ترامب ونتنياهو والشرخ المتسع في العلاقات الأميركية-الإسرائيلية: قراءة غربية
ورقة سياسات:
حمزة علي، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: شن الرئيس ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الحرب ضد إيران بدرجة غير مسبوقة من التنسيق. لكن بعد ثلاثة أشهر، يبدو الزعيمان منقسمين بشكل متزايد حول كيفية إنهاء الصراع.
يسعى ترامب إلى التوصل إلى اتفاق دبلوماسي يعيد فتح مضيق هرمز، ويؤمن التخلص من اليورانيوم المخصب الإيراني، وينهي صراعاً أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وكشف الانقسامات داخل قاعدته السياسية. في المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطاً داخلية متزايدة لتكثيف العمليات العسكرية ضد حزب الله.
برز الخلاف علناً بشأن لبنان، حيث جعلت طهران إنهاء الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله شرطاً مسبقاً للمفاوضات الأوسع مع واشنطن. بعد جولة مكثفة من الدبلوماسية، توصل الأطراف إلى ترتيب هش يقضي بوقف حزب الله لهجماته على إسرائيل وامتناع إسرائيل عن ضرب بيروت، رغم استمرار القتال في أماكن أخرى.
في هذه الورقة نحاول استطلاع هذا الشرخ المتنامي بين إدارة ترامب ونتنياهو من خلال قراءات في مراكز الدراسات والاعلام الغربي.
– قطيعة علنية مع التقاليد:
أقر الرئيس ترامب بأنه انتقد نتنياهو خلال مكالمة هاتفية قيل إنها تضمنت ألفاظاً نابية، موضحاً لاحقاً أنه كان “منزعجاً بعض الشيء” من العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله، والتي يعتقد أنها تعيق الجهود الدبلوماسية مع إيران.
ورغم إصرار ترامب على أن علاقته بنتنياهو لا تزال قوية، يرى العديد من المراقبين تحولاً أعمق آخذاً في الظهور. ففي مقال كتبه في 3 يونيو، جادل دان بيري، رئيس تحرير وكالة أسوشيتد برس السابق، بأن ترامب يبدو مبالغا في تعامله مع نتنياهو ليس كقائد لحليف سيادي، بل كمرؤوس من المتوقع أن يتبع التعليمات الأميركية. في هذه القراءة، بدأت إسرائيل تشبه دولة عميلة أميركية بدلاً من كونها قوة إقليمية مستقلة.
اتخذت المواجهات السابقة نمطاً مختلفاً. فالإدارات الأميركية كانت تمارس الضغط عادة خلف الأبواب المغلقة مع الحفاظ على المظهر العلني للاحترام المتبادل بين الحلفاء. لكن هذه المرة، يبدو أن الطبيعة العلنية للضغط كانت جزءاً من الاستراتيجية نفسها. إذ يبدو ترامب مصمماً على إظهار طهران وبيروت والرياض والدوحة والقاهرة وعواصم إقليمية أخرى أن واشنطن هي التي تتحكم في وتيرة التصعيد، وأن نتنياهو امتثل عندما صدرت إليه التعليمات بالتراجع.
– هشاشة نتنياهو السياسية:
عرّضت هذه الحادثة نتنياهو لانتقادات من كامل الطيف السياسي الإسرائيلي. كما انتقد رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت ويائير لبيد، اللذان يشكل تحالفهما المعارض تحدياً كبيراً لنتنياهو في الانتخابات المقبلة، تعامله مع هذه المواجهة.
لسنوات، رعى نتنياهو بناء صورة نمطية له باعتباره الزعيم الإسرائيلي الأكثر قدرة على إدارة العلاقات مع واشنطن مع الحفاظ على الاستقلالية الاستراتيجية الإسرائيلية. كان أنصاره يصورونه على أنه بارع بشكل فريد في التنقل في السياسة الأميركية وحماية المصالح الإسرائيلية رغم الضغوط الخارجية.
لكن هذه الصورة تضررت بشكل كبير. ووفقاً للمحللين، فإن قرار نتنياهو بالامتثال لمطالب ترامب قوض ركيزة أساسية من علامته السياسية التجارية: الادعاء بأنه قادر على الحفاظ على علاقات وثيقة مع واشنطن دون التضحية بحرية عمل إسرائيل.
جادلت صحيفة فاينانشيال تايمز في 4 يونيو بأن الانتقادات تعكس أكثر من مجرد خلاف عابر. بل إنها تشير إلى إرهاق متزايد في بعض الأوساط السياسية الأميركية تجاه الافتراضات الطويلة الأمد التي تقوم عليها العلاقة الأميركية-الإسرائيلية. اذ يلتقط شموئيل بار، ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق، القلق بوضوح قائلاً: “الناس يتحدثون عن أن إسرائيل تصبح ليس دولة مستقلة، بل دولة تابعة للولايات المتحدة.”
– تحول الإجماع الأميركي:
لا تكمن الأهمية الأوسع لهذا الخلاف في العلاقة الشخصية بين ترامب ونتنياهو فحسب، بل أيضاً في مواقف التيارات السياسية المتغيرة داخل الولايات المتحدة.
ربطت صحيفة واشنطن بوست هذه الخيوط معاً وأفادت في 3 يونيو أن النائب مارلين ستوتزمان، الجمهوري والداعم الطويل الأمد لإسرائيل، يعتزم تقديم قرار يدعو إلى مذكرة تفاهم أميركية-إسرائيلية جديدة من شأنها أن تلغي تدريجياً المساعدات الأميركية السنوية البالغة 3.8 مليار دولار وتطلب من إسرائيل تمويل مشترياتها من الأسلحة الأميركية بنفسها.
ورغم أن الاقتراح غير ملزم، إلا أنه لافت للنظر لأنه يأتي من داخل الحزب الجمهوري، القاعدة السياسية الأقوى تقليدياً لإسرائيل. وهو يعكس جهداً متزايداً بين بعض المشرعين المؤيدين لإسرائيل لمعالجة الانتقادات المتصاعدة بأن دافعي الضرائب الأميركيين يدعمون العمليات العسكرية الإسرائيلية.
في الوقت نفسه، أصبحت إسرائيل واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة الأميركية منذ تأسيسها عام 1948. فالحرب في غزة، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 75 ألف فلسطيني، عجّلت الدعوات بين الديمقراطيين والليبراليين لفرض شروط على المساعدات العسكرية أو تقليصها بالكامل.
يجادل جوش بول، المسؤول في وزارة الخارجية السابق المشارك في مفاوضات مذكرة التفاهم الأميركية-الإسرائيلية الأخيرة، بأن واقعاً سياسياً جديداً آخذ في الظهور ببطء في واشنطن. ومن المرجح أن نتنياهو، الذي طالما اعتبر مراقباً حاداً للسياسة الأميركية، يدرك الاتجاه الذي يسير فيه النقاش.
– عرض ترامب، وليس عرض نتنياهو:
لاحظت صحيفة وول ستريت جورنال في 3 يونيو أن الاحتكاك الحالي هو لافت بشكل خاص لأن ترامب ونتنياهو دخلا الصراع بدرجة غير عادية من التوافق الاستراتيجي. لكن هذه الوحدة تبدو هشة بشكل متزايد.
ففي حديث للصحيفة قال داني سيتزرينوفيتش، مسؤول الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق والباحث الكبير في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب : “أعتقد أن هناك فجوات كبيرة. ترامب يريد استنفاد أي جهود ولا يريد أي معطلين.” وأضاف: “هذا عرض ترامب. إنه ليس عرض نتنياهو.”
في ذات السياق ناقشت صحيفة التايمز اللندنية بأن نتنياهو يحاول سد فجوة بيئتين سياسيتين متباعدتين بشكل متزايد. في إسرائيل، يفضل الرأي العام إلى حد كبير استمرار المواجهة مع إيران وحزب الله. لكن في الولايات المتحدة، هناك القليل من الرغبة في الانخراط العسكري الأعمق في الشرق الأوسط بعد حملة رئاسية تركزت على إنهاء مشاركة أميركا في “الحروب الأبدية” ، وعشية الانتخابات النصفية للكونغرس .
كما لاحظت روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في منظمة “أولويات الدفاع”:
“هذه الحرب جعلت الجمهوريين الأصغر سناً يشككون في العلاقة مع اسرائيل على قاعدة: ‘لماذا نخوض حرب شخص آخر؟’ هناك استياء متزايد من فكرة أن دافع الضرائب الأميركي يمول الإسرائيليين وهم يسببون الكثير من الفوضى في المنطقة. هناك إرهاق حقيقي من ذلك. وأعتقد أن نوبة غضب ترامب هي إلى حد ما عرض من أعراض ذلك، وهي ليست عشوائية بالتأكيد.”
الخلاصة:
– المواجهة بين ترامب ونتنياهو ليست خلافاً معزولاً، بل هي أحدث علامة على تغير العلاقة الأميركية-الإسرائيلية. فلعدة سنوات، كانت أسس التحالف تتغير تحت ضغط حرب غزة، والإرهاق الحربي الأميركي المتزايد، وتغير الرأي العام، وزيادة التدقيق في الدعم الأميركي لإسرائيل عبر كلا الحزبين السياسيين.
– ما يجعل هذه حادثة التوتر الأخير مهمة، ليس أن واشنطن ضغطت على إسرائيل – فقد فعل الرؤساء الأميركيون ذلك من قبل – بل أن الضغط تم ممارسته علناً وبطريقة تؤكد الهيمنة الأميركية بدلاً من الشراكة. إن مشهد نتنياهو وهو يتعرض للتوبيخ العلني من قبل ترامب يعكس واقعاً أوسع: العلاقة أصبحت أكثر حدة في التعامل اليومي، وأكثر تنازعاً، وأقل حصانة سياسياً في الولايات المتحدة.
– ينبغي التأكيد في الختام، ان التحالف لا يزال قوياً، لكن الافتراضات القديمة التي تقوم عليها تتآكل باطراد. من الأفضل فهم صدام ترامب مع نتنياهو ليس على أنه قطيعة، بل كأحدث محطة في تحول طويل الأمد للعلاقة الأميركية-الإسرائيلية.
المراجع من المصادر الغربية:
1. . واشنطن بوست (The Washington Post)
– Paul, J. (2026, June 3). *GOP lawmakers push to make Israel pay for U.S. weapons — with Netanyahu’s blessing*. The Washington Post.
2.. وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal)
– (2026, May 20). Trump, Netanyahu Hold Testy Call Over Iran. The Wall Street Journal.
– (2026, June 3). Trump’s Show, Not Netanyahu’s (Editorial/News Analysis). The Wall Street Journal. (الورقة تشير إلى ملاحظة الصحيفة بتاريخ 3 يونيو حول الصدام الحالي)
3. فاينانشيال تايمز (Financial Times)
– (2026, June 4). Analysis of U.S.-Israel relations and growing fatigue in American political circles (الورقة تشير إلى تحليل FT بتاريخ 4 يونيو حول “الإرهاق المتزايد” تجاه الافتراضات التقليدية للعلاقة الأميركية-الإسرائيلية)
4.. التايمز (The Times) / التايمز اللندنية (The Times of London)
– (2026, June). Netanyahu’s challenge bridging two political environments: Israel’s preference for confrontation vs. U.S. war fatigue (الورقة تشير إلى تحليل التايمز حول محاولة نتنياهو سد الفجوة بين البيئتين السياسيتين في إسرائيل والولايات المتحدة)
5.. فورورد (The Forward)
– Perry, D. (2026, June 4). Trump’s humiliation of Netanyahu marks a sea change in the US-Israel relationship.
6.. جيروزاليم بوست (The Jerusalem Post)
– (2026, June). Editorial: Israel’s humiliating position seeking American approval to defend its citizens (الورقة تشير إلى افتتاحية جيروزاليم بوست حول “الوضع المهين” لإسرائيل)
للباحثين الذين يرغبون في تتبع المصادر الأصلية، يُنصح بالبحث في:
•أرشيف وول ستريت جورنال (WSJ.com) لشهر يونيو 2026
•أرشيف فاينانشيال تايمز (FT.com) لشهر يونيو 2026
•موقع الكونغرس الأميركي (Congress.gov) لتتبع تطور موقف النائب ستوتزمان (رقم التشريع المقترح: H.R. __ أو H. Con. Res. __)
•معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب (INSS) لأبحاث داني سيتزرينوفيتش
•منظمة أولويات الدفاع (Defense Priorities) لأبحاث روزماري كيلانيك
•مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أبحاث وليام غالستون