تصاعد الصراع الداخلي في إثيوبيا ومخاطر التحول إلى مواجهة إقليمية
وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم:
دخل الشمال الإثيوبي صباح 23 سبتمبر 2026 مرحلة قتال مفتوح بين قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والقوات الفيدرالية، في أخطر تصعيد منذ توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022. ولا تكمن خطورة هذه الجولة في اتساع رقعتها الجغرافية إلى إقليمي عفار وأمهرة فحسب، بل في توقيتها أيضاً؛ إذ جاءت بعد ثلاثة أيام من إعلان تحالف مسلح من سبع جماعات يهدف صراحة إلى إسقاط حكومة آبي أحمد. وهذا يعني أن النزاع لم يعد خلافاً على إدارة إقليم، بل صار جزءاً من مواجهة على شكل الدولة الإثيوبية ذاتها.
المعطيات:
قال غيتاتشو رضا، مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأفريقية، إن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي شنّت في فجر 23 سبتمبر هجوماً شاملا على مواقع حكومية في إقليمي عفار وأمهرة، وتمكنت من السيطرة على مطارات كانت تحت السيطرة الفيدرالية في إقليم تيغراي، مما أدى إلى تعليق الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى ميغيلي وأكسوم وشيري. وفي المقابل، وصفت سلطات تيغراي تحركها بأنه دفاعي، وقالت إنه جاء رداً على قصف فيدرالي بالطائرات والمسيرات والمدفعية في اليوم السابق.
وفي تفاصيل المواجهات، سيطرت قوات الجبهة على مطاري ميغيلي وشاير، مع تقارير عن السيطرة أيضاً على مطار أكسوم. وفي إقليم عفار، أكدت مصادر إنسانية وأمنية وقوع اشتباكات في أبالا وإريبتي، بينما ذكرت مصادر حكومية ودبلوماسية أن قوات تيغراي تقاتل في إقليم أمهرة إلى جانب عناصر من “فانو” الامهرية. وقد أعلنت قيادة الدفاع الوطني الإثيوبي في 24 سبتمبر مقتل 272 من مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإصابة 260 آخرين خلال ما وصفته بهجوم فاشل على إقليم أمهرة.
وكان “تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء” قد أُعلن في 20 سبتمبر، أي قبل ثلاثة أيام من اندلاع القتال. ويضم التحالف الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، والحركة الوطنية لفانو في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب أربع جماعات أصغر من أوغادين وعفار وبني شنقول-قمز وغوموز. وتمتد رقعة هذه الجماعات مجتمعة على ستة من الأقاليم الإثيوبية الاثني عشر، وهدفها المعلن إسقاط الحكومة الفيدرالية وتشكيل إدارة انتقالية.
اتخذ رد أديس أبابا مسارين متوازيين. الأول تحميل الجبهة مسؤولية بدء الهجوم، مع رد عسكري محدود على بعض الجبهات. والثاني تجنب الإعلان الرسمي عن العودة إلى حرب شاملة، مع التأكيد على أن خيار الحوار ما زال قائماً. المتحدثة باسم رئيس الوزراء بيلين سيوم، اتهمت إريتريا بدعم التحالف الجديد مالياً، وهو اتهام نفته أسمرا مراراً.
التحليل:
كانت جبهة تيغراي تفرض، قبل 23 سبتمبر، سيطرة إدارية وعسكرية واسعة على معظم الإقليم. ولذلك لا تمثل السيطرة على المطارات تحولاً ميدانياً واسعاً بقدر ما تمثل انتزاعاً لما تبقى من مظاهر الحضور السيادي. فقد كانت هذه المنشآت تمثل آخر نقاط الارتباط المباشر بين الحكومة المركزية ومدن الإقليم، وانتزاعها يكرس واقعاً تصبح فيه الجبهة صاحبة اليد العليا داخل معظم تيغراي، فيما تبقى مناطق غرب الإقليم خارج قبضتها وموضع نزاع مفتوح.
وتكمن أهمية التحالف الجديد في قدرته المحتملة على توسيع نطاق الضغط على الحكومة الفيدرالية أكثر مما تكمن في القوة الذاتية لكل مكوّن منه. فالتنسيق بين قوى تنشط في أقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفار وبني شنقول-قمز يمكن، إذا تطور إلى تنسيق عملياتي فعلي، أن يضع الجيش الفيدرالي أمام معضلة توزيع القوات والموارد على جبهات متباعدة، بدلاً من تركيزها في مسرح عمليات واحد.
لكن هذا التحالف يظل، في جوهره، إطاراً تنسيقياً ضد حكومة آبي أحمد أكثر منه كتلة سياسية أو عسكرية متجانسة. فهو لم يحل الخلافات بين مكوناته بقدر ما أجلها. ويأتي في مقدمة هذه الخلافات النزاع على غرب تيغراي، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين تيغراي وأمهرة، إلى جانب التباين في تصوراتهم لشكل الدولة ومستقبل النظام السياسي. وقد قاتلت “فانو” إلى جانب الجيش الفيدرالي ضد الجبهة في حرب 2020–2022، قبل أن تنقلب على أديس أبابا منذ 2023، بينما يخوض جيش تحرير أورومو تمرداً في أوروميا منذ 2018. وتضاف إلى هذه التناقضات عوائق عملية تتعلق بتباعد مسارح العمليات، وعدم تكافؤ قدرات الفصائل، وصعوبة إنشاء قيادة موحدة. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للتحالف ستُختبر في قدرته على الانتقال من التنسيق السياسي إلى العمل العسكري المتزامن.
ويبدو حصر رد فعل الحكومة الفيدرالية حتى الآن ضمن نطاق محسوب، مع الإبقاء على خطاب الحوار، خياراً تكتيكياً أكثر منه مؤشراً على تراجع سياسي أو عسكري. فأديس أبابا تسعى إلى تثبيت رواية مفادها أن جبهة تيغراي هي الطرف الذي خرق التهدئة وبدأ التصعيد، وهو تأطير قد يمنحها مساحة أوسع للتحرك لاحقاً إذا قررت إطلاق عملية عسكرية كبيرة، مع تقليل كلفتها الدبلوماسية أمام الشركاء الدوليين والاتحاد الأفريقي.
في السياق نفسه، فإن ربط الحكومة بين التصعيد الداخلي وبين إريتريا والتحالف الجديد يهدف إلى إعادة تعريف المواجهة باعتبارها تهديداً أوسع لوحدة الدولة واستقرارها، وليس مجرد نزاع داخلي بين المركز وإقليم متمرد. وهذا التأطير قد يكتسب أهمية متزايدة إذا انتقلت العمليات العسكرية من نطاقها الحالي إلى مواجهة أكثر اتساعاً.
وتزداد احتمالات تدويل الصراع، بما يجعل الحدود الشمالية والغربية لتيغراي أكثر المناطق قابلية لأن تتحول إلى ساحات تداخل بين الصراع الداخلي والتنافس الإقليمي. وأي انخراط إريتري مباشر في القتال سيغير طبيعة الأزمة جذرياً، من مواجهة داخلية بين الحكومة وقوى مسلحة إلى صراع ذي بعد دولي، في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب تتقاطع فيها الحرب في السودان، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، والتوترات الممتدة في البحر الأحمر.
المسارات المرجحة:
على المدى القريب، يُرجح أن تنتقل الحكومة الفيدرالية من الرد المحدود إلى محاولة استعادة المطارات والمواقع التي فقدتها، بالاعتماد على تفوقها الجوي والناري. وفي المقابل، قد تسعى جبهة تيغراي وحلفاؤها إلى تجنب المواجهة المركزية المباشرة، وتشتيت القوات الحكومية عبر فتح جبهات طرفية في إقليمي عفار وأمهرة.
أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في نجاح بقية مكونات التحالف في فتح جبهات متزامنة في أوروميا وأقاليم أخرى، بما يحوّل الصراع إلى حرب متعددة الجبهات على مستوى البلاد، وهو سيناريو يبقى مرهوناً بقدرة التحالف على تجاوز خلافاته الداخلية.
الخلاصة:
– ما جرى في 23 سبتمبر ليس خرقاً عابراً لاتفاق بريتوريا، بل إعلاناً عملياً عن انتهائه. ويمثل هذا التصعيد تحولاً نوعياً في الصراع الإثيوبي، إذ تجاوز حدود التنافس على السلطة داخل تيغراي إلى مواجهة أوسع تستهدف موازين الحكم على المستوى الفيدرالي.
– يستمد التحالف المناهض لآبي أحمد أهميته من قدرته على تشتيت القوات الحكومية عبر جبهات متعددة، لكنه يظل هشاً بسبب تناقضات داخلية مؤجلة. وتسعى الحكومة الفيدرالية إلى تثبيت رواية سياسية تبرر أي تصعيد لاحق، مع التعويل على تفوقها الجوي والعسكري لاستعادة المواقع التي فقدتها.
– يبقى العاملان الإريتري والسوداني من أخطر المتغيرات، إذ قد ينقلان الصراع من مواجهة داخلية متجددة إلى أزمة إقليمية مفتوحة.