تقييمات غربية: آفاق السلام الروسي–الأوكراني وتداعياته على الأمن الأوروبي والدولي
متابعات حمزة علي، مركز تقدّم للدراسات
تقديم: تدخل الحرب الروسية–الأوكرانية مرحلة حسّاسة بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها. فبينما تكثّف واشنطن وموسكو جهودهما لإيجاد إطار أولي للتفاهم، تبقى مواقف الأطراف متباعدة، ويظل المجتمع الدولي أمام لحظة قد تحدد شكل النظام الأمني الأوروبي لعقود قادمة.
الرئيس فلاديمير بوتين صرّح بأن الصيغة المطروحة بين الولايات المتحدة وكييف يمكن أن تشكّل أساساً لاتفاق مستقبلي، لكنه شدّد في المقابل على أن غياب حل مقبول سيقود روسيا لمواصلة الحرب. هذا الموقف جاء في أعقاب تسريب وثيقة أميركية من 28 بنداً أثارت غضباً أوكرانياً وأوروبياً لما تضمنته من تنازلات كبيرة لروسيا، أبرزها: تثبيت خطوط التماس الحالية، وبقاء نحو خُمس الأراضي الأوكرانية تحت السيطرة الروسية، وتخفيض حجم الجيش الأوكراني، وحرمانه من الانضمام للناتو.
وفي حين أعلنت واشنطن وكييف عن “نسخة مصححة” من إطار السلام، أكدت موسكو أن ما جرى لا يتعدى قائمة قضايا قيد النقاش. وتتسارع الحركة الدبلوماسية مع زيارة مرتقبة للمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى موسكو للقاء الرئيس بوتين، وسط شعور غربي متزايد بأن اللحظة الحالية قد تحدد مستقبل أوروبا، وربما مستقبل الردع الدولي ذاته.
– المزاج الغربي – بين القلق واللايقين:
تشير التقييمات الغربية إلى أن الطرفين لا يزالان بعيدين عن التفاهم، وأن الخلافات تتعلق بقضايا جوهرية، لا تقنية:
• اعتبرت CNN أن الخلافات “وجودية” وتمسّ مستقبل الدولة الأوكرانية والنظام الدولي.
• رأت Washington Post أن بوتين قد يراهن على إرهاق واشنطن واستنزاف الإرادة الأوروبية إلى حين تخفيف الضغط على موسكو.
• حذّر خبراء ألمان نقلت عنهم Wall Street Journal من أن روسيا قد تختبر الناتو عسكرياً قبل عام 2029، استناداً إلى مؤشرات عملياتية تشمل التجسس، والتخريب، وانتهاكات المجال الجوي الأوروبي.
هذا المشهد يعكس مزاجاً غربياً يميل إلى الاعتقاد بأن المرحلة القادمة قد تكون حاسمة في توازن القوى العالمي.
– التحولات الأوروبية العميقة – نحو نموذج تعبئة جديد:
لم تعد الحرب في أوكرانيا مجرد مشكلة حدودية بالنسبة لأوروبا، بل أصبحت اختباراً شاملاً لقدرتها الدفاعية. فمع استمرار الحرب، بدأ عدد من الدول الأوروبية مراجعة أسس بنيتها العسكرية، بما في ذلك العودة التدريجية إلى نماذج التجنيد العسكري الطوعي أو الإلزامي بعد عقود من إلغائه.
١. عودة التجنيد – استعداد مبكر لمواجهة محتملة مع روسيا:
تشير تقارير موثوقة في Le Monde، Financial Times، The Guardian، IPS Journal إلى أن جملة من الدول الأوروبية اتخذت بالفعل خطوات لإعادة بناء احتياط عسكري واسع تحسباً لاحتمال اتساع الصراع:
• فرنسا أعلنت في نوفمبر 2025 خدمة عسكرية تطوعية لمدة عشرة أشهر، كجزء من “جيش احتياطي” قادر على التعبئة السريعة. وقد ربط الرئيس ماكرون القرار مباشرة بـ”التهديد الروسي المتزايد”.
• ألمانيا أعادت فتح باب التجنيد الطوعي مع تقييم إلزامي للشباب، تمهيداً لعودة محتملة للتجنيد الإجباري إذا لم تُسدّ فجوات القوى البشرية.
• السويد، لاتفيا، ليتوانيا، إستونيا أعادت التجنيد الإجباري بين 2017–2024 نتيجة مخاوف مباشرة من توسع النفوذ الروسي.
• سويسرا حافظت على نموذج خدمة إلزامية يوفّر احتياطاً من الأكبر والأكثر جهوزية في أوروبا.
تجمع الدراسات الدفاعية الأوروبية على أن الجيوش المحترفة، رغم كفاءتها التقنية، غير قادرة وحدها على خوض حرب طويلة الأمد مثل أوكرانيا، وأن بناء احتياط واسع مدرّب يمثل شرط الردع الحقيقي.
وتعزز هذه المقاربة تقديرات ألمانية نشرتها Wall Street Journal تفيد بأن روسيا قد تمتلك القدرة على مواجهة الناتو بحلول 2029. وبذلك يصبح التجنيد الأوروبي خطوة وقائية استراتيجية، لا مجرد إجراء داخلي.
– الانقسامات المحتملة داخل أوروبا بعد الحرب
أشارت The Economist إلى أن “انتهاء الحرب قد يطلق موجة من الانقسامات داخل أوروبا”. فالدول الشرقية – خاصة دول البلطيق وبولندا وفنلندا – تخشى أن تمنح أي هدنة روسيا فرصة لإعادة بناء قواتها استعداداً لجولة جديدة. بينما تميل دول أوروبا الغربية إلى استعادة العلاقات الاقتصادية والسياسية الطبيعية مع موسكو، وهو ما قد يخلق فجوة استراتيجية خطيرة.
أما Washington Post فوصفت المفاوضات بأنها “محادثات ستحدد مستقبل أوروبا”، في ظل صراع داخلي داخل الاتحاد الأوروبي حول تمويل أوكرانيا، وعجز واضح عن صياغة رؤية أمنية موحدة.
– لحظة تقرير مصير:
على الرغم من الجهود الدبلوماسية الكثيفة، فإن الأسئلة الكبرى تبقى بلا إجابة:
• ما الذي ستقبل به روسيا فعلياً؟
• ما الذي تستطيع أوكرانيا التنازل عنه دون تهديد وجودها؟
• وما حدود ما يمكن للولايات المتحدة فرضه أو ضمانه؟
هذه ليست خلافات تقنية، بل خيارات وجودية تتعلق بحدود دولة، ومستقبل أوروبا، وتوازن القوة العالمي.
ويحذّر الخبراء الأوروبيون من أن:
• أي سلام غير متوازن قد يفتح الباب لحرب أوروبية أوسع؛
• أي اتفاق لا يضمن أمن أوكرانيا سيقوّض وحدة الاتحاد الأوروبي؛
• أي ترتيب لا يحافظ على الردع الغربي سيشجع موسكو على اختبار حدود الناتو.
وبذلك، يصبح باهظ الكلفة سياسياً وأمنياً الوصول إلى اتفاق هش، لا يعالج جذور الأزمة.
الخلاصة العامة:
إن لحظة التفاوض الحالية لا تحدد فقط مستقبل الحرب في أوكرانيا، بل ترسم معالم أوروبا القادمة، وشكل النظام الدولي لعقود. فكل بند في إطار السلام المطروح يحمل تداعيات تتجاوز الجغرافيا الأوكرانية ليطال منظومة الردع الأوروبية، والعلاقة مع واشنطن، ومسار التنافس الجيوسياسي العالمي.