تفكيك الإشاعة بدل تفكيك الدولة:
استراتيجية لمواجهة التضليل في سورية ما بعد الأسد.
وحدة الدراسات السياسية: مركز تقدم للسياسات
تقديم: بعد عام على إسقاط نظام بشار الأسد، تبدو سوريا وكأنها تتحرك في منطقة رمادية بين الوعد والالتباس. فالدولة الوليدة تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها وترميم الثقة العامة، فيما تتسع، على الهامش ذاته، مساحات الإشاعة والتضليل، غالبًا من خارج الحدود، لكنها تجد في الداخل بيئة قابلة للاشتعال. ليست الإشاعة انعكاسًا لحقائق ثابتة بقدر ما هي استثمار بارع في هشاشة اللحظة الانتقالية: فراغ مؤسسي نسبي، توقعات مرتفعة من الدولة الجديدة، وإرهاق اجتماعي ممتد.
الانتقال في المعطيات المقارنة:
تتجلى بصورة ملموسة، أطروحات الاجتماع السياسي الخاص بالمراحل الانتقالية، حول هشاشة الانتقالات السياسية، حين تصبح الساحة العامة مفتوحة أمام فاعلين غير رسميين قادرين على تشكيل المزاج العام بوسائل لا تمر عبر المؤسسات.
تجارب أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية تذكّر بأن السنة الأولى بعد سقوط النظام هي الأكثر عرضة للاختراق الإعلامي والسياسي. في الحالة السورية، يظل الإرث الثقيل للاستبداد حاضرًا: مؤسسات منهكة، عقد اجتماعي متآكل، وشعور متراكم بالريبة تجاه كل سلطة. لذلك، حين تنتشر إشاعة، عن انهيار العملة مثلا، أو صراع داخل أجنحة السلطة الانتقالية، أو عودة وشيكة للفوضى، فإنها لا تنتشر بسبب براعتها الفنية فقط، بل لأنها تلامس خوفًا غائرًا. حدث مشابه شهدته بعض المدن السورية عند تداول أخبار غير مؤكدة حول “رفع شامل للدعم”، فاندفع الناس لتخزين المواد الأساسية، ما أدّى إلى خلق أزمة من عدم، على غرار ما وقع في رومانيا وبولندا خلال سنوات الانتقال الأولى.
يتضاعف التعقيد بفعل المشهد الإعلامي السوري: منصّات غير مهنية، حسابات مجهولة، قنوات معارضة متنافسة، وجمهور يفضّل السرعة على الدقة. إذ لا يزال الإرث الثقيل للاستبداد ماثلاً: مؤسسات منهكة، عقد اجتماعي متآكل، وشعور متراكم بالريبة تجاه النظام.
الإشاعة، وفق أدبيات السوسيولوجيا السياسية، لا تعمل كحادث عرضي؛ إنها أداة سياسية بديلة لمن لا يمتلك مشروعًا واضحًا أو قدرة على التأثير المؤسسي. هي وسيلة لتعطيل المسار الانتقالي عبر إعادة إنتاج شعور الفوضى، بما يجعل الدولة الجديدة تبدو أقل شرعية من النظام الساقط. فالشرعية في المرحلة الانتقالية تُبنى بإنجازات صغيرة متراكمة وبشعور يومي بأن الأمور، تتحسن ولو ببطء.
اجتماعيًا، يمكن رصد مؤشرات حساسة: إنهاك طويل من الحرب، توقّعات مفرطة بأن الدولة قادرة على إصلاح كل شيء فورًا، وحساسية عالية للأخبار السلبية. هنا يستعاد تحليل غوستاف لوبون لسيكولوجيا الجماهير: حين تتآكل الثقة، يغدو الخبر غير المثبت أقوى من الحقيقة، لأن وظيفته الأساسية هي تفريغ القلق. وقد ظهر ذلك في موجات متفرقة من الهلع عند كل أزمة وقود أو كهرباء، حيث تكفي جملة عابرة عن “انهيار شامل” لخلق طوابير، واحتكاكات اجتماعية، ثم تبادل اتهامات بين الناس والدولة.
مواجهة الاشاعة بين الرأي والتجاهل:
ينقسم الرأي في سوريا حول مواجهة الاشاعات والاكاذيب التي تتناول الوضع الداخلي في البلاد، وهناك من استعاد ترسانة الأدوات القديمة بما فيها أساليب النظام البائد، فتح قنوات الردح والتخوين والتشكيك في أصحاب منابر الاشاعة او الراي المخالف، وهناك من دعا الى التجاهل. يمكن القول ان كلا الرأيين يحتاج الى مراجعة وتدقيق، إذ لا يكفي استدعاء خطاب “تجاهلوا الإشاعة”. فالتجاهل يُسكّن الضجيج مؤقتًا لكنه يترك فراغًا خطابيا يُملأ لاحقًا بمزيد من التضليل. الخبرات المقارنة من تونس إلى البوسنة، تشير إلى أن السياسات الأكثر فاعلية تقوم على الجمع بين الشفافية والمشاركة. حين تُعلَن الأرقام، وتُشرح القرارات قبل صدورها، وتُفتح قنوات مساءلة واضحة، يتراجع أثر الأخبار الملفقة. في إحدى البلديات السورية، أدى إطلاق منصة لنشر عقود الخدمات وموازناتها إلى تراجع ملحوظ في الاتهامات غير المثبتة بالفساد، على نحو مشابه لما قامت به بلديات في تشيلي خلال مرحلة الانتقال.
لكن مواجهة الإشاعة ليست معركة إعلامية يخوضها المتحمسون فحسب؛ إنها معركة بناء مجتمع. فتح مساحات التطوع المنظم، في الأحياء والمدارس والجامعات، لا يقدّم خدمات فقط، بل يخلق معنى للشراكة. حين يشعر المواطن أنه شريك في إعادة البناء، يصبح أقل قابلية للتلاعب. فالمشاركة المدنية المنظمة تقلّل هشاشة المجتمعات أمام التضليل، لأنها تنقل الفرد من موقع المتفرّج القَلِق إلى موقع الفاعل المسؤول. وفي سوريا اليوم، يمكن لمبادرات بسيطة، كترميم المدارس أو دعم الأنشطة الثقافية المحلية، أن تتحول إلى آليات مقاومة غير مباشرة للإشاعة.
رصد وتحليل وليس ملاحقة:
في هذا الإطار، تبرز ضرورة إنشاء وحدات مهنية لرصد الإشاعة وتحليلها: ليس بغرض الملاحقة والتجريم، بل للفهم. ما الذي يجعل رواية ما قابلة للانتشار؟ أين تتعثر قنوات التواصل الرسمي؟ وكيف يمكن الرد بذكاء وبأقل تهويل؟ إطار “ثقافة الإعلام والمعلومات” الذي تقترحه اليونسكو يوضح أن مقاومة التضليل عملية بناء مهارات: التحقق، المقارنة، وفهم وتحليل السياق، وهي مهارات يمكن إدماجها في مناهج الاعلام وبرامج الجامعات، كما فعلت جنوب إفريقيا بعد نهاية الفصل العنصري.
الخلاصة:
** الخلاصة أن سوريا، في لحظتها الانتقالية الراهنة، لا تحتاج فقط إلى ضبط الإشاعات القادمة من الخارج، بل إلى بناء مناعة داخلية عنوانها الأول: إعلام حكومي شفاف، صادق، وبطيء بقدر ما يلزم ليكون دقيقًا. فالشرعية لا تُصنع بالتصريحات المرتفعة الصوت والنبرة، ولا بالوعود البراقة واللامحدودة، بل بالوضوح، وحين تُنشر الأرقام وتُفسَّر القرارات وتُعترف الأخطاء بلا تبرير، يتراجع مجال المناورة أمام الإشاعة، لأن الحقيقة نفسها تغدو متاحة ومفهومة.
** لا يقل خطورة في هذا السياق بعض الأصوات المحسوبة على “المعسكر المؤيِّد” للنظام الجديد، التي تمارس التحريض أو المبالغة في الإنجازات أو نشر الأخبار غير المؤكدة بدعوى “رفع المعنويات”. هذا النمط من الخطاب، حتى لو بدا مواليًا بحسن نية او بانتهازية صريحة، يُضعف الثقة على المدى المتوسط: فحين يكتشف الناس الفجوة بين الخطاب والواقع، يتآكل رصيد المصداقية، وتصبح أي رسالة رسمية موضع شك. المعالجة هنا لا تكون بالقمع والتشكيك والتخوين، بل بوضع معايير مهنية واضحة، وتشجيع لغة مسؤولة تُفرّق بين التحليل والرأي والمعلومة المؤكدة.
** النجاح في هذه المعركة لا يتجسد في “انتصار إعلامي” سريع، بل في بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع: علاقة تقوم على الصراحة، والاعتراف المتبادل بالحدود والقدرات، وتقديم إنجازات صغيرة متراكمة بدل الروايات الكبرى. عندئذ فقط، تصبح الإشاعة أقل قدرة على العيش، لأن جمهورها يمتلك مصدرًا موثوقًا بديلاً، ولأن خطاب الدولة نفسه يتحول من أداة تعبئة ظرفية إلى عقد ثقة يومي يتجدد بالشفافية والإنجاز المتدرّج.
** سوريا الجديدة ، في لحظتها الانتقالية، لا تحتاج إلى موجة احتجاج جديدة بقدر ما تحتاج إلى تحصين منجز التحرر من الفوضى الإدراكية. تنجح المراحل الانتقالية حين يتحول الوعي إلى فعل، والمشاركة إلى مسؤولية، والثقة إلى عملية بناء يومية.
**معركة الإشاعة ليست معركة على المعلومة وحدها؛ إنها معركة على معنى الدولة نفسها: هل هي كيان هش ينتظر السقوط، أم مشروع طويل يتقدم بالصبر، والنزاهة، والقدرة على الإصغاء.