ترتيبات ناشطة لـ”مصالحة” خليجية-إيرانية

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقدير موقف

تقديم: تتحدث تقارير عن نشاط دبلوماسي مكثف يهدف إلى ترتيب العلاقات بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي. وتأتي هذه الجهود في سياق البحث عن استقرار إقليمي، ولا سيما فيما يتعلق بأمن مضيق هرمز، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بزيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى المنطقة وبالمسار الجاري للمفاوضات الأميركية-الإيرانية. وتثير هذه التحركات تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو ترتيبات أمنية جديدة، أم أنها مجرد إجراءات مرحلية لاحتواء تداعيات المرحلة الراهنة.

في المعطيات:
• في 24 يونيو/حزيران 2026، أعلن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أنه بحث مع نظيره الإيراني عباس عراقجي آخر مستجدات المفاوضات بين طهران وواشنطن، والتقدم في تنفيذ التفاهمات السابقة بين البلدين.
• في اليوم نفسه، زار رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني سلطنة عُمان، حيث التقى السلطان هيثم بن طارق، وبحث الجانبان ترتيبات تتعلق بمستقبل تشغيل مضيق هرمز والملاحة فيه، ضمن مشاورات ضمت إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق.
• أكدت مصادر دبلوماسية مطلعة أن هذه الزيارة تأتي في إطار تحضير محادثات إقليمية منفصلة بين إيران ودول الخليج، تركز في مرحلتها الأولى على أمن الملاحة وإزالة أسباب التوتر، مع وجود خطط لتوسيعها لاحقاً.
• أعلنت سلطنة عُمان، بالتنسيق مع إيران، التزام الطرفين بإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً وفق القانون الدولي، مع اعتماد ترتيبات ملاحية مؤقتة.

• أفادت تقارير دبلوماسية بأن المملكة العربية السعودية مرشحة لاستضافة قمة تجمع إيران ودول الخليج ضمن مسار منفصل عن المفاوضات الأميركية-الإيرانية، دون الإعلان عن موعد رسمي حتى الآن.
• في 23 يونيو/حزيران 2026، طرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال زيارة إلى باكستان، فكرة إنشاء ميثاق أمني إقليمي يضم إيران والسعودية وقطر وتركيا، مؤكداً في الوقت نفسه أن البرنامج الصاروخي الإيراني ليس مطروحاً للتفاوض.
• في اليوم نفسه، أعلن رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف استعداد بلاده لإبرام اتفاقيات أمنية مع دول الخليج وتعزيز التعاون الاقتصادي معها.
• ربطت مصادر متابعة هذه التحركات بزيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التي بدأت في 23 يونيو/حزيران 2026 وشملت الإمارات والكويت والبحرين، حيث شارك في اجتماعات مع قادة الدول الخليجية واجتماع لمجلس التعاون الخليجي.
• أكد روبيو خلال الزيارة أن الولايات المتحدة “متوافقة تماماً” مع شركائها الخليجيين بشأن التعامل مع إيران، وأن المحادثات تناولت أمن الملاحة في مضيق هرمز وضمان أمن دول الخليج.
• سبق أن حذر مجلس التعاون الخليجي، في 10 يونيو/حزيران 2026، من أن الهجمات الإيرانية تقوض الثقة وتغلق أبواب الحوار، كما أكد أمينه العام جاسم البديوي أن جانباً كبيراً من الهجمات الإيرانية الأخيرة استهدف دول المجلس.

التحليل السياسي:
تكشف هذه المعطيات أن التحركات الجارية لا تقتصر على تحسين العلاقات الثنائية بين إيران وبعض الدول الخليجية، بل تستهدف بناء إطار إقليمي لإدارة المخاطر الأمنية، وفي مقدمتها أمن الملاحة في مضيق هرمز، بمعزل عن المسار الأميركي-الإيراني، وإن بقيت مرتبطة به سياسياً.

ويبدو أن أدوار دول الخليج تتوزع بصورة تكاملية أكثر منها تنافسية؛ إذ تواصل سلطنة عُمان وقطر أداء دور الوسيط التقليدي الذي يستفيد من علاقاتهما المستقرة مع طهران، بينما تتحرك السعودية نحو لعب دور المظلة السياسية للمسار الجديد عبر استضافة قمة محتملة تمنحه زخماً وشرعية إقليمية، مستندة إلى اتفاق بكين عام 2023 الذي أعاد العلاقات السعودية-الإيرانية.

في المقابل، لا تزال أولويات دول الخليج متباينة. فبعضها يركز على الحصول على ضمانات أمنية تتعلق بوقف دعم الجماعات الحليفة لإيران، وضبط البرنامج الصاروخي، وتأمين حرية الملاحة، بينما تعطي دول أخرى أولوية لخفض التوتر وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري. إلا أن هذا التباين لا يبدو مانعاً من استمرار التنسيق الجماعي داخل مجلس التعاون.

كما تشير التحركات الإيرانية إلى محاولة استثمار أجواء الانفتاح التي أوجدتها المفاوضات مع واشنطن لتوسيع دائرة التفاهمات الإقليمية، مع الحرص على استبعاد الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها البرنامج الصاروخي، وهو ما يعكس رغبة طهران في الفصل بين ملفات الأمن البحري والتعاون الاقتصادي من جهة، والقضايا العسكرية الاستراتيجية من جهة أخرى.

ويكشف الربط بين هذه التحركات وزيارة ماركو روبيو أن واشنطن لا تعارض الانفتاح الخليجي على إيران، بل تسعى إلى أن يجري ضمن تفاهمات تتوافق مع مصالحها الأمنية، وخاصة حماية الملاحة الدولية، ومنع أي ترتيبات قد تقلص دورها في أمن الخليج.
وفي حال نجحت هذه الجهود، فقد تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية واقتصادية أوسع تشمل إدارة أكثر استقراراً للملاحة في مضيق هرمز، وإطلاق تفاهمات ثنائية ومتعددة الأطراف، وربما إعادة إحياء بعض المبادرات السابقة الخاصة بالأمن الإقليمي. إلا أن استمرار فجوة الثقة بين إيران ودول الخليج، في ضوء الهجمات الأخيرة والخلافات حول الصواريخ والوكلاء، سيبقى العامل الأكثر تأثيراً في فرص نجاح هذا المسار.

الخلاصة:
**تكشف التحركات الدبلوماسية الأخيرة عن وجود مسار إقليمي ناشط يهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي بالتوازي مع المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وليس بديلاً عنها.
** تعكس زيارة ماركو روبيو والمنسوب المرتفع من التنسيق الأميركي-الخليجي وجود توافق على إدارة الانفتاح على إيران ضمن إطار يحافظ على المصالح الأمنية الغربية والخليجية.
**تشير الأدوار المتكاملة لكل من السعودية وعُمان وقطر إلى وجود توزيع وظيفي بين الوساطة الفنية والرعاية السياسية، بما يزيد فرص نجاح المسار إذا توافرت الظروف المناسبة.
**يبقى نجاح هذه الجهود مرتبطاً إلى حد كبير بمآلات المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وبقدرة الطرفين على تقديم ضمانات مقنعة في ملفات أمن الملاحة، والصواريخ، والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين.
**ورغم الزخم الدبلوماسي الحالي، فإن أزمة الثقة الناتجة عن المواجهات الأخيرة لا تزال تمثل العقبة الأساسية أمام الانتقال من إجراءات خفض التصعيد إلى بناء ترتيبات أمنية مستدامة.
**ما صدر عن القيادة الإيرانية يوفر أرضية للحوار، لكنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لالتزام طويل الأمد، في ظل استمرار التباين حول القضايا الأمنية الأكثر حساسية.
**لا يزال من المبكر الجزم بأن أي مصالحة خليجية-إيرانية ستنعكس تلقائياً على ملفات اليمن أو لبنان أو العراق، إذ ستظل هذه الساحات مرتبطة بحسابات محلية وإقليمية أكثر تعقيداً.
**وإذا تطور المسار إلى نظام أمني إقليمي يضم إيران ودول الخليج والعراق وربما تركيا وباكستان، فإنه سيعيد رسم موازين الأمن الإقليمي، وقد يحد من مساعي إسرائيل للاضطلاع بدور أمني محوري في المنطقة، مع بقاء هذا الاحتمال مرهوناً بموقف الولايات المتحدة وحدود استعدادها لدعم مثل هذا التحول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.