ترامب يطلب من الشرع التدخل في لبنان

تقرير موقف، مركز تقدم للسياسات – دمشق

تقديم:
في تلميح جديد، ووسط أنباء عن احتمال قيام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارة جديدة إلى البيت الأبيض، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإشارة إلى إمكانية قيام سوريا بدور أمني يساعد في مواجهة حزب الله داخل لبنان. وتأتي هذه التصريحات بعد أشهر من تقارير تحدثت عن ضغوط أمريكية على دمشق للانخراط بصورة أكبر في الجهود الرامية إلى تقليص نفوذ الحزب وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن حدود ما تريده واشنطن من سوريا الجديدة، ومدى قدرة الرئيس السوري على مقاومة ضغوط قد ترتبط بمصالح دمشق السياسية والاقتصادية وعلاقاتها المتنامية مع الولايات المتحدة والغرب.

في المعطيات:
• في 6 يونيو 2026، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن سوريا قد تساعد في تسهيل ضربات أكثر دقة ضد حزب الله، مضيفاً أن الرئيس السوري أحمد الشرع “قد يكون مستعداً للمساعدة في الجهود الأمنية الإقليمية”.
• وصف ترامب الرئيس السوري بأنه “قائد جيد جداً”، مشيداً بخطواته في إعادة الاستقرار إلى سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.
• في مارس 2026، كشفت وكالة رويترز أن إدارة ترامب طرحت على دمشق فكرة دور سوري محتمل في شرق لبنان ضمن الجهود الرامية إلى نزع سلاح حزب الله، ونقلت عن مصادر متعددة وجود ضغوط أمريكية بهذا الاتجاه.
• نفى المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك صحة التقارير التي تحدثت عن تشجيع واشنطن لدمشق على إرسال قوات إلى لبنان.

• أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع السورية حسن عبد الغني أن دمشق لم تتلق أي طلب رسمي بهذا الشأن، وأن أي قرار من هذا النوع يبقى قراراً سيادياً سورياً.
• أعلنت الرئاسة اللبنانية أنها لم تتلق أي إشارات أمريكية أو دولية بشأن تدخل سوري محتمل في لبنان، مؤكدة تلقيها تطمينات من الرئيس أحمد الشرع باحترام سيادة لبنان وعدم وجود نية لتدخل عسكري سوري.
• أكد الجيش اللبناني استمرار التنسيق الأمني مع سوريا في القضايا الحدودية، فيما شدد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على أن التحركات العسكرية السورية الأخيرة تندرج ضمن حماية الأمن الداخلي السوري.
• في 9 مارس 2026، أعلن الرئيس أحمد الشرع دعمه لموقف الرئيس اللبناني جوزاف عون بشأن حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح حزب الله.
• رصدت تقارير غربية خلال مارس 2026 تعزيزات سورية على الحدود اللبنانية وتزايداً في التنسيق الأمني بين البلدين لضبط الحدود ومكافحة التهريب.

في التحليل:
تكشف تصريحات ترامب عن تطور مهم في المقاربة الأمريكية تجاه الملف اللبناني ودور سوريا فيه. فالفكرة التي ظهرت سابقاً في شكل تسريبات وتقارير صحفية باتت تُطرح الآن، ولو بصورة تلميحية، على لسان الرئيس الأمريكي نفسه. وهذا لا يعني بالضرورة وجود قرار أمريكي بدفع دمشق إلى التدخل العسكري في لبنان، لكنه يدل على أن واشنطن ما زالت تدرس خيارات متعددة للتعامل مع ملف حزب الله، وترى في سوريا الجديدة طرفاً يمكن أن يؤدي دوراً مساعداً في هذا المسار.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى نظام أحمد الشرع بوصفه شريكاً مختلفاً عن النظام السوري السابق، وأكثر قابلية للتعاون في الملفات الأمنية الإقليمية. كما أن واشنطن تدرك أن دمشق تمتلك أوراقاً مؤثرة على الحدود اللبنانية – السورية، ويمكنها المساهمة في تشديد الرقابة على خطوط الإمداد والتهريب التي لطالما شكلت أحد عناصر قوة حزب الله.

تبدو دمشق حريصة على رسم حدود واضحة بين دعمها السياسي لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وبين الانخراط في أي دور عسكري مباشر داخل لبنان. فالشرع يدرك أن أي تدخل من هذا النوع سيستحضر إرثاً ثقيلاً من العلاقات السورية – اللبنانية خلال عهد حافظ الأسد وبشار الأسد، وسيثير حساسيات واسعة داخل لبنان وخارجه. كما أن الرئيس السوري يسعى إلى ترسيخ صورة مختلفة لسوريا الجديدة، تقوم على استعادة الشرعية الإقليمية والدولية والانشغال بإعادة بناء الدولة، لا على التدخل في شؤون الدول المجاورة.
ومن الناحية العملية، لا تبدو سوريا في وضع يسمح لها بفتح جبهة جديدة أو تحمل أعباء أمنية وعسكرية إضافية خارج حدودها. فالدولة السورية ما زالت تواجه تحديات اقتصادية وأمنية وإدارية كبيرة، كما أن أولويات السلطة الجديدة تتركز على تثبيت الاستقرار الداخلي وجذب الدعم والاستثمارات وإعادة الإعمار. ولذلك فإن أي انخراط مباشر في الساحة اللبنانية قد يحمل مخاطر تفوق المكاسب المحتملة.

تطرح هذه المعطيات سؤالاً مهماً يتعلق بقدرة الشرع على مقاومة الضغوط الأمريكية إذا ما انتقلت من مرحلة التلميح إلى مرحلة الطلب المباشر. فدمشق تحتاج إلى استمرار الانفتاح الغربي عليها، وإلى الدعم السياسي والاقتصادي الأمريكي والدولي. ومن هنا تبرز المخاوف داخل بعض الأوساط السورية من أن تتحول أي زيارة مرتقبة للشرع إلى واشنطن إلى مناسبة لبحث مقايضات أوسع تشمل الملفات الأمنية والإقليمية.

في الوقت نفسه، لا يبدو أن البيئة الإقليمية مؤيدة لتدخل سوري مباشر في لبنان. فالسعودية، رغم دعمها لأي مسار يضعف حزب الله ويعزز سلطة الدولة اللبنانية، لا تبدو معنية بإعادة فتح الباب أمام دور عسكري سوري داخل لبنان. كما أن تركيا تنظر إلى استقرار سوريا بوصفه أولوية استراتيجية، ولا مصلحة لها في انخراط دمشق في صراع قد يستنزف مواردها ويعقد موقعها الإقليمي.

الخلاصات:
• يمثل تلميح ترامب إلى دور سوري محتمل ضد حزب الله أعلى مستوى من الإشارات الأمريكية العلنية إلى هذا الخيار منذ بدء تداوله في التقارير الغربية خلال الأشهر الماضية.
• لا توجد حتى الآن مؤشرات على وجود طلب أمريكي رسمي أو موافقة سورية على تدخل عسكري مباشر في لبنان، فيما تؤكد دمشق وبيروت أن التعاون القائم يقتصر على التنسيق الأمني وضبط الحدود.
• تسعى واشنطن إلى إبقاء احتمال الدور السوري مطروحاً ضمن أدوات الضغط على حزب الله وعلى الأطراف الإقليمية المعنية بالملف اللبناني.
• يحاول الرئيس أحمد الشرع الموازنة بين دعمه السياسي لمشروع الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيدها، وبين تجنب أي انخراط عسكري مباشر قد يضر بصورة سوريا الجديدة ويستحضر إرث التدخل السوري السابق في لبنان.
• تعتمد قدرة دمشق على رفض الضغوط الأمريكية المحتملة على حجم حاجتها إلى الدعم السياسي والاقتصادي الغربي، وعلى طبيعة المقايضات التي قد تطرحها واشنطن في المرحلة المقبلة.
• تميل السعودية وتركيا إلى دعم استقرار لبنان وتقوية مؤسساته، لكنها لا تبدو متحمسة لعودة دور عسكري سوري مباشر في الساحة اللبنانية.
• قد ترى إسرائيل في أي دور سوري عامل ضغط إضافي على حزب الله، لكنها ستظل متحفظة على أي ترتيبات تعيد توسيع النفوذ السوري قرب حدودها.
• يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التعاون الأمني والحدودي بين سوريا ولبنان، من دون انتقاله إلى مستوى التدخل العسكري المباشر، ما لم تشهد البيئة الإقليمية تحولات جوهرية تدفع واشنطن إلى ترتيبات مختلفة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.