جدل الحوار الداخلي السوري حول التسويات مع رجال المال والكوادر من النظام السابق
ورقة سياسات.
محمد مشارقة، مركز تقدم للسياسات.
الملخص التنفيذي:
تواجه سوريا اليوم لحظة مفصلية في مسارها الانتقالي، حيث تتسارع التسويات المالية التي تجريها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع مع رجال أعمال من النظام السابق، بهدف استرداد الأصول وإعادة تدوير رأس المال داخل الاقتصاد المنهار. ورغم الأهمية الاقتصادية المباشرة لهذه التسويات، فإنها تثير جدلاً داخلياً حاداً حول علاقتها بالعدالة الانتقالية، وحول مخاطر إعادة إنتاج أنماط النفوذ القديمة في ظل غياب آليات شفافة للمساءلة.
تخلص هذه الورقة إلى أن التسويات المالية وحدها لا تكفي، بل إنها قد تقوض شرعية المرحلة الانتقالية إذا لم تترافق مع مسارين متوازيين: أولاً، إطار واضح للعدالة الانتقالية يربط استرداد الأموال بجبر الضرر وكشف شبكات الفساد؛ وثانياً، مقاربة شاملة لإعادة دمج الكوادر الإدارية والأمنية من العهد السابق، تميز بين المتورطين في جرائم جسيمة ومن ظلوا ضمن حدود الوظيفة العامة. كما تشير الورقة إلى أن تأخر الدعم الدولي والعربي واستمرار الاستقطاب الداخلي، يشكلان عقبات كبرى أمام أي مسار انتقالي مستدام.
بناءً على تحليل التجارب العربية والدولية (العراق، لبنان، ليبيا، أوروبا الشرقية)، تقدم الورقة مجموعة من التوصيات العملية التي تهدف إلى تحقيق توازن بين ضرورة الاستقرار الاقتصادي ومتطلبات العدالة، وبين الحاجة إلى الخبرات المؤسسية وشرط المساءلة.
أولاً: مقدمة تحليلية: التسويات المالية في سياقها السياسي:
تتحرك مسارات التسويات المالية في سوريا اليوم ضمن مشهد معقد تتداخل فيه إعادة توزيع الثروة مع إعادة تشكيل مراكز القوة. فما تقدمه لجنة مكافحة الكسب غير المشروع ليس مجرد آلية قانونية لاسترداد الأصول، بل هو عملية سياسية – اقتصادية تهدف إلى إعادة ضبط علاقة الدولة برجال الأعمال ومصادر النفوذ التي تشكلت خلال أربعة عشر عاماً من الحرب والفساد المنهجي. غير أن هذا المسار يثير أسئلة جوهرية حول ما إذا كانت إعادة إدماج رجال المال من النظام السابق تمثل ضرورة لإنعاش الاقتصاد أم أنها إعادة إنتاج لنماذج الفساد التي أطالت أمد الحرب.
تتبنى هذه الورقة مقاربة تحليلية ترى أن الجدل الدائر حول التسويات لا يمكن فصله عن ثلاثة محاور كبرى: تأخر الدعم والاستثمار الدولي والعربي، واستمرار الاستقطاب الداخلي بين نخب النظامين القديم والجديد، والعلاقة الإشكالية بين التسويات ومتطلبات العدالة الانتقالية. وإلى جانب ذلك، تبرز حاجة موازية لا تقل إلحاحاً تتعلق بكيفية التعامل مع الكوادر الإدارية والأمنية الواسعة من العهد السابق، وهي قضية تختلف جوهرياً عن تسويات رجال المال ولكنها تتقاطع معها في الأسئلة ذاتها حول المساءلة والاستمرارية.
ثانياً: آلية التسويات المالية: منطق ثلاثي الأبعاد:
تعمل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع (بموجب القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025) وفق منطق ثلاثي الطبقات. تتعلق الطبقة الأولى بالإطار القانوني، الذي يقوم على الإفصاح الطوعي والتسوية المالية بنسبة إعادة 80% من الأصول للدولة مقابل احتفاظ صاحبها بنسبة 20%. أما الطبقة الثانية فهي اقتصادية، وتهدف إلى إعادة تدوير رأس المال داخل السوق بدلاً من تجميده أو إخراجه بالكامل، ما يمنع انهيار قطاعات كاملة ويعيد تشغيل مؤسسات توقفت بعد سقوط النظام. والطبقة الثالثة، وهي غير معلنة، تسعى إلى إعادة ضبط موازين القوة داخل الاقتصاد من دون تفجير صراع مفتوح مع الطبقة التي كانت تمسك بمفاصل الإنتاج والتمويل طوال السنوات الماضية.
تكشف حالات مثل محمد حمشو (الذي راكم ثروته عبر شبكة معقدة من الامتيازات السياسية من خلال أعمدة النظام السابق، وشغل مواقع كأمانة سر غرفة تجارة دمشق وعضوية مجلس الشعب)، وكذلك وسيم قطّان ونعيم الجراح، أن الدولة لا تتجه نحو الإقصاء الكامل بل نحو إعادة ضبط الشبكات القائمة ضمن قواعد جديدة. فحمشو، المدرج على قوائم العقوبات الأميركية والأوروبية، يجد نفسه اليوم أمام خيار التخلي عن جزء كبير من أصوله مقابل الحفاظ على القدرة على العمل داخل السوق السورية، وهو ما يحول التسوية إلى عقد إعادة إدماج اقتصادي أكثر منه عقوبة مالية.
ثالثاً: تأخر الدعم والاستثمار الدولي والعربي: ضرورة مقاربات جديدة:
تصطدم التسويات المالية بواقع مفاده أن الدعم والاستثمار الدولي والعربي لا يزالان متأخرين، وهو ما يفرض على الدولة السورية مقاربات جديدة في التعاطي مع أزمة البلاد. فالدولة الجديدة تجد نفسها أمام معادلة صعبة: فهي بحاجة ماسة إلى السيولة، والخبرات الإدارية، واقتصاد الذاكرة، والأسواق الموازية التي كانت قائمة. في هذا السياق، تظهر التسويات كمدخل سريع لتوفير سيولة وإعادة إدخال أموال معطلة إلى الدورة الاقتصادية.
لكن الثمن المحتمل قد يكون باهظاً، لأن إعادة إدخال هذه الشخصيات لا تعني فقط استعادة الأموال، بل تعني أيضاً استعادة جزء من البنية التي أنتجت هذه الأموال، أي البنية القائمة على الدعم الأمني والقضائي والسياسي من نظام الأسد. فإذا كان النموذج الروسي عام 2018 اعتمد على إدماج قادة الفصائل المعارضة داخل بنية الدولة العسكرية عبر تسويات أمنية، فإن التسويات المالية اليوم تحاول إدماج رجال الأعمال عبر السوق بدلاً من السلاح. غير أن السؤال المفتوح يبقى: هل يمكن تحقيق هذا الإدماج من دون أن يتحول المال المسترد إلى أداة لإعادة تمكين سياسي واجتماعي؟
رابعاً: استمرار الاستقطاب الداخلي:
فتح هذا النسق من التعامل مع رموز النظام السابق الباب أمام احتجاجات شعبية مثل “اعتصام الكرامة” في دمشق، الذي جاء رفضاً لإعادة تدوير هذه الرموز مع تجاهل الرأي العام المحلي. يرى المحتجون في هذه التسويات تغولاً واضحاً لهؤلاء في السوق السورية، وتمتعهم بتسهيلات للعودة والاستئثار بالمنتج المحلي تحت غطاءات قانونية، متناسين أنهم دعموا نظام الأسد طيلة أربعة عشر عاماً.
هذا الاستقطاب يضعف الثقة في مسار المرحلة الانتقالية برمتها، ويخلق فجوة عميقة بين النخب التي تتفاوض على تقاسم الثروة والسلطة وبين مجتمع يرى في هذه العمليات صفقات سياسية أكثر منها إجراءات قانونية. وعندما تبقى هذه العمليات محصورة ضمن إطار تقني مغلق، فإنها تتحول في الوعي العام إلى تغول جديد للطبقة القديمة تحت عباءة جديدة، مما قد يقوض أي محاولة لبناء دولة قائمة على أسس مختلفة.
خامساً: إعادة دمج الكوادر الإدارية والأمنية: مسار موازٍ لا يقل إلحاحاً:
إلى جانب التسويات المالية، تبرز حاجة لا تقل أهمية تتمثل في تبنّي مقاربة شاملة لإعادة دمج الكوادر الإدارية والأمنية للدولة من العهد السابق ضمن إطار وطني منضبط. فإعادة بناء الدولة لا يمكن أن تقوم على منطق الإقصاء الجماعي أو الانتقام، بل على التمييز الدقيق بين ثلاث فئات: المتورطين في جرائم وانتهاكات جسيمة، والمتواطئين مع الفساد أو الانتهاكات دون مشاركة مباشرة، والموظفين الذين أدوا واجباتهم ضمن حدود القانون.
إن استبعاد الكتلة الواسعة من الخبرات المؤسسية (الموظفون العموميون، المهندسون، الأطباء، المعلمون، والكوادر الأمنية الوسطى) يهدد بإفراغ الدولة من قدراتها التشغيلية ويبقيها رهينة الهشاشة. وفي المقابل، فإن إدماجها المشروط – عبر آليات تدقيق ومساءلة قانونية عادلة – يتيح استعادة الحد الأدنى من الاستمرارية المؤسسية وتسريع التعافي.
هذا المسار يختلف جوهرياً عن تسويات رجال المال، لأنه لا يتعامل مع أصول قابلة للاسترداد، بل مع كفاءات بشرية ومعرفة تراكمية قد تستغرق سنوات لبنائها من الصفر. كما أن خطر إعادة إنتاج النفوذ هنا ليس خطراً مالياً بحتاً، بل خطر تفريغ الدولة من الكفاءات أو إعادة تمكين الجناة تحت غطاء الخبرة، وهو ما يتطلب معايير تدقيق مختلفة وأكثر تعقيداً.
سادساً: العدالة الانتقالية والمصالحة: جوهر التعارض وشروط الرفع:
في الحالة السورية، لا تتعلق المسألة فقط بمن يملك المال، وإنما بمن كان جزءاً من منظومة القوة التي أنتجت هذا المال وأدارته، وكيفية التعامل مع ذلك دون تقويض أسس العدالة. تتعمق الإشكالية حين ندرك أن الشخصيات المعنية ليست مجرد مخالفين ماليين منفصلين عن السياق السياسي، بل هم جزء من شبكات اقتصادية كانت تشغل النظام نفسه وساهمت في تمويله وتثبيت بنيته خلال الحرب.
جوهر التعارض بين التسويات المالية والعدالة الانتقالية هو أن الأولى تسأل “كم يمكن استعادته من الأموال وبأي سرعة؟”، بينما الثانية تسأل “كيف ولماذا حدثت الانتهاكات ومن المسؤول عنها؟”. كما أن العدالة الانتقالية تقوم على الاعتراف بالضرر وإشراك الضحايا في مسار الإنصاف، بينما لا تمنح التسويات المالية دوراً مباشراً لهم.
لكن هذا التعارض ليس حتمياً. يمكن تحويل التسويات إلى أداة داعمة للعدالة الانتقالية إذا جرى ربطها بشروط واضحة: الإفصاح الكامل عن مصادر الثروة، والمساهمة في كشف شبكات الفساد، وتقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي، وتخصيص جزء من الأموال المستردة لصناديق تعويض الضحايا، وربط التسوية بعدم التورط في جرائم جسيمة. في هذه الحالة، يتحول المال من بديل عن العدالة إلى مدخل لها.
سابعاً: الدروس المستفادة من التجارب العربية والدولية:
– التجربة العراقية (بعد 2003): شكل سياسة اجتثاث البعث الشاملة نموذجاً للإقصاء الكامل الذي أدى إلى فراغ أمني وإداري هائل، مما اضطر السلطة الجديدة إلى إعادة توظيف آلاف من كوادر النظام السابق، ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن كان الضرر قد وقع. الدرس المستفاد هو أن الإقصاء التام قد يكون كارثياً، ولكن إعادة الإدماج المتأخرة دون معايير واضحة تحمل مخاطرها أيضاً.
– التجربة اللبنانية (منذ 1990): تمثل نموذجاً تحذيرياً حيث تحولت التسويات مع أمراء الحرب ورجال الأعمال إلى نظام محاصصة طائفية مزمنة. أدى ذلك إلى نهب الدولة وانهيارها اقتصادياً عام 2019، حيث أصبحت مؤسسات الدولة أداة لخدمة الأوليغارشية بدلاً من التنمية.
– التجربة الليبية (بعد 2011): ركز المجتمع الدولي على إشراك جميع النخب القوية في الحكم دون معايير واضحة للمساءلة، مما أدى إلى استيلاء هذه النخب على مؤسسات الدولة وتحويلها إلى غنائم حرب بدلاً من أدوات للتنمية. النتيجة كانت انقسام البلاد إلى حكومتين متناحرتين.
– تجارب أوروبا الشرقية (التسعينيات): في بعض دول الكتلة السوفيتية السابقة، تحولت برامج الخصخصة إلى إعادة توزيع ثروة الدولة على مسؤولي النظام السابق بأسعار رمزية، مقابل دعمهم السياسي للتحول الديمقراطي، مما خلق طبقة أوليغارشية جديدة احتكرت الاقتصاد لعقود.
الخلاصة المقارنة: تشير هذه التجارب إلى أن التسويات مع رموز الفساد والكوادر السابقة قد تنجح في تحقيق استقرار اقتصادي قصير الأمد، لكنها تفشل في بناء دولة قانون إذا لم تترافق مع آليات عدالة انتقالية شفافة وجامعة.
خلاصات:
أولاً: التسويات المالية الجارية في سوريا تمثل محاولة لإدارة منطقة رمادية بين القطيعة والاستمرار، حيث لا يحدث تفكيك كامل للماضي ولا قبول كامل به، بل إعادة تشكيل تدريجية له ضمن إطار جديد.
ثانياً: نجاح هذه التسويات لن يُقاس فقط بحجم الأموال المستردة، بل بقدرة الدولة على منع هذه الأموال من التحول مجدداً إلى نفوذ سياسي واجتماعي يعيد إنتاج البنية القديمة داخل شكل جديد. التحدي الحقيقي هو تغيير الشروط التي جعلت تراكم هذه الأموال ممكناً أصلاً.
ثالثاً: لا يمكن فصل ملف التسويات المالية عن ملف إعادة دمج الكوادر الإدارية والأمنية، وإن كان لكل منهما منطق مختلف. فالأول يتعامل مع أصول قابلة للاسترداد، والثاني يتعامل مع خبرات بشرية لا يمكن استبدالها بسرعة.
رابعاً: التعارض بين التسويات والعدالة الانتقالية ليس حتمياً، بل مشروط بغياب الشروط الواضحة للشفافية والإفصاح وجبر الضرر. وجود هذه الشروط يمكن أن يحول المال من بديل عن العدالة إلى مدخل لها.
خامساً: التجارب العربية والدولية (العراق، لبنان، ليبيا، أوروبا الشرقية) تؤكد أن الإقصاء الكامل يؤدي إلى انهيار مؤسسي، وأن التسويات غير الشفافة تؤدي إلى إعادة إنتاج الفساد، وأن النجاح الحقيقي يتطلب توازناً دقيقاً بين الاستقرار والعدالة
التوصياتّ:
أ. توصيات خاصة بالتسويات المالية:
1.الإفصاح الكامل والشفاف: إتاحة معايير تقييم الأصول ونسب الاسترداد وآليات تنفيذ التسويات للرقابة العامة المستقلة، ونشر تقارير دورية عن حجم الأموال المستردة ومصادرها.
2. ربط التسوية بالكشف: جعل أي تسوية مالية مشروطة بالمساهمة الفعلية في كشف شبكات الفساد والمسؤولين الحقيقيين عن نهب المال العام، بحيث لا تصبح التسوية مجرد بطاقة خروج آمنة.
3. تخصيص عوائد للضحايا: تخصيص نسبة واضحة (مثلاً 25%) من الأموال المستردة لصناديق تعويض الضحايا وذويهم، مع تحديد أولويات الإنفاق التنموي في المناطق الأكثر تضرراً.
4. استبعاد مرتكبي الجرائم الجسيمة: حرمان أي شخص ثبت تورطه في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية من الاستفادة من أي تسوية مالية، بغض النظر عن حجم الأصول التي يقدمها.
ب. توصيات خاصة بإعادة دمج الكوادر الإدارية والأمنية:
5. إنشاء هيئة مستقلة للتدقيق الوظيفي: تتولى التمييز بين الفئات الثلاث (المتورط في جرائم جسيمة، المتواطئ، والموظف العادي)، على أن تكون قراراتها قابلة للطعن أمام جهة قضائية مستقلة.
6. عدم الخلط بين المسارين: الفصل بين ملف التسويات المالية وملف إدماج الكوادر البشرية في المؤسسات المعنية، لأن لكل منهما منطقاً ومعايير وأهدافاً مختلفة.
7. إطلاق برامج وطنية للمصالحة الوظيفية: تشمل حواراً مجتمعياً حول شروط العودة إلى الوظيفة العامة، وبرامج تدريب وتأهيل على قيم الدولة الجديدة ومعايير الحوكمة الرشيدة.
8. آليات رقابية داخلية وخارجية: ضمان عدم استخدام إعادة دمج الكوادر كغطاء لإعادة تمكين شخصيات مرتبطة بجرائم، عبر وضع آليات رقابية صارمة على التوظيف في المؤسسات الحساسة (الأمن، الدفاع، القضاء، المالية).
ج. توصيات عامة:
9. إطار وطني للعدالة الانتقالية: وضع إطار متكامل للعدالة الانتقالية يحدد العلاقة بين التسويات المالية وإعادة دمج الكوادر وآليات جبر الضرر والمحاسبة، بحيث تكون هذه الأدوات مكملة وليست بديلة عن بعضها.
10. حوار وطني شامل: إطلاق حوار وطني موسع حول شروط المرحلة الانتقالية يشمل النخب السياسية والاقتصادية وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا، لإنتاج توافق حول المعايير التي تحكم التسويات وإعادة الإدماج، وبما يعزز الشرعية الاجتماعية لأي مسار يتم اعتماده.