تركيا والاتفاق الصومالي الأثيوبي.. تباينات الخاسرين والرابحين
د. أحمد لافي، مركز تقدم للسياسات
ورقة سياسات.
ملخص تنفيذي:
• أهمية القرن الأفريقي كان ومازال أهم مطامع وتنافس اللاعبين الدوليين والطامحين بالنفوذ الخارجي
• استغلال الصراعات في القرن الأفريقي من قبل القوى الدولية كان مدخلاً لتوسيع نفوذ هذه القوى واستغلال ثروات وموارد الدول الافريقية
• نجحت تركيا بلعب دوراً كبيراً من عدة مداخل دينية ,اجتماعية ,سياسية , اقتصادية أمنية وعسكرية
• نجاح الاتفاق الصومالي – الاثيوبي يحقق مصالح مشتركة لطرفي الأزمة
• نجاح الاتفاق مرهون برؤية وتوجهات الادارة الأمريكية الجديدة ومدى تقزيمها للقوى الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط كالصين وايران.
تقديم:
يُظهِر الاهتمام المتسارع للقوى الإقليمية والدولية بالقرن الأفريقي لما يتسم به هذا الحيز في الجيوسياسي الدولي، بسبب موقعه الاستراتيجي وثرواته الطبيعية.
في هذاالسياق، برزت تركيا كلاعب دولي رئيسي، حاول مطابقة الجيواقتصادي بالجيوسياسي، وتوسيع النفوذ من خلال توظيف مزيج من الدوافع الاقتصادية، الأمنية، والسياسية. تجلى ذلك من خلال علاقة أنقرة بمقديشو. فالصومال مَثَّل لتركيا بوابة رئيسية نحو منطقة القرن الإفريقي، لاسيما مع تزايد الاهتمام باستكشاف واستغلال النفط والغاز ومعادن طبيعية نادرة في هذه المنطقة.
بعد توقف انقرة عن محاولاتها الانضمام للاتحاد الأوربي او السوق الأوروبية المشتركة، ايقنت ضرورة توسيع نفوذها التجاري والسياسي نحو افريقيا والعالم الإسلامي، والذي لم يتوقف عند صادراتها الغذائية والصناعية، بل تطور الى مرحلة بناء القواعد العسكرية وبيع الأسلحة. تدرك انقرة ان القرن الافريقي يقع على تقاطع تجاذبات المصالح الإقليمية والدولية الكبرى، ذهبت الى مقاربة الدبلوماسية الناعمة لتعزيز النفوذ والمنافسة، ولهذا تقدمت لتكون منصة للحوار وتطبيع العلاقات المتوترة بين الصومال واثيوبيا، وعرضت استضافة حوار بين المجلس العسكري السوداني الحاكم واثيوبيا.
ثمة خاسر ورابح من المبادرة التركية التي حظيت باهتمام إقليمي. في هذه الورقة نلقي الضوء على المحاور التالية:
1- خلفية تاريخية للصراع الصومالي – الأثيوبي:
• اتسمت العلاقات الصومالية -الأثيوبية بالصراع الدائم على مر العصور، لأسباب تتعلق بالحدود والدين والنفوذ، والحرب كان سجالا بينهما، وفي أواسط الستينيات من القرن الماضي عام 1964 دخلت الصومال في حربها الأولى– كدولة –مع الجارة اثيوبيا، وذلك على خلفية النزاع على إقليم أوغادين، واستمرت من عام 1964 إلى عام 1967، دعمت الولايات المتحدة إثيوبيا بالمال والسلاح والتأييد السياسي في المحافل الدولية، بينما وقف الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية وراء الصومال، وقدمتا له المال والسلاح”. وكانت اكثر الحروب ضراوة بين الطرفين في عهد رئيس الصومال الأسبق “سياد بري”، ورئيس أثيوبيا الأسبق “منغستو هايلا ماريام” عامي 1977 و1978، عندما أمر جنرال سياد بري قواته بالزحف نحو عاصمة اثيوبيا (أديس أبابا) الأمر الذي أثار حفيظة الاتحاد السوفييتي فقرر الانحياز إلى جانب إثيوبيا ومساعدتها في ايقاف تقدم القوة الصومالية نحو العاصمة، وارسال قواته الى الأراضي الإثيوبية، وفتح جسرا جويا بين روسيا واثيوبيا لتقديم المساعدات وارسال المدرعات وآلات الحرب الحديثة لإنقاذ (اثيوبيا) من هزيمة الجيش الصومالي المدعوم أمريكياً واسلامياً، وساعد الجسر الجوي في نقل الجيش اليمني الجنوبي والجيش الكوبي الى منطقة الصراع وانضمامهم الى القوات الروسية في أثيوبيا.
• المستجدد في الصراع الذي اندلع حديثا بين الدولتين، هو ما تعتبره الصومال مطامع أثيوبية في الأراضي الصومالية وبالذات الشمالية منها بسبب الموانئ. لربط أثيوبيا بالبحر الأحمر. وما فجر الصراع مذكرة التفاهم الأخيرة الموقعة بين أثيوبيا “وصومالي لاند” (اقليم صومالي استقل عن الدولة الصومالية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ويسعى جاهدا الحصول على اعتراف دولي لكيانه). ما اعتبرته الصومال تدخلاً في السيادة الصومالية. ما دفع مقديشو لاتخاذ خطوات تصعيدية، إذ قامت بطرد الدبلوماسي الأثيوبي “علي محمد آدن” من مقديشو، علماً أن الصومال لم يرفض صلاحية مذكّرة التفاهم فحسب، بل ندّد أيضاً بنوايا إثيوبيا العدوانية.
• نتيجة الصراعات بين البلدين، استضافت كلتا الدولتين فصائل للعمل متمردة مسلحة ضد بعضهما وأمَّنت لهما القواعد والدعم والتسليح، الأمر الذي أدخل البلدين حتى وقت متأخر من القرن الماضي، في موجات صراع دامي.
• ومن نتائج الصراعات المتكررة عدم استقرار البلدين سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، ومن نتائجه أيضا انعدام الثقة بينها رغم المصالح المشتركة، هذا بالإضافة إلى سقوط الآلاف من القتلى والجرحى منذ بداية الهجمات والهجمات المعاكسة بينهما. واندفع نظام الرئيس شيخ محمود الى توقيع معاهدات احلاف سياسية ودفاعية مع كلٍ من تركيا ومصر إضافة إلى زيادة التعاون مع أرتيريا التي عادت الى عداوتها مع أثيوبيا رغم اتفاق السلام الموقع بين البلدين في ديسمبر 2020 وأنهى عقدين من الحروب والعداوة.
2- النفوذ التركي في القرن الإفريقي:
• تعتبر منطقة القرن الأفريقي محوراً هاماً للجيوستراتيجى في السياسة الخارجية التركية, حيث دشنت تركيا بموجب هذه السياسة عصر الانفتاح التركي الافريقي, إدراكاً منها، أن تحقيق نهضة اقتصادية يتطلب فتح أسواق واستثمارات كبيرة خارجية في حيز بحجم منطقة القرن الافريقي. لما لهذا الحيز الجغرافي من أهمية استراتيجية في السياسة والاقتصاد الدوليين. حيث يتحكم القرن الافريقي في أهم ممرات التجارة الدولية في مضيق باب المندب، ولحجم ثروات هذه البلاد الفقيرة.
• تمحور ركائز النفوذ التركي على تقديم بديل اقتصادي وبناء شبكة واسعة قوية من العلاقات الدبلوماسية والسياسية، واقتران ذلك باهتمام بالبُعد الثقافي والاجتماعي والإنساني، والتدرج الحذِر نحو البُعد الدفاعي والأمني. ما أثار حفيظة المنافسين من أصحاب ما يعرف بمناطق النفوذ التقليدية، كالولايات المتحدة، والقوى المنافسة مثل روسيا، والصين، والطامحة مثل إسرائيل ومصر وبعض البلدان الخليجية.
• بات القرن الإفريقي في صلب الرؤية الاستراتيجية التركية كمدخل للقارة الإفريقية، من خلال تعزيز شراكتها الاقتصادية والأمنية والسياسية مع دول شرق إفريقيا، والتي في مقدمتها الصومال وجيبوتي وإثيوبيا والسودان لتمثل بوابة عبور نحو القارة الإفريقية، وكان الجانب الأمني والسياسي من أهم مرتكزات السياسة الاقتصادية التوسعية في إفريقيا، بحثًا عن أسواق لاقتصادها، وهو ما يجعلها مستقبلًا وجهة اقتصادية لدول القرن الإفريقي وسوقًا إفريقية، لكن ذلك مرهون بمدى تحقيق إمكانات التعاون الاقتصادي والأمني مع تلك الدول مستقبلًا.
• اهتمت تركيا باستخراج النفط والغاز في الصومال حيث تمتلك الأخيرة إمكانات كبيرة من هذه الثروة غير المستغلة، لاسيما في المناطق البحرية. كما هدفت تركيا إلى الحصول على عقود استكشاف واستخراج هذه الموارد، بيد أنها تعتمد في اقتصادها على استيراد النفط والغاز، ساعية لتأمين مصادر جديدة للطاقة. ويشكل النفط الصومالي فرصة مهمة لتحقيق هذا الهدف.
• ثمة أبعاد جيوسياسية أيضاً، إذ يتمتع القرن الإفريقي بموقع استراتيجي بالغ الأهمية بسبب قربه من مضيق باب المندب، الذي يعتبر أحد أهم الممرات البحرية العالمية. ويمنح تعزيز النفوذ التركي في الصومال إمكانية التأثير في خطوط التجارة والطاقة الدولية.
• بدا لافتًا الدور التركي في افريقيا منذ العام 2003 مع بدء مشروع أردوغان-أوغلو للتوجه نحو إفريقيا من خلال صياغة استراتيجية تركية لتطوير العلاقات الاقتصادية مع إفريقيا، لتتمكن أنقرة من الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي كعضو مراقب، عام 2005، إذا يعتبر هذا التوجه التركي نحو افريقيا أحد ركائز لعملية التنمية الداخلية التركية والبحث عن أسواق جديدة؛ إذ تضاعف حجم الصادرات التركية أربعة أضعاف من 40 مليارًا، عام 2002، إلى 158 مليار دولار، عام 2014، وازدادت الاستثمارات التركية في إفريقيا بشكل عام متمثلة في الشركات الصغيرة والمتوسطة، خاصة في مجال البناء والصناعات الخفيفة وإنتاج السلع المنزلية؛ وارتفع حجم الاستثمارات التركية في إفريقيا ما بين 5 و8 بلايين دولار.
• جاءت القمة “التركية-الإفريقية”، تتويجاً للجهود التي بذلتها الدبلوماسية التركية، لتنسيق جهود وبرامج التعاون والشراكة، وكانت البداية في إسطنبول عام 2008، بمشاركة (49) دولة إفريقية، وممثلي (11) منظمة إقليمية ودولية، في مقدمتها الاتحاد الإفريقي، ثم استضافت “مالابو” عاصمة غينيا الاستوائية نسختها الثانية عام 2014، بينما أعادت إسطنبول استضافة نسختها الثالثة عام 2021.
• استكملت تركيا سعيها لتعزيز دورها العسكري والأمني, فقد جاءت استكمالا لتطوير العلاقات التجارية التركية الافريقية, حيث لعبت الخبرة التي يتمتع بها الجيش التركي، ثاني أكبر جيوش حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، وتطور الصناعات العسكرية التركية ونجاحاتها، لفت أنظار الكثير من الدول الإفريقية، الطامحة إلى تنويع مصادرها العسكرية، والباحثة عن بدائل موثوقة للأسلحة والمعدات الغربية، التي باتت تمثل عبئاً ثقيلاً على ميزانياتها، بسبب ارتفاع تكلفتها المادية، واقترانها بسياسات أخرى مجحفة، لا طائل منها سوى مزيد من التبعية والهيمنة.
• أبرمت تركيا العديد من اتفاقيات الدفاع والأمن، ومكافحة الإرهاب، مع أكثر من (25) دولة إفريقية، وعقدت العديد من برامج تطوير وتدريب قوات الشرطة دول افريقية، فضلاً عن قيامها بتسليح الكثير من الجيوش الإفريقية، وبخاصة بالطائرات من دون طيار التركية بأجيالها المختلفة، وقد دخلت هذه المسيرات الخدمة بالفعل في العديد من الجيوش الإفريقية، كما في مالي والمغرب ونيجيريا وإثيوبيا وتوجو والنيجر، وتونس والجزائر وغيرها.
• لم يَقِف الطموح التركي، عند حدود التسليح والتدريب، بل تخطى ذلك إلى إنشاء عدة قواعد عسكرية شاملة، كان أكبرها حتى الآن قاعدة “تركصوم” في العاصمة الصومالية مقديشو، مهمتها المعلنة القيام بمهام تدريب للجيش الصومالي وقدمت له معدات ومركبات مدرعة، إضافة إلى منح أخرى ضمت مركبات وسيارات إسعاف.
• في العام 2021 أعلن الرئيس التركي حينها أن بلاده ستبقى واقفة بجانب الحكومة الإثيوبية وتدعمها بكل الوسائل بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات أمنية مع كينيا وإثيوبيا وأوغندا وتنزانيا لتدريب قوات الأمن في هذه الدول لمكافحة الجماعات المسلحة وأعمال القرصنة، وإجراء مناورات مشتركة مع جيوش المنطقة.
• وقفت تركيا ضد التدخل العسكري الذي أعلنته مجموعة “إيكواس” مع بداية الأزمة التي وقعت في النيجر بسبب انقلاب 26 يوليو/تموز 2023 , وارتفع حجم التبادل التجاري بين تركيا والنيجر في الأعوام الأخيرة، من 72 مليون دولار عام 2019 إلى 203 ملايين دولار عام 2022. كما نشطت المؤسسات التركية في المجالات الإغاثية والتنموية، ومن أبرزها: هيئة الإغاثة الإنسانية، ووكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا”. إذ قُدِّر حجم المشاريع التي موَّلتها الوكالة التركية للتعاون والتنسيق “تيكا” TIKA، بين 2011 و2018، في الصومال بقرابة 500 مليون دولار, كما أولت تركيا اهتماماً كبيراً بنشر الدين الإسلامي حول العالم، عَبْر مؤسسات متخصصة، تعمل تحت مظلة “رئاسة الشؤون الدينية التركية”، ومن أشهرها “وقف الديانة التركي”، الذي يرعى مدارس “إمام خطيب” الدينية التركية وينشرها في إفريقيا، بالإضافة إلى إقامة المساجد، ونشر القرآن الكريم، إضافة إلى استخدام تركيا الأدوات الإعلامية الأكثر تأثيراً، مثل بث الأعمال الدرامية التركية ذائعة الصيت، مترجمة إلى اللغات المحلية الإفريقية.
• لهذا باتت تركيا عاملاً مؤثراً ووسيطاً مقبولاً في الأزمات الخاصة بشرق ووسط افريقيا، بما فيها الأزمة الصومالية – الأثيوبية ، والسودانية الامارتية ، وكذا في بلدان الساحل وجنوب الصحراء الكبرى.
3. التنافس والتشابك الدولي والإقليمي:
يعتبر المراقبون أن منطقة القرن الأفريقي ساحة استراتيجية مفتوحة لجميع اللاعبين الدوليين والإقليميين في إطار مساعيهم إلى النفوذ الجيوسياسي، وتعظيم المصالح والمكاسب الحيوية هناك، لا سيما في ضوء ما تمتلكه المنطقة من إمكانات وموارد طبيعية هائلة جعلها بؤرة اهتمام وأنظار القوى الدولية الفاعلة التي تدرك الأهمية الاستراتيجية للقرن الأفريقي.
فالتنافس بين القوى الخليجية انعكس على العلاقات التركية في الصومال، ما يخلق ضغوطًا سياسية على تركيا في إدارة مصالحها هناك. كما انعكس تنافس القوى الكبرى (الولايات المتحدة فرنسا، الصين، روسيا)، على قدرة تركيا ونفوذها في افريقيا. كما ان تركيا تواجه أيضا نفوذ إسرائيل في القارة ، التي تعتبر انقرة احد اهم معوقات دورها ومكانتها وعلاقاتها في افريقيا.
4- مكاسب الصومال أم تعقيداً للمشهد الداخلي:
تعتبر مقديشو أن ما تم تحقيقه في هذا الاتفاق مع اثيوبيا نصراً دبلوماسياً، بالرغم من الانقسام الواضح داخل البيت الصومالي، فهناك من يراه كذلك، وآخرين اعتبروه تنازلاً لحفظ ماء الوجه، إذ قَبِلت مقديشو أخيراً بالتفاوض دون تخلِّي أثيوبيا عن مذكرة التفاهم مع صومالي لاند. وبينما رأى محللون إلى أن تأكيد أديس أبابا على (سيادة الصومال ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها) يأتي في اطار العبارات الفضفاضة حول السيادة الصومالية، وجاء بهدف طمأنة القوميين الصوماليين ليس أكثر، والتي تعتبر الوجود الإثيوبي في شمال البلاد قوة احتلال.
فالاتفاق فقد يعني التزام الجانب الصومالي بتأمين وصول بحري مستدام لإثيوبيا منحها امتيازات وعروضاً أفضل بكثير مما تُقدمه جاراتها الساحلية الأخرى جيبوتي. ويميل المراقبون ان صيغة وسط ربما شكلت حلا للعقدة، بان تتعهد اثيوبيا بألَّا يتجاوز الاتفاق من أرض الصومال حدود الترتيبات البحرية دون أن يصل إلى حد الاعتراف الدبلوماسي بأرض الصومال كدولة مستقلة. وهذه الصيغة يمكن أن تشكل عنصر توافق مع القوى السياسية المعارضة التي ترى أن الاتفاق مع اديس ابابا ينطوي على مقايضة السيادة والمصالح الوطنية، من قِبل الرئيس “شيخ محمود” لخدمة مصالحه الشخصية المتمثلة في ضمان استدامة الحكم لشخصه لواية ثالثة، وفرض مشروعه السياسي الرامي لتطبيق عملية انتخابية شعبية موحدة على مستوى البلاد.
بينما يرى محللون أن دوافع الصومال للموافقة على إعلان أنقرة عوامل أخرى، في مقدمتها سعي مقديشو إلى استباق أي تداعيات محتملة لتغير في السياسة الأميركية تجاه ملف صومالي لاند، لا سيما في ظل الدعم العلني لبعض المسؤولين عن الملفات الأفريقية في ولاية “ترامب” الأولى لفكرة الاعتراف بهذا الإقليم دولة مستقلة، مما يُعقّد الأوضاع الإقليمية ويُسرّع فرص إثيوبيا للوصول إلى اتفاق مباشر مع الإقليم الانفصالي. وعلى المستوى الداخلي، يواجه الرئيس الصومالي تحديات سياسية وأمنية عديدة وصلت حد الاشتباك المسلح مع قوات ولاية جوبالاند التي تخضع لتأثيرات مهمة من الجارة كينيا.
5. مكاسب إثيوبيا من الاتفاق:
استندت أثيوبيا إلى مجموعة من الدوافع الإستراتيجية لتوقيع الاتفاق، إذ يمهد هذا الاتفاق لأديس أبابا فرصة لـ “وصول آمن ومستدام إلى البحر الاحمر”، وهو هدف إستراتيجي أكد رئيس الوزراء “آبي أحمد” أهميته باعتباره “مسألة وجودية” لبلاده. وبذلك تحاول إثيوبيا التخلص من الارتهان لميناء جيبوتي الذي يمثل المنفذ الوحيد للدولة الحبيسة لقرابة 90% من صادراتها ووارداتها، مما سيخفف من تكاليف النقل المرتفعة التي تحملتها إثيوبيا طوال سنوات طويلة، والتي بلغت في بعض السنوات نحو مليوني دولار يوميا أو ما يوازي 16% من قيمة تجارتها الخارجية، بالإضافة إلى معالجة شكاوى أديس أبابا من الرسوم المرتفعة المفروضة حاليا البالغة قرابة ملياري دولار سنويا. كما يتيح الاتفاق خفض التوتر الإقليمي ويعطي أديس أبابا هامشاً كبيراً لمواجهة التحديات الداخلية متعددة الأوجه، خصوصاً مع العرقيات المختلفة التي ترفض فكرة النظام المركزي بديل نظام الفدرالية العرقية والقومية، وأبرزها ميليشيات مسلحة خارجة على الدولة مثل “الفانو” في إقليم أمهرة ، وفصيل منشق عن الجبهة الشعبية للتيغراي ، والذي عاد لقتال الدولة ، وكذا فصيلاً متمرداً ومسلحاً من قومية الارومو. كما أن من شأن الاتفاق مع مقديشو أن يُضعف ويُهمِّش حِلفاً مصرياً أرترياً صومالياً، يشكل في جوهره جبهة معادية لأثيوبيا ولمكانتها الإقليمية.
كما أدركت أثيوبيا أن المصالحة مع الصومال قد ينهي عوائق اقتصادها، إضافة إلى أنها نجحت بانتزاع شرعية إضافية مُتمثلة في اعتراف جارتها الصومالية بأحقيتها في الوصول الموثوق والمستدام إلى ساحل الصومال ومنه. وعلى الرغم أن هذا قد لا يُحقِّق كامل الأهداف الإثيوبية؛ إلَّا أنّه قد يُقوِّي موقفها التفاوضي مع الجارات الساحلية الأخرى، كما يُمثِّل دفعة قوية لتطلعاتها البحرية والجيوسياسية الأوسع، التي تتجاوز البعد الاقتصادي وضرورات التنمية والتجارة، إلى الأمني والعسكري، لجهة تأمين موطئ قدم لبحريتها في المياه الدافئة المطلة على خطوط الملاحة، وضمان دور لها في الأمن البحري الإقليمي.
في الختام، يمكن وضع الاتفاق الاثيوبي الصومالي وبوساطة تركية، في إطار تنافس القوى الدولية والاقليمية وتقاطع للمصالح في هذه المنطقة الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس في مستوى ردود الفعل على هذا الاتفاق. من جانبها رحبت مصر بالاتفاق واعتبرته عامل استقرار لآمن للمنطقة.
بينما اعتبرت اسرائيل هذا الاتفاق من شأنه أن يعزز نشاط القوى الجهادية الصومالية، أما فقد واشنطن بالاتفاق رحبت وأكدت على شرعية الدولة الصومالية الفدرالية الموحدة.
خلاصة:
– الاهتمام الدولي والاقليمي بالقرن الأفريقي يكمن في أهمية هذه المنطقة الاستراتيجية، والتي تفتح بدورها باب التنافس الدولي بين اللاعبين الدوليين، خصوصاً بين واشنطن وبكين, وفى اطار الأحداث المتسارعة في الاقليم من حرب غزة وتداعياتها في اليمن والعراق وما حصل مؤخراً في سوريا بعد سقوط النظام وتراجع للدور الإيراني والتفاعلات الدولية معها.
– التقدير بأن الاتفاق الاثيوبي الصومالي بجهود تركية ليس بعيداً عن توجهات أمريكية تجاه المنطقة وتحييد أدوار بعض الدول الفاعلة كالصين وإيران، إلا أن السؤال الذي يبقى في أذهان المراقبين والمهتمين بمدى استمرارية هذا الاتفاق الذي رعته أنقرة العضو في حلف الناتو في سياق دورها الذي يضعها في خدمة استراتيجية واشنطن في احتواء النفوذ الصيني.
– ترتبط عوامل نجاح الاتفاق الصومالي- الأثيوبي وثيقاً، بتوجهات إدارة ترامب القادمة، تجاه حصار النفوذ الصيني في افريقيا، وبالهامش الذي سيعطى لحركة التركي في القارة ، خاصة أن المصالح التركية في العقد الأخير ارتبطت بشبكة هائلة في العلاقات مع روسيا والصين، سواء في دخولها الى تجمع شنغهاي الاقتصادي أو سعيها للانضمام الى منظومة البريكس ، أو امتناعها عن المساهمة في الجهد الغربي ضد حرب روسيا في أوكرانيا .