تركيا والحرب على إيران: من يملأ فراغاً إيرانياً محتملاً؟
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
تقديم: تعكس المواقف التركية منذ اندلاع الحرب على إيران مقاربة حذرة تجمع بين السعي إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراع وبين الاستعداد للتعامل مع تداعياته الإقليمية المحتملة. فأنقرة تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين إدانة استهداف السيادة الإيرانية والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية من جهة، وبين إظهار الحزم في الدفاع عن سيادتها الوطنية بعد تعرض مجالها الجوي لاختراقات صاروخية إيرانية من جهة أخرى.
ويشير هذا السلوك السياسي إلى أن تركيا لا تنظر إلى الحرب الجارية بوصفها مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف إقليمية ودولية، بل باعتبارها حدثاً قد يعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وما حوله. ولذلك تراقب أنقرة مسار الحرب ومآلاتها المحتملة، لا سيما فيما يتعلق بمستقبل النظام الإيراني واحتمالات ظهور فراغ جيوسياسي قد تسعى قوى إقليمية ودولية إلى ملئه.
في المعطيات:
– في 11 مارس/آذار 2026، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في كلمة أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، إلى وقف الحرب فوراً “قبل أن تُلقي المنطقة بأكملها في النار”، مؤكداً أن “الدبلوماسية ممكنة تماماً”، وأن تركيا تتصرف “بحذر شديد” من أجل إبقاء نفسها بعيدة عن تداعيات الصراع، مع تكثيف الاتصالات مع جميع الأطراف.
– في 10 مارس/آذار 2026، وبعد إسقاط صاروخ إيراني ثانٍ فوق مدينة غازي عنتاب، أكد أردوغان في اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن “انتهاك المجال الجوي التركي لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة”، مشدداً على أن تركيا “ستتخذ جميع الإجراءات الضرورية لحماية سيادتها”.
– صرّح أردوغان عقب اجتماع مجلس الوزراء بأن “الخطوات الخاطئة والاستفزازية للغاية التي تضر بصداقة تركيا–إيران مستمرة رغم تحذيراتنا المتكررة”، مؤكداً أن الهدف الأساسي لسياسة بلاده يتمثل في “إبقاء تركيا بعيدة عن هذا اللهيب وضمان أمن 86 مليون مواطن”.
– بالتوازي مع تصريحات الرئيس التركي، أكد وزير الخارجية التركي حقان فيدان في 10 مارس/آذار، بعد إسقاط الصاروخ الثاني الذي اخترق الأجواء التركية، “أن انتهاك المجال الجوي التركي غير مقبول على الإطلاق”.
– في 8 مارس/آذار أكد فيدان أن “تركيا لا تريد حرباً مع إيران”، وأن “الدبلوماسية هي الحل الوحيد”، محذراً من أن الصراعات الإقليمية قد تفيد الجماعات الإرهابية وتؤدي إلى تهديد أمن الطاقة العالمي. كما حذر إيران من “عدم الانجرار إلى مغامرة تجاهنا وتجاه جيرانها”، وأدان استهداف دول لم تشارك في النزاع.
– في 5 مارس/آذار أعلنت وزارة الدفاع التركية اعتراض صاروخ باليستي إيراني متجه نحو قاعدة إنجرليك. ونقل وزير الخارجية التركي احتجاجاً رسمياً إلى طهران، مؤكداً أن تركيا “ترفض استهداف الدول غير المشاركة في الحرب”، وأنها “ستتخذ كل الخطوات اللازمة لحماية أراضيها”.
– في 3 مارس/آذار وصف فيدان الاستراتيجية الإيرانية بأنها تقوم على مبدأ “سأغرق المنطقة معي إذا غرقت”، معتبراً إياها “خاطئة للغاية”، ومحذراً من القصف العشوائي لدول الخليج. كما أشار إلى أن “تغييراً في القيادة الإيرانية قد يفتح باباً نادراً لإنهاء الحرب”، مؤكداً في الوقت نفسه أن تركيا “تملك الإرادة والقدرة على حماية نفسها”.
– في اليوم نفسه وصف فيدان الهجمات الإيرانية على دول الخليج بأنها “غير مقبولة”، وكشف عن محاولات تركية سابقة لمنع اندلاع الحرب عبر مفاوضات ثلاثية بين تركيا والولايات المتحدة وإيران.
– من جهته نفى الجيش الإيراني مسؤوليته عن استهداف الأراضي التركية بالصواريخ، مؤكداً احترام إيران لسيادة تركيا ووحدة أراضيها.
تحليل:
تشير تقييمات عدد من الخبراء في الشأن التركي إلى أن موقف أنقرة يتسم بعدة سمات رئيسية.
أولاً: تسعى تركيا إلى الحفاظ على توازن دقيق بين إدانة الضربات التي تستهدف إيران وبين رفض أي تهديد مباشر لأراضيها، مع الاستمرار في الدعوة إلى الحلول الدبلوماسية لمنع توسع الحرب.
ثانياً: يظهر في الخطاب التركي قدر من التعاطف مع الشعب الإيراني ورفض التدخل الخارجي، ما يمنح الموقف التركي ميلاً نسبياً نحو إيران دون أن يصل إلى مستوى الاصطفاف السياسي الكامل معها.
ثالثاً: تتبنى أنقرة لهجة حازمة تجاه طهران عندما يتعلق الأمر بانتهاك السيادة التركية، كما ظهر في التصريحات الرسمية عقب سقوط الصواريخ الإيرانية داخل المجال الجوي التركي.
رابعاً: تحافظ تركيا على لغة حذرة وغير تصعيدية تجاه الولايات المتحدة والغرب رغم الانتقاد الضمني للضربات العسكرية على إيران.
في الوقت نفسه، تشير مصادر متابعة إلى أن أنقرة تخشى أن يؤدي ضعف النظام الإيراني أو سقوطه إلى سلسلة من التداعيات الإقليمية، من بينها احتمال تحول إيران إلى دولة فاشلة وما قد يرافق ذلك من موجات لجوء جديدة، إضافة إلى تنشيط الحركات الكردية المسلحة عبر الحدود وتصاعد نشاط الجماعات الإرهابية.
تلفت جهات بحثية إلى أن تركيا لن تسمح لإسرائيل بملء أي فراغ جيوسياسي قد ينشأ نتيجة ضعف النظام الإيراني أو انهياره، وأنها ستسعى إلى إعادة التموضع في عدد من الساحات الإقليمية، لا سيما في العراق وسوريا والقوقاز.
كما تبدي تركيا قلقاً متزايداً إزاء أمن خط أنابيب النفط باكو–تبليسي–جيهان، الذي ينقل النفط الأذربيجاني عبر جورجيا إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. ويعد هذا الخط من أهم خطوط الطاقة في المنطقة، كما يُعتقد أنه يوفّر نحو ثلث واردات إسرائيل النفطية.
وفي هذا السياق أعلنت أذربيجان مؤخراً إحباط عدة مخططات تخريبية وصفتها بالإرهابية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، من بينها محاولة لاستهداف خط الأنابيب نفسه.
الخلاصة:
**تشير المعطيات إلى أن تركيا تحاول الحفاظ على موقف متوازن يميل نسبياً نحو إيران مع الدعوة إلى وقف الحرب واللجوء إلى الدبلوماسية، من دون اتخاذ مواقف تصعيدية تجاه الغرب والولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه تستخدم أنقرة لغة حازمة في رفض استهداف أراضيها، مع التلويح بإجراءات رادعة في حال تكرار الانتهاكات.
** تخشى تركيا من أن يؤدي ضعف النظام الإيراني إلى فراغ جيوسياسي وفوضى إقليمية قد تعيد تنشيط الجماعات المسلحة، ولا سيما الحركات القومية الكردية.
** مخاوف في أنقرة من أن تؤدي الحرب إلى تعرضها لضربات إيرانية أو تهديد خطوط الطاقة الدولية، إضافة إلى تداعيات محتملة على أمن الطاقة العالمي.
**في البعد الجيوسياسي الأوسع، ترفض تركيا احتمال أن تملأ إسرائيل الفراغ في حال سقوط النظام الإيراني، كما تتحفظ على توسع الوجود العسكري الغربي في شرق المتوسط لما قد يحمله من انعكاسات على مصالحها الإقليمية.
** التقدير بأن تركيا تتموضع ضمن مقاربة وسطية براغماتية تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران بعد الحرب، مع الاستعداد في الوقت نفسه لملء أي فراغ استراتيجي قد ينشأ في مناطق النفوذ المحيطة بها، خصوصاً في القوقاز والعراق وسوريا.
**ترى أنقرة أن تغييراً في القيادة الإيرانية قد يفتح نافذة محتملة لإنهاء الحرب عبر تسوية سياسية.