جولة بلينكين تتعثر امام حكومة نتنياهو

امير مخول، مركز تقدم للسياسات

ملخص ورقة سياسات

تقديم: بخلاف البلدان العربية والاقليمية التي شملتها جولة بلينكن حيث التقى جهة واحدة تمثل النظام في كل دولة، فقد عقد في اسرائيل بالإضافة لمشاركته في اجتماع كابنيت الحرب، عددا من اللقاءات المنفردة للنظر في القضايا الجوهرية التي أتت زيارته من أجلها؛ اذ اجتمع في لقاءات ثنائية مع وزير الخارجية يسرائيل كاتس، ومع وزير الأمن غالنت، ورئيس الحكومة نتنياهو، والوزير في كابينيت الحرب غانتس، ومع رئيس جهاز الأمن العام الشاباك رونين بار كما اجتمع مع رئيس الدولة هرتسوغ ومع عائلات الرهائن المحتجزين في غزة.
– تضمنت تصريحات بلينكن في اسرائيل مواقف جديدة تعبر عن رؤية لم تصرح بها الادارة الامريكية ، بأن الولايات المتحدة ملتزمة بتحقيق اتفاق يتيح “إعادة سكان اسرائيل الذين تم إخلاؤهم من الجنوب والشمال، معتبرا أن الامر ممكن “فقط من خلال رؤية إقليمية تشمل دولة فلسطينية، فلا يمكن ان يتحقق جانب من دون اخر، وعلى القادة الاسرائيليين اتخاذ قرارات صعبة”.
– التجديد الاخر في تصريحاته هو، أن الامم المتحدة سوف ترسل طواقم عمل الى شمال قطاع غزة لمعاينة كيفية إعادة السكان الفلسطينيين الى بيوتهم [في شمال غزة] بعد أن “خفف الجيش الاسرائيلي من كثافة تواجده العسكري”، في اشارة الى رغبة ادارة بايدن بهذه الخطوة الاممية، ومؤكدا على إلزامية عودتهم ورفض بشكل قاطع فكرة استيطان اسرائيلي في غزة، وفي ذلك اشارة الى شبه استحالة الحياة.
– تتزامن الزيارة عشية بدء محكمة العدل الدولية بالبتّ في طلب جنوب افريقيا استصدار امر بوقف الحرب، ضمن الدعوى التي رفعتها وتتهم اسرائيل بارتكاب اعمال ابادة جماعية وجرائم حرب. وقد هاجم بلينكن دعوى جنوب افريقيا واعتبرها معطِّلة للجهود السياسية.
– اشار بلينكن الى الجهود الامريكية لدرء اتساع رقعة الحرب وحذر من مخاطرها على الحدود الشمالية مع لبنان مؤكدا على انحياز دولته لإسرائيل ومشددا على جدوى وامكانية الحل السياسي الدبلوماسي وليس العسكري.
– طالب بلينكن حكومة نتنياهو بتحويل اموال المقاصة الى السلطة الفلسطينية وبالكامل، وتلقى الرفض مباشرة من وزير المالية سموتريتش.
تحليل:
• هناك اجماع عربي فلسطيني بالاستعداد للتعاون التام مع الادارة الامريكية في إطار حل يشمل وقفا للحرب على غزة وفي سياق حل سياسي يوصل الى دولة فلسطينية. والسؤال هو بصدد الطرف الاسرائيلي.
• لقاءات بلينكن مع المسؤولين الاسرائيليين كلٍّ على حدة فيها دلالة على العقبة الامريكية المستعصية، وهي طبيعة حكومة نتنياهو، وطبيعة علاقة ادارة بايدن مع هذه الحكومة، وفي مسعى للإبقاء على غانتس وحزبه في إطار كابينيت الحرب، لضمان المصالح الامريكية وتطبيق الرؤية الامريكية ووضع كوابح لحكومة نتنياهو الموسعة المعنية بالتصعيد على عكس مصالح إسرائيل الحقيقية، الامر يتطلب هدنة طويلة الامد في الطريق نحو وقف الحرب.
في اجتماعه مع عائلات الاسرى والمحتجزين الاسرائيليين في غزة عزز بلينكن من القوى المعنية بوضع هذه المسالة في طليعة الاولويات، وهي المحرك الاساسي ايضا للتهدئة وللتفكير بما يسمى اليوم التالي وفقا لإدارته، وكما في معظم جولات المسؤولين الامريكيين لم يتم اي تطرق لوقف إطلاق النار الا ان الحديث عن حل معظم الامور بطرق دبلوماسية وسياسية باستثناء الموقف من حماس وضرورة استمرار الحرب.
• رغم تصريحاته وما فيها من مستجدات، فإن الخارجية الامريكية تدرك بأن حكومة اسرائيل تفتقر الى اي اجماع بصدد “اليوم التالي” وبصدد الاولويات في الاهداف وتحديدها ، والى اي توافق داخلي مراده حل سياسي. وبأن نتنياهو عاد للتخندق في ائتلافه الحاكم مع احزاب الصهيونية الدينية لمتطلبات بقائه في الحكم وتجنّب التحقيق في إخفاق 7 اكتوبر وفي الحرب، وذلك بإعلان اسرائيل اطالة امد الحرب لعام اضافي، كما ان هذا التخندق يعني قبوله لموقف سموتريتش برفض تحويل أية اموال مستحقة للسلطة الفلسطينية في اطار المقاصة ومواصلة السياسة الهادفة لتقويضها، والى عدم قدرته، وبتقديرنا عدم رغبته، على التصدي لمشروع اعادة استيطان غزة، ولتخفيف التصعيد الاحتلالي في الضفة الغربية والذي يحمل ملامح بنية تطهير عرقي، كما انه يتماهى تماما مع مشروع التهجير في غزة ويسعى اليه فعليا.
• في اشارته لمسألة النازحين الاسرائيليين في الشمال والجنوب وبكونها مسألة تحل في اطار حل شامل اقليمي، أكد بلينكن ان هذه المسألة باتت مستعصية وخرجت عن كونها مسألة اسرائيلية داخلية تجد حلها من خلال قرارات حكومية مباشرة، بل وحوّلها الى اداة للضغط على حكومة نتنياهو من اجل تدارك الحرب مع حزب الله ولبنان ولوضع المسألة في سياق الحرب على غزة والتي باتت المحرك للوضع على كل الجبهات، واعتراف بأن تهدئة الجبهات الاخرى وحصريا الجبهة اللبنانية منوطة بالتهدئة في غزة. وفي هذا تراجع عن الموقف الامريكي الذي ساد في بداية الحرب، وقد يكون في هذا تقدير ضمني لدى ادارة بايدن بأن إخفاق وزير الخارجية بلينكن في جولته في المنطقة لا يمكن تجاوزه ويعود مرده الى انها متورطة وأن روافع تأثيرها في المنطقة قد تراجعت بسبب موقفها من الحرب على غزة ورفضها لوقف إطلاق النار. لكنه اساسا يعود الى تراجع منسوب تأثيرها على حكومة نتنياهو في مسألة كيفية الخروج من الحرب وذلك ما راهن عليه نتنياهو بأن عام الانتخابات في الولايات المتحدة يجعل منسوب التأثير على حكومة اسرائيل يتراجع.
• رغم تفاقم الازمة السياسية الطاحنة في اسرائيل والعلاقة المتوترة بين المستويين السياسي والعسكري والصراع داخل الحكومة نفسها، يدرك نتنياهو بأن ادارة بايدن لن تفرض حلا على اسرائيل، ويرى بذلك هامشا للمناورة مقابل هذه الادارة، لتجاوز مستحقات اخفاق الحرب وللإبقاء على ائتلافه الحاكم.
• قد يكون التوافق الوحيد بين بلينكن وحكومة نتنياهو هو بعدم فتح جبهة على الحدود مع لبنان على شكل حرب شاملة ومفتوحة. وبتقديرنا ان اسرائيل غير جاهزة لمثل هذه الحرب رغم التصعيد الهجومي الذي يبدو مرده هو مسعى لترميم حالة الردع، بينما يشكل التصعيد المتبادل مسعى لتحسين شروط التفاوض غير المباشر وللإبقاء على معادلة الردع القائمة او اجراء تغييرات ضمنها وفي سياق الجهود الدبلوماسية الامريكية والاوروبية والعربية المبذولة لمنعها ولإيجاد مخرج دبلوماسي. بيد ان الموقف الامريكي الحازم نسبيا نحو منع اشتعال الحرب الشاملة فيه رؤية لمصالح الولايات المتحدة ونفوذها، وفيه ايضا رؤية لمحدودية قدرة اسرائيل على مثل هذه الحرب دون توريط الولايات المتحدة فيها، بما فيه تسليم امريكي بأن التوتر على هذه الجبهة وعدم قدرة اسرائيل على إعادة نازحيها الى بلداتهم فذلك يعود الى عدم القدرة على فك الارتباط بين الجبهتين الجنوبية والشمالية.
خلاصة:
• لم تحقق جولة بلينكن اية اختراقات للحالة المستعصية والتي تشكل الادارة الامريكية جزءا منها بامتناعها عن فرض وقف الحرب، ويعود الاخفاق الى طبيعة حكومة اسرائيل وطبيعة علاقة الادارة الامريكية بها.
• هناك اهمية لبداية ادراك ادارة بايدن بأن الطريق لحل التوترات والتصعيد الحربي واحتمالية اتساعه، يمر من غزة. وقد تدفع نحو تبلور موقف امريكي نحو السعي الى فرض حل وهو موقف عبر عنه الاتحاد الاوروبي مؤخرا على لسان مفوض السياسة الخارجية بوريل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.