إطار شبابي في نيويورك تقوده نردين قسواني، يربط النضال الفلسطيني بالحراك العالمي.
19. حملات مقاطعة منتجات المستوطنات (BDS المحلية) – يقودها ناشطون من جيل Z في الضفة الغربية، تزاوج بين المقاطعة الاقتصادية والمقاومة الرقمية المدنية.
20. Palestine Pod بودكاست شبابي كانت تديره ناشطات من غزة ومخيم عين الحلوة في لبنان، يناقش قضايا الهوية والمنفى والذاكرة الجيلية.
21. We Are Not Numbers (WANN): أحد أهم المشاريع العابرة للجغرافيا؛ يضم كتّابًا من غزة ومخيمات لبنان والشتات الأوروبي، ينشرون نصوصهم بالإنجليزية حول الحياة تحت الحصار والمنفى.
22. Shababeek Network: مبادرة إعلامية أطلقتها صحفيات شابات من غزة وصبرا وشاتيلا والقدس، تعمل على إنتاج قصص مصوّرة قصيرة حول “فلسطين اليومية”.
23. The Camp Archive: مشروع توثيقي شبابي من مخيم نهر البارد ومخيم جباليا لتصميم خريطة رقمية موحدة للمخيمات الفلسطينية في الداخل والشتات.
– الديناميات الثقافية الجديدة: من التنظيم إلى التواصل في الوعي الشبكي الفلسطيني:
تُظهر التحولات الجارية في المشهد الفلسطيني بروز ديناميات ثقافية جديدة أعادت تعريف أسس الانتماء والعمل الجماعي في زمن الشبكات الرقمية. فالمبادرات الشبابية والفضاءات التفاعلية التي يقودها جيل Z الفلسطيني لم تعد تقوم على مبدأ “التنظيم” بالمعنى الفصائلي أو الحركات الموسمية، بل على منطق “التواصل” الذي يربط الأفراد ضمن شبكات مرنة تتأسس على الذاكرة المشتركة، والهوية الجمعية، والقصص الفردية المتقاطعة.
في هذا الإطار، تحوّل الفضاء الرقمي إلى جغرافيا رمزية بديلة للمنفى، حيث تتجاور الأمكنة الفلسطينية المتباعدة — من غزة والبداوي وعين الحلوة ونهر البارد واليرموك إلى الأمعري والجلزون وجنين ونور شمس وبلاطة ورام الله، من خلال منصات مثل إنستغرام وتيك توك في زمن واحد، من خلال تبادل الصور والشهادات والقصص الشخصية. بذلك، أعاد هذا الجيل إنتاج فلسطين كـ حيّز شعوري متصل يتجاوز القيود المكانية والسياسية المفروضة منذ اتفاقيات أوسلو.
– النتائج السياسية والثقافية:
•نجح هذا التواصل الشبكي في تجاوز الانقسام السياسي والجغرافي الذي كرّسته البنى الفصائلية المتنازعة، عبر بناء سردية وطنية جامعة ترتكز على الذاكرة والرواية الشعبية لا على المرجعية الحزبية.
•تحوّلت الشبكات الرقمية الشبابية إلى بنية بديلة لإنتاج الوعي الجمعي، حيث يقوم التضامن والتعبئة على التفاعل والمشاركة لا على الانتماء التنظيمي.
•أسهمت هذه الفضاءات في ولادة جيل وطني كوني عابر للحدود، يرى فلسطين باعتبارها مجالًا وجدانيًا ورمزيًا موحّدًا أكثر من كونها جغرافيا مجزأة أو مقسّمة سياسيًا.
بذلك، تمثل هذه الديناميات الثقافية الجديدة نموذجًا لتحوّل الوعي الوطني الفلسطيني نحو شكل اتصالي عابر للمكان والزمان، حيث تصبح الشبكة وسيلة لبناء مجتمع متخيَّل جديد يربط بين الداخل والشتات على أساس السردية والذاكرة المشتركة، لا على منطق السلطة والانقسام.
– دلالة استراتيجية:
هذا الشكل من “العمل الوطني الرقمي” يُعيد إنتاج الفكرة الفلسطينية الجماعية الكبرى من القاعدة، عبر جيلٍ لا يطلب الإذن من التنظيمات، بل يبني تواصله الطبيعي حول القيم والذاكرة المشتركة.
وبينما فشلت الفصائل في بناء جسر بين غزة والضفة والشتات الا عبر البنى الحزبية الفوقية، استطاع جيل Z أن يفعل ذلك عبر الإنترنت، بلا بيانات سياسية ولا توصيات ختامية لاجتماعات اللجنة المركزية، بل عبر الصور والمحتوى التفاعلي والقصص الشخصية.
– التحديات التي تواجه هذا الجيل افرادا ومؤسسات:
أولاً: من جانب السلطة الفلسطينية:
•قمع ممنهج لانتقاد السلطات في الضفة وغزة: تقرير هيومن رايتس ووتش “سلطتان، نهج واحد: قمع بلا معارضة” وثّق الاعتقالات التعسفية والتعذيب وسوء المعاملة بحق منتقدين، صحفيين وناشطين بسبب التعبير السلمي، بما في ذلك محتوى على وسائل التواصل.
•حجب مواقع وإطار قانوني مقيِّد: تبنّي “قانون الجرائم الإلكترونية” (2017) واستخدامه لاعتقال منتقدين وحجب عشرات المواقع الإخبارية والسياسية في الضفة الغربية، بحسب تقارير مؤسسات حقوقية ومراكز بحثية.
•اعتقالات لمحتجين وصحفيين عقب قضية مقتل نزار بنات: توثيق اعتقال عشرات المحتجّين، وضغوط على صحفيين ومؤسسات إعلامية خلال موجة الاحتجاج اللاحقة.
قيود على مؤسسات إعلامية:
•تعليق عمل قنوات/مكاتب إعلامية: قرارات بتعليق/تقييد تغطية قنوات ناقدة باعتبارها “تحريضية” ، في مناطق خاضعة للسلطة.
•تُظهر نمطًا بنيويًا من القيود على النقد العام والمحتوى الرقمي، يطال ناشطين شبابًا ومنصات مستقلة.
•تبرهن على وجود معادلة ردع مزدوجة: تضييق داخلي من السلطة، إضافة إلى القمع والقيود الإسرائيلية، ما يخلق بيئة خانقة للعمل الشبابي والشبكي.
•تُفسِّر جانبًا من فجوة الثقة بين جيل Z والسلطات التقليدية، وتدعم حجّة انتقال الفاعلية من “الأطر الحزبية” إلى فضاءات مدنية–رقمية مستقلة.
ثانيًا: من جانب الاحتلال الإسرائيلي:
بخلاف الاعتقال والقمع المباشر فقد واجه نشطاء الجيل الجديد حملات تحريض وتشويه إسرائيلية عبر المنصات الرسمية والإعلام العبري خلال تغطيتهما حرب 2023–2024 على غزة، كما تمّ حظر محتواهما مرارًا من قبل “ميتا” و”تيك توك” بناءً على ضغوط إسرائيلية.
جرى تقييد عشرات الحسابات التابعة لصحفيين ومبادرات شبابية او حذفها مؤقتًا بسبب البلاغات الإسرائيلية ضمن حملة “الحرب على المحتوى الفلسطيني”.
دلالات هذه الحالات:
هذه الأمثلة تُظهر أن جيل Z الفلسطيني يواجه رقابتين متداخلتين:
•رقابة سياسية داخلية تحاول ضبط النقد والتمثيل،
•ورقابة استعمارية رقمية توظّف التكنولوجيا لحجب الرواية الفلسطينية.
وبالرغم من ذلك، فإن استمرار هؤلاء النشطاء في النشر والتوثيق يكشف عن قدرة الجيل الجديد على تحويل القمع إلى رأسمال رمزي يُعزّز مصداقيته داخل فلسطين وخارجها
الخلاصة:
** جيل Z الفلسطيني يعبّر عن تحول في طبيعة الفعل الوطني: من المقاومة المسلحة إلى المقاومة السردية، ومن التنظيم الحزبي إلى التنظيم الشبكي، ومن الشعارات الأيديولوجية إلى القيم الإنسانية العالمية.
** تجاوز هذا الجيل الانقسام الجغرافي والسياسي، وأعاد تقديم الهوية الفلسطينية في لغة عالمية يفهمها الجمهور الرقمي: العدالة، الحرية، الكرامة، والمساواة.
**جيل Z الفلسطيني هو امتداد طبيعي للتحولات الرقمية العالمية، لكنه يحمل خصوصية ناتجة عن واقع الاحتلال والانقسام وغياب التمثيل السياسي. وهو التحدي البنيوي الأكبر أمام الفصائل الفلسطينية منذ نشأتها، وقد يكون أيضًا فرصتها الأخيرة للتجدد أو الاندثار.
** ما يقوم به الشباب الفلسطيني اليوم هو إعادة كتابة الرواية الوطنية بلغة العالم، جيل لا ينتظر الدولة الفلسطينية، بل يصنع فضاءها الرمزي في المنصات الرقمية والفضاء المدني.
** في السياق الفلسطيني أيضا، يعكس جيل Z الفلسطيني التعبير الأوضح عن أزمة الشرعية السياسية للأحزاب والفصائل والسلطة الفلسطينية.
** نشأ هذا الجيل في بيئة ما بعد الانقسام (2007) وتحت واقع الاحتلال والرقابة الرقمية، ووجد نفسه خارج منظومة التنظيمات التقليدية التي فقدت فعاليتها. جيل ما بعد الفصائل يرى أن السياسة لم تعد حكرًا على السلطة أو الحزب، بل ممارسة مجتمعية–رقمية تتعلق بالرواية، التوثيق، والعدالة اليومية.
• وبذلك، يصبح الفعل الفلسطيني الجديد مدنيًا – ثقافيًا – إعلاميًا – رقميا أكثر منه أيديولوجيًا أو مسلحًا.
• يشكّل هذا الجيل بنية جديدة من الفعل الوطني، تتقاطع فيها الثقافة، التكنولوجيا، الحقوق الرقمية، والمقاطعة الاقتصادية لكل ما يتصل بالة الاحتلال.
.